مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 130: 130نحو 8 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 130: 130

130

الفصل مائة وثلاثون 

دخلت يوريسييل إلى المصحّ، ومضت بخطوات متثاقلة. 

وعلى خلاف ما يوحي به مظهره الخارجي المتواضع، كان الداخل مجهزًا على نحوٍ جيد، بل أوسع مما توقعت. امتلأت القاعة بقوارير زجاجية وأنابيب وجرار وأعشاب لا تعرف أسماءها، حتى خُيّل إليها أنها دخلت ورشةً من ورش الخيميائيين القدماء. 

وكان عبير الأعشاب الطبية يملأ الأرجاء لكن لوقوع المصح في زاوية نائية من المدينة، لم يكن هناك أي مريض أو زائر. 

في ذلك المكان الفسيح، بدت هيئة يوريسييل النحيلة أكثر هشاشةً ووحدة ومع كل خطوة نحو الداخل، أخذ جسدها يرتجف. 

فمنذ اليوم الذي اختطفها فيه أولئك الغرباء، أصبحت الأماكن الخالية من الناس تستحضر ذلك الرعب في جسدها كما لو كان أثرًا دائمًا لا يزول ومع ذلك واصلت السير. 

فهي لم تأتِ إلى هنا لتتردد أو توازن بين المخاطر. 

ولو كانت تنوي ذلك، لبدأت أولًا بالتحقيق في هوية صاحب الرسالة المجهولة لكنها كانت تؤمن أن لا قاع أسوأ مما وصلت إليه. 

فلم يعد هناك ما يدعو إلى التردد. 

‘وهل بقي ما هو أسوأ من هذا؟ كنت أظن أن النهاية أصبحت أمامي مباشرة…’ 

إن السقوط من سماء امتلأت بالأمل أقسى بكثير من حياةٍ لم تعرف الأمل منذ البداية. 

كان قلبها، الذي أخذ يجف مع كل دقيقة وكل ثانية، يخفق بعنف أمام بصيص الأمل الوحيد المتبقي أما حقيقة أن ما استندت إليه لم يكن سوى رسالة مجهولة المصدر لا تحمل أي دليل فقد نسيتها منذ زمن فكل ما كانت تريده الآن أن تتشبث بأي خيط، مهما كان واهيًا. 

واصلت التقدم، وقد اختلط تنهدها برجائها اليائس. 

ولم تتوقف إلا عندما وقعت عيناها على شيخ أشيب الشعر. 

كان يقلب صفحات كتابٍ ضخم مليء برسوم الأعشاب الطبية. 

وبدا بوضوح أنه صاحب هذا المصح. 

انتبه إلى وجودها، فرفع رأسه وأزاح خصلات شعره الأبيض إلى الخلف، ثم سأل: 

“ما الذي جاء بكِ؟” 

ابتلعت يوريسييل ريقها بصعوبة. والحقيقة أنها حاولت طوال الطريق ألا تعلق آمالًا كبيرة على هذا المكان. 

كانت تردد لنفسها مرارًا: 

‘إنه مجرد نفق أخير… آخر احتمال لا أكثر.’ 

لكن عندما وقفت أمام الطبيب وجهًا لوجه اشتد توترها حتى شعرت بأن حلقها قد جف تمامًا. 

قالت بصوت خافت: 

“جئت لأشتري دواء ليبيرو.” 

ثم سألت بحذر: 

“هل… ما زال لديكم منه؟” 

ما إن سمع الطبيب اسم الدواء، حتى انعقد ما بين حاجبيه قليلًا. 

‘كما توقعت… لا يوجد.’ 

وبينما كانت تستسلم لليأس ظل الطبيب يتأملها بصمت ثم مال برأسه قليلًا وقال باستغراب: 

“أنتِ أيضًا تبحثين عنه؟” 

اتسعت عيناها. 

“أنا أيضًا…؟” 

هل كان هناك شخص آخر يبحث عن الدواء نفسه؟ 

صحيح أن قدوم المرضى إلى مصح للبحث عن دواء ليس بالأمر الغريب لكن المرض الذي يُستخدم له دواء ليبيرو كان نادرًا للغاية فمنذ انتهاء وباء رايموك الذي اجتاح القارة قديمًا لم تعد الحالات التي تحتاج إليه شائعة ولهذا كان الدواء نادرًا وباهظ الثمن. 

