مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 131: 131نحو 8 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 131: 131

131

الفصل مائة وواحد وثلاثون 

كان الاسم الذي انساب من بين شفتي والدتها بصوت متكسر اسم رجل. 

“فين…” 

كانت عيناها المحتقنتان بالدموع تلمعان برطوبة واضحة. 

‘فين؟’ 

لم تسمع يوريسييل بهذا الاسم من قبل لكنها لم تحتج إلى وقت طويل لتخمّن هوية صاحبه. 

‘لا بد أنه اسم أبي…’ 

أو لعلّه ليس اسمه الحقيقي، بل اسم الدلال الذي كانت تناديه به. 

فالرجل الذي تتصوره لا بد أنه نبيل، واسمٌ بسيط مثل “فين” لا يليق بالأسماء المتداولة بين طبقة النبلاء. وفي الحقيقة، لم يكن يهمها ما اسمه الحقيقي كما لم يكن ذلك يعني لها شيئًا طوال حياتها. 

كل ما أدركته أن قلب أمها ما زال يحتفظ بذلك الرجل، محفورًا فيه كما كان. 

وقفت للحظة تحدق في ظهر أمها المرتجف وهي تنتحب بصمت. 

لو كان هذا قبل سنوات، لظلت واقفة في مكانها، تراقب دموع أمها حتى تجف أو ربما هربت من المشهد كله أما الآن فلم تعد ترغب في فعل ذلك. 

تقدمت بخطوات ثابتة حتى وقفت إلى جوارها. 

استدارت الأم على وقع خطواتها، وقد كانت آثار الدموع تغطي وجهها بالكامل. 

ناولتها يوريسييل منديلًا، فأخذته تمسح به عينيها بخجل. 

قالت يوريسييل بهدوء: 

“أمي…” 

ثم غطى هدير الأمواج كلماتها. 

“لو أتيحت لك فرصة لقاء أبي مرة أخرى هل ستفعلين؟” 

كانت ذاكرة والدتها قد استعادت معظم ما فقدته، وكانت عيناها ما تزالان عالقتين في تلك الأيام السعيدة البعيدة. 

هزّت رأسها برقة. 

“نعم… مرة واحدة فقط.” 

“…”

“أريد فقط أن أعرف إن كان يعيش بخير.” 

ارتسمت ابتسامة خافتة على شفتيها وربما… 

ربما بالنسبة لأمها كان الأمر مختلفًا تمامًا عما هو بالنسبة لها. 

لم تكن يوريسييل قادرة على فهم تلك المشاعر فهمًا كاملًا، لكن رؤية أمها بهذا الشكل جعلتها عاجزة عن تجاهلها. 

ذلك الحنين الذي حملته أمها طوال حياتها نحو رجل لا تعرف حتى أين هو؟ وترى، أي معنى كان يمثله لها؟ 

‘وهل… ينتظرها أبي أيضًا؟’ 

لا، مستحيل فلو كان ينتظرها، لما تركها تبحث عنه كل هذه السنين، لقد اختار النهاية الأكثر ابتذالًا بين قصص الحب. 

والآن فقط أدركت سبب تهربها الدائم من السؤال عنه. 

لم يكن لأنها لا تريد معرفته بل لأنها كانت تخاف الحقيقة. 

فالاعتقاد بأنه تخلى عنها شيء أما التأكد من ذلك فهو شيء آخر تمامًا ولهذا لم تجرؤ يومًا على فتح ذلك الصندوق الذي يشبه صندوق باندورا. 

لكن كل تلك المخاوف سُحقت تحت دموع أمها. 

وفي لحظة، استقرت أفكارها أخيرًا. 

ستبحث عن أبيها. 

لقد أوشك مشروعها على الانتهاء، وما إن تنتهي منه حتى لن يكون العثور عليه أمرًا مستحيلًا. 

كانت تدعو من أعماق قلبها أن يكون رجلًا صالحًا. 

حتى تستطيع أن تجمعه بأمها وإن لم يكن كذلك، فلتكن لديه ذرة واحدة من الضمير تكفي لأن يحزن عليها بصدق عندما تموت. 

***

تحت شمس الظهيرة الحارقة، كانت ساحة التدريب في قلب أسرة بيريوت تعج بأصوات السيوف ومع انتهاء التدريب الشاق، تفرق الفرسان المنهكون ليستظلوا بالأشجار. 

وكان بينهم الفارس المستجد ذو الشعر القمحي. 

ورغم قسوة التدريبات التي كانت تُخرج معظم المنضمين الجدد من الأيام الأولى، ظل هو يصمد بصمت، حتى بدأ الفرسان الكبار يعترفون بقدراته تدريجيًا وبين الحين والآخر كانوا يمزحون معه. 

“بهذا الوجه الجميل، لن تواجه أي مشكلة في اجتياز اختبار الترقية، هاها!” 

“…”

“صحيح، فلم يسبق أن رأينا فارسًا أجمل منك.” 

هزّ الشاب رأسه باستسلام وجلس في ظل الشجرة. 

هبّت نسمة باردة عبر الظل الطويل. 

أغمض عينيه بوجه خالٍ من التعابير، ثم مرر يده الكبيرة بين شعره القمحي وللحظة ظهرت خصلات فضية كانت مخفية تحته. 

لكن ما إن ترك شعره حتى عاد لونه القمحي يغطيها بالكامل. 

عاد بذاكرته إلى اليوم الذي صبغ فيه شعره. 

اليوم الذي دفن فيه اسم هايل. 

في الحقيقة لم يكن انضمامه إلى أسرة بيريوت قرارًا متهورًا. 

بل كان نوعًا من العناد. في اليوم الذي علم فيه أن “إيل” تتلقى الدواء من ذلك الرجل واليوم الذي عرف فيه أنها خرجت من الفندق معه تجمدت كل مشاعره في قلبه، وتحولت إلى مرارة مهينة. لم يكن يستطيع أن يواجه يوريسييل ويحاسبها ولم يكن يملك حتى الحق في منعها. وما أكثر سخف حاله يحاول أن يوقفها وهو لا يستطيع أن يمنحها شيئًا. 

رجل لا يملك سوى الكلمات الفارغة لا أكثر ولا أقل. 

لم يكن يريد أن يكرر ما حدث في أيام ألفونس. 

في البداية، كان يخشى أن تبتعد يوريسييل عنه لكن بعدما رأى البرودة في عينيها استفاق أخيرًا ولم يحتج وقتًا طويلًا حتى اتخذ قراره قادته قدماه إلى أسرة بيريوت. 

إن كان عاجزًا عن توفير دواء السيدة جين وعاجزًا عن فعل أي شيء فليساعدها بهذه الطريقة على الأقل. 

وربما كان كل ذلك مجرد محاولة بائسة لاستعادة كبريائه الذي دُفن في التراب أما الآن فقد أصبح هدف حياته الوحيد هو كسب ثقة الآنسة بيوشيل حتى يتمكن من إيصال يوريسييل إلى المكان الذي تستحقه. 

ولم يعد ينتظر منها أي امتنان، كان يريد فقط أن يقنع نفسه بأنه فعل شيئًا صالحًا واحدًا في حياتها شيئًا يسمح له بمواصلة العيش. 

وسرعان ما اعتاد حياة فرسان بيريوت لأن لديه هدفًا. 

وبعد مدة قصيرة، صار يشعر أن انضمامه إليهم كان قرارًا صائبًا. 

فقد اكتشف أن ما يجري في الخفاء أكثر بكثير مما كان يتخيل. 

الآنسة بيوشيل لم تكن امرأة تكتفي بإلقاء كيس من المال ثم تنصرف. وفي الليلة التي خططت فيها لبيع يوريسييل إلى التاجر سلاير علم هايل بالأمر، فأرسل فورًا إشارة استغاثة إلى ذلك السيد الشاب. 

ورغم أنه بدا تصرفًا مثيرًا للسخرية إلا أنه لم يكن يملك خيارًا آخر. 

وكما توقع كان ذلك الرجل ذكيًا بما يكفي. ونجحت يوريسييل في الإفلات لكن ارتياحه لم يدم طويلًا فبعد ذهاب الدوق الشاب كاسيان إلى الحرب انقطع عنها الدواء. 

وراح يراها تجوب كل مكان بحثًا عنه ومن قبيل المصادفة أو ربما بسبب نوايا الآنسة بيوشيل الخبيثة كانت هي الأخرى تبحث عن ذلك الدواء وفي اليوم الذي عثر فيه أحد الفرسان الكبار على مكان وجوده أرسل هايل رسالة مجهولة إلى يوريسييل، كتب فيها اسم تلك المصحة وبالطبع لم يكن خاليًا تمامًا من الأنانية. 

لكن شيئًا واحدًا كان صادقًا. 

كان يتمنى أن تصل يوريسييل إلى الدواء قبل بيوشيل. 

ولو ليوم واحد فقط لتنعم ببعض السكينة فلم يعد يحتمل رؤيتها تذبل كل يوم بين تهديدات بيوشيل وعلاقتها المشؤومة بذلك الرجل لكن من يملك السلطة والثروة يكون دائمًا أسرع ممن لا يملك شيئًا وفي النهاية وصل الدواء إلى يد الآنسة بيوشيل أولًا. 

ولم يكن في أسرة بيريوت أي مريض بداء رايموك. 

لذلك كان السبب واضحًا للغاية. 

لقد اشترته فقط كي تسحق يوريسييل. 

كانت يوريسييل قد ذبلت حتى صار لونها رماديًا باهتًا، كأنها ليل لا يعرف النور وكان وجهها يوحي بأنها ستختفي من هذا العالم إن لم تحصل على ذلك الدواء. 

وهايل يعرف أنها قادرة على فعل ذلك. 

فهي كانت دومًا تراهن بكل شيء حين يتعلق الأمر بالسيدة جين. 

‘إن حدث ذلك…’ 

أغمض عينيه وهو يشعر بالدوار. 

خلال الأيام الماضية، بحث هو الآخر عن مصحات أخرى لكن لم يعد هناك سوى شخص واحد يستطيع إعطاء يوريسييل ذلك الدواء وهي الآنسة بيوشيل وهي لن تمنحه لها أبدًا. 

لكن لو وعدت يوريسييل بأنها ستترك ذلك السيد الشاب فلعل بيوشيل توافق. 

ففي النهاية لم يعد لدى يوريسييل ما تكسبه من بقائها معه. 

خرج هايل متجهًا إلى مكتب البريد وأخرج ورقة، ثم كتب عليها بخط واضح: 

【الدواء موجود في حوزة الآنسة بيوشيل بيريوت.】

***

حين وقعت الرسالة بين يدي يوريسييل ارتجفت أصابعها بعنف. 

“الدواء… عند الآنسة بيوشيل؟!” 

ولم تمنح نفسها فرصة لترتيب أفكارها، اندفعت ساقاها خارج المنزل مسرعتين. وفي أثناء ذلك، ظل عقلها يحاول استيعاب هذا الوضع العبثي. 

‘لماذا تشتري أسرة بيريوت دواءً لا يحتاج إليه أحد منهم؟’ 

كان الجواب واضحًا. 

إنها الآنسة بيوشيل التي خططت سابقًا لاختطافها وبيعها إلى تاجر سلاير ومن المؤكد أنها تعلم أن الرجل الذي أنقذها يومها كان كاسيان وتعرف جيدًا مقدار الكراهية التي تحملها لها. 

حبست يوريسييل أنفاسها بصعوبة، وأجبرت جسدها المرتعش على الثبات ثم عقدت العزم وصعدت إلى العربة. 

سارت العربة بهدوء على عكس قلبها المضطرب وفي داخلها، حاولت يوريسييل بكل ما أوتيت من قوة أن تهدئ نفسها. 

وفي الحقيقة ربما كان هذا أفضل من أي احتمال آخر. 

فلو لم يكن الدواء قد اشتراه مريض يائس بل كان مجرد لعبة تحتفظ بها بيوشيل فما زال هناك أمل. 

إذا وعدت الآنسة بيوشيل بأنها لن ترى كاسيان مرة أخرى فلعلها تمنحها ذلك الدواء.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.