الفصل 132: 132
132
الفصل مائة واثنان وثلاثون
ظلَّت الحديقة الزجاجية في قصر آل بيريوت محتفظة بحرارتها الدافئة كما اعتادت دائمًا لكن الأجواء التي تملؤها كانت أبرد من الجليد. أمسكت *يوشيل بغصن زهرةٍ قانية، ثم حطمته بين أصابعها حتى تهشّم.
منذ اليوم الذي سمعت فيه بخبر احتراق مستودع آل بلانشيت.
في البداية ظنتها مصادفة، لكن كثرة التفاصيل المريبة دفعتها إلى التحري، حتى عرفت الحقيقة كاملة.
كانت يوريسييل قد التصقت بكاسيان من أجل الحصول على دواءٍ لوالدتها الحقيقية. وذلك الدواء لم يكن باهظ الثمن فحسب، بل كان نادرًا إلى حد استحال معه العثور عليه داخل الإمبراطورية.
لهذا السبب لم تكن أكياس المال تغري تلك الفتاة أبدًا.
الآن فقط فهمت السبب.
فباختصار الشخص الوحيد القادر على توفير دواء والدتها المحتضرة لم يكن سوى كاسيان بل إن كاسيان كان قد خزّن كميةً من ذلك الدواء داخل المستودع منذ البداية.
وما إن عرفت هذه الحقيقة، حتى ازداد غضبها اشتعالًا.
إذ كان يحتجز تلك الفتاة إلى جواره مستخدمًا الدواء ذريعةً!
يا للسخرية… ذلك الرجل الذي كان يقف أمامها بوجهٍ بارد كالجليد، ويطالبها ألّا يتدخل أحدهما في حياة الآخر كان يعامل تلك المرأة وكأنه عاشقٌ يائس.
لكن إن كان هدف الفتاة هو الدواء فالأمر أصبح أبسط بكثير مما توقعت. يكفي استخدام ذلك الدواء لإقناع يوريسييل أو تهديدها حتى تبتعد عن كاسيان، وعندها سيعود كل شيء إلى نصابه.
وكان من المفترض أن تتولى الدوقة إليز هذه المهمة فالدواء موجود حاليًا لدى آل بلانشيت أما كاسيان فقد غادر إلى ساحة الحرب، ولذلك لم تكن هناك فرصة أفضل من هذه.
لكن بدلًا من استخدام الدواء للمساومة أو التهديد أقدمت الدوقة على إحراقه كله.
صحيح أن الفاعل لم يُعرف رسميًا، لكنه كان مجرد حدس ومع ذلك كانت بيوشيل واثقة أن الدوقة هي من فعلها.
لم تستطع إنكار أنها صُدمت فالدوقة التي لم يعرف الناس عنها إلا الاتزان والكمال، والتي كانت مثالًا يُحتذى به أن ترتكب فعلًا كهذا؟ كان من الصعب تصديق ذلك.
والأهم من ذلك لو أرادت إبعاد تلك الفتاة بعقلانية، لكان الأجدر بها استخدام الدواء كورقة تفاوض، لا أن تحرقه بالكامل.
إحراقه كله لن يفعل سوى شيءٍ واحد.
سيزيد تعاطف كاسيان مع تلك الفتاة ولهذا رأت بيوشيل أن تصرف الدوقة لم يكن حكيمًا إطلاقًا.
***
وفي صباح اليوم التالي وصلتها رسالة من ساحة المعركة.
كان والدها، ويسترنرود، يسكب فيها غضبه حرفًا بعد حرف.
كتب عن كاسيان الذي رفض حتى تعليق منديلٍ واحد منها، وعن أوامر الطرد الصريحة التي تلقاها وعن الإهانات المتعمدة
وفي ختام الرسالة كتب:
【يا له من عار أن أستمع إلى هراء ناقصةٍ مثلكِ. لقد لطختِ اسم والدك واسم آل بيريوت بما يكفي. كان الأجدر بكِ ألّا تولدي أصلًا. عديمة الفائدة حتى النهاية.】
كلما أعادت قراءة الكلمات، ازداد الغضب المشتعل في صدرها، حتى انعقدت حاجباها بوضوح.
في تلك اللحظة دوّى وقع خطواتٍ مسرعة.
توقف الضابط المساعد أمامها بعدما هرع إليها، لكنه تردد في الكلام حين لمح يدها الملطخة بالدماء، وكأنها كانت غارقةً في الدم ولم ينطق إلا بعدما اصطدمت به نظرتها الحادة فانحنى فورًا.
“ما الأمر؟”
قال بصوتٍ منخفض:
“امرأة تُدعى يوريسييل جاءت لزيارتكِ.”
في الظروف العادية، كان ينبغي لتلك العامة أن تُطرد من القصر على يد الفرسان فور وصولها لكن بيوشيل كانت قد أصدرت أوامر مسبقة بإبلاغها إن حضرت فهي كانت تعلم أنها ستأتي.
طالما أصبح الدواء بين يديها فإن تلك الفتاة ستشق طريقها إليها مهما كلفها الأمر.
ارتسمت على شفتي بيوشيل ابتسامةٌ ساخرة وهي تأمر:
“أحضروا الدواء.”
أومأ الفارس وغادر مسرعًا أما هي فنهضت ببطء وسارت عبر الرواق حتى بلغت القاعة الكبرى وهناك وقعت عيناها على يوريسييل. واصلت السير بخطواتٍ يغلفها بردٌ قاسٍ.
وحين سمعت يوريسييل وقع خطواتها، انتفضت واقفةً.
توقفت بيوشيل أمامها مباشرة.
***
وُضع فنجانا قهوة بينهما، وتصاعد منهما البخار الساخن.
ارتشفت بيوشيل قهوتها بهدوء، ثم راحت تتأمل يوريسييل كما لو كانت تشاهد لوحة.
ما زالت الفتاة نحيلةً جميلة، لكن لونها كان ذابلًا على نحوٍ يبعث على الشفقة. بدت وكأنها فقدت نصف وزنها من كثرة المعاناة.
أما وجهها، فصار رماديًا كقطعة حطبٍ احترق نصفها.
لا حياة فيه وكأنها تعيش فقط لأنها لم تمت بعد.
ذلك المنظر أرضى بيوشيل لكنها مع ذلك لم تستطع أن تطيق وجودها بل شعرت أنها أصبحت أكثر إثارةً للاشمئزاز.
فالضحية الحقيقية كانت هي ومع ذلك تجلس تلك المرأة مرتجفةً وكأنها هي من تعرض للظلم.
ولم تقل بيوشيل شيئًا، اكتفت بالصمت، تحدق فيها أما يوريسييل
فحركت شفتيها مرارًا، قبل أن تشد قبضتيها وتنتزع صوتها بصعوبة.
“جئت… لأطرح عليكِ سؤالًا.”
رفعت رأسها، وأجبرت نفسها على مواجهة نظرات بيوشيل.
“هل… لديك دواء ليبيرو؟”
وقعت عين بيوشيل على اليد البيضاء المرتجفة أمامها.
راقبتها بهدوء، ثم وضعت فنجانها على الطاولة بصوتٍ خافت.
وبإشارةٍ منها تقدم الفارس المرافق ووضع شيئًا على الطاولة.
أشارت بيوشيل إلى القارورة اللامعة.
“أهذا ما تبحثين عنه؟”
في اللحظة التي وقع فيها بصر يوريسييل على الدواء خفق قلبها بعنف.
كان هو فعلًا دواء ليبيرو الذي ظلت تبحث عنه طويلًا.
على بعد خطوة واحدة فقط كانت حياة والدتها.
مجرد أن تمد يدها فتنقذها.
جف حلقها من شدة التوتر. راقبتها بيوشيل باسترخاء وهي تنقر بإصبعها على حافة الفنجان.
رنَّ الصوت الخافت في القاعة، وكأنه يُحدث شرخًا في الصمت.
سألت يوريسييل بصوتٍ متوسل:
“هل… يمكنكِ بيعه لي؟”
أدارت بيوشيل فنجانها ببطء، وهي تستمتع بمشهد احتراقها من الداخل، كان ذلك وحده يخفف شيئًا من الغضب المتراكم في صدرها، ثم قالت ببرود:
“ولماذا أفعل؟”
ابتلعت يوريسييل ريقها، ثم قالت بعزم:
“إذا أعطيتِني هذا الدواء… فسأغادر.”
صمتت لحظة، ثم تابعت:
“ولن ألتقي بالسيد كاسيان مرةً أخرى أبدًا. سأعيش وكأنني ميتة.”
امتلأت عيناها برجاءٍ صادق لكن بيوشيل سخرت من ذلك الرجاء وقالت بابتسامة باردة:
“يا للأسف…”
“…”
“سواء ابتعدتِ عنه أم بقيتِ إلى جواره فهذا لم يعد يهمني.”
اتسعت عينا يوريسييل بدهشة.
“ماذا…؟”
ألم تكن بيوشيل هي خطيبته؟ إذن لماذا…
ابتسمت بيوشيل بسخرية وقالت:
“لقد فُسِخت خطبتي منه وكل ذلك بفضلكِ.”
اتسعت ابتسامتها القاسية ففي ظهر رسالة والدها التي وصلتها صباحًا، كان قد كتب أيضًا:
【لقد انتهى تحالف آل بيريوت وآل بلانشيت نهائيًا. وقد أرسلت رسالةً إلى دوق بلانشيت لإنهاء الأمر. لذا اعتبري زواجكِ منه لاغيًا، وتوقفي عن حماقاتكِ.】
ما إن قرأت الرسالة حتى أطلقت صرخةً مدوية.
فبعد أن أُرسلت الرسالة إلى آل بلانشيت لم يعد هناك طريق للتراجع، لقد حطم والدها، حفاظًا على كبريائه كل ما بنته بيديها.
كانت قارورة الدواء لا تزال فوق الطاولة. التقطتها بيوشيل ثم أسقطتها عمدًا أمام عيني يوريسييل.
تحطمت القارورة بصوتٍ مدوٍّ وتناثر الدواء على الأرض.
أما بيوشيل فداسَت عليه بكعبها، وسحقته دون تردد.
وفي اللحظة نفسها خرج من فم يوريسييل صراخٌ يكاد يكون عويلًا.
“لا… لاااا…!”
وقفت بيوشيل تتأملها وهي غارقة في دموعها، وعلى وجهها ابتسامةٌ عريضة ملؤها الشماتة ثم استدارت وغادرت وكأن شيئًا لم يحدث ولم يبقَ في المكان إلا مسحوق الدواء المهشم، متناثرًا على أرضية القاعة.
***
بعد ليلةٍ حالكة أشرقت الشمس على الإمبراطورية الهادئة.
اجتمع صفاء الطقس مع عطلة نهاية الأسبوع، فامتلأت الشوارع بالناس الذين انشغل كلٌّ منهم بما يسرّه.
أما الفرسان الذين فرغوا من احتفال النصر فكانوا يتباهون بمكافآتهم، وينفقونها بسخاء في كل مكان. كانت وجوههم تفيض بالفخر والبهجة باستثناء رجلٍ واحد قائد فرسان آل بلانشيت، تيوبه. وسط ذلك الجو الصاخب، كان وجهه رماديًا شاحبًا، وهو يشق طريقه بقلق نحو الجهة الغربية من القصر الإمبراطوري.
ولحسن الحظ لم يوبخه الإمبراطور على حضور تيوبه بدلًا من كاسيان فشعبية كاسيان بين أبناء الإمبراطورية كانت هائلة، كما أن سبب غيابه أُعلن على أنه مضاعفات إصابة قديمة.
لكن بينما كان الجميع يمدحون البطل لم يكن البطل موجودًا أصلًا وكان ذلك يحرق قلب تيوبه.
فقد مرت أيام منذ أن غيّر كاسيان وجهة جواده، وانطلق وحده نحو إمبراطورية هارت.
وكلما تذكر أنه دخل أرض العدو بمفرده تضاعف قلقه إلا أنه لم يستطع مخالفة أمر سيده، الذي شدد عليه أن يبقى في الخلف.
لكن المشكلة لم تتوقف عنده فالدوق ديفيرون لم يبدِ اعتراضًا يُذكر حين أُبلغ بسبب غياب ابنه أما الدوقة إليز فلم تكن كذلك.
كانت تصرخ منذ مراسم العودة، مؤكدةً أن غياب قائد النصر عن احتفال الانتصار أمرٌ لا يُعقل ثم حين علمت أن كاسيان توجه إلى هارت بدأت تفقد صوابها شيئًا فشيئًا وبحلول اليوم الثاني أصبحت مقتنعة بأن مكروهًا قد أصاب ابنها.
بلغ قلقها حدًّا جعلها تتوجه بنفسها إلى البرج السحري.
أرهقت السحرة أيامًا متواصلة، وأنفقت ثروةً طائلة حتى نجحت في الحصول على روحٍ خادمة على هيئة طائر، مدربةٍ تدريبًا خاصًا.
وخلال يومٍ واحد فقط عاد الطائر من هارت وما إن أمسكت الدوقة بساقه حتى شحب وجهها. كانت الرسالة التي أرسلتها قد اختفت لكن لم يكن هناك أي رد من ابنها والأسوأ أن جسد الطائر كان مغطىً بخطوط طويلة من الدم.
“لا… مستحيل…”
اجتاحها شعورٌ مرعب فأخذت تستجوب تيوبه بإلحاح، ثم استدعت ساحرًا وأمرت بفتح ذاكرة الطائر السحرية.
كان الساحر مرهقًا إلى حد الإنهاك، لكنه اضطر إلى الامتثال.
وغاص في عقل الطائر ثم عرض مشهدًا واحدًا.
هناك رأى تيوبه سيده.
كان كاسيان ممددًا على الأرض، مغمض العينين وجسده كله غارق في الدماء أما الدوقة فسقطت مغشيًا عليها في الحال.
وفي أثناء ذلك لاحظ تيوبه أن خلفية المشهد كانت إحدى القواعد السرية التابعة لآل بلانشيت.
فلم يتردد لحظة. اندفع خارجًا، وامتطى جواده، وانطلق بأقصى سرعة نحو الشمال ثم غيّر مساره عند مدخل الإمبراطورية وزاد من سرعة اندفاعه وحين وصل أخيرً وجد ما كان يتوقعه.
كان كاسيان هناك.
“سيدي الشاب!”
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.