نظر إليها الطبيب، ثم تمتم وكأنه يحدث نفسه: 

“غريب… لماذا كثر من يسألون عن ليبيرو اليوم؟” 

ثم ألقى نظرة أخرى عليها واستقرت عيناه على ثوبها البالي. 

كان فستانًا رخيص القماش، حتى إن أقصى ما يفعله هو ألا ينتقص من جمال صاحبته. 

اقتنع الطبيب في داخله أن هذه الفتاة حتى لو وجدت الدواء فلن تملك ثمنه فهي لا تبدو إلا نبيلة سقطت أسرتها أو فتاة من عامة الناس ولن يكون بوسعها تحمل نفقات ذلك المرض الذي يُطلق عليه الناس مرض النبلاء بل لعل عدم توفر الدواء أرحم لها. 

قال بأسف: 

“أعتذر… لكنه نفد بالكامل.” 

امتلأت عينا يوريسييل بيأسٍ عميق وفي لحظة انهار الأمل الذي تشبثت به وشعرت وكأنها دُفعت إلى حافة هاوية. 

تشبثت بطرف الطاولة بكل ما أوتيت من قوة حتى لا تسقط. 

“…”

لقد قال قبل قليل إن أحدًا جاء واشترى الدواء. 

عندها فقط تذكرت أن نظرته قبل قليل كانت تتفحص ملابسها. 

قالت بسرعة: 

“المال ليس مشكلة.” 

ثم وضعت حقيبة كبيرة فوق الطاولة وارتطمـت بالأخشاب بصوتٍ ثقيل. كانت الحقيبة تضم كل ما ادخرته طوال سنوات عملها موظفةً في الإدارة ولم يقتصر الأمر على ذلك. 

فقد باعت أيضًا كل ما حصلت عليه من كاسيان. 

الملابس، وأداة التغيير السحري، وكل شيء آخر. 

وكان ثمن تلك الأغراض أكبر بكثير من كل ما ادخرته خلال سنوات ومع ذلك كانت تعلم أن المال لا يزال غير كافٍ. 

ولهذا رهنت مستقبلها الوظيفي، واقترضت من كل جهة استطاعت الوصول إليها فلو كان في ذلك إنقاذٌ لوالدتها لفعلت أي شيء. 

‘أرجوك…’ 

نظر الطبيب إلى الحقيبة بدهشة لكن جوابه لم يكن ما انتظرته. 

“ليس الأمر متعلقًا بالمال.” 

ثم تابع بهدوء: 

“الدواء غير موجود فعلًا.” 

تردد صوته داخل رأسها كأنه لعنة وأضاف: 

“والأوضاع الحالية لا تسمح لنا بالحصول على دفعة جديدة في الوقت الراهن.” 

كانت تلك الكلمات بمثابة أمرٍ بالمغادرة. 

قبضت على يديها حتى غرست أظافرها في لحمها ومع ذلك لم تستطع أن تتحرك سألت بصوتٍ مرتجف: 

“هل… يمكن أن تخبرني بمن اشترى الدواء؟” 

ارتسمت في عيني الطبيب لمحة أسف لكنها اختفت سريعًا. 

“أعتذر، لكن لا يمكنني كشف معلومات المرضى لأي شخص.” 

كان ردًا منطقيًا تمامًا حتى إنها لم تجد ما يمكن أن تقوله. 

أما بقية كلماته، التي حاول فيها أن يواسيها فبدت كأنها حكم بالإعدام، قال: 

“على أي حال، حتى لو حصلتِ على جرعة واحدة، فلن يتغير شيء.” 

كانت تلك العبارة أشد قسوة من كل ما سبق. 

خرجت من المصح مترنحة وكان الطريق إلى السكن يغرق أمام عينيها في ضبابٍ أبيض. لم تعد تعرف أهو المطر أم دموعها ما يبلل وجهها لكن وجنتيها كانتا تحترقان. 

***

عادت يوريسييل إلى حياتها اليومية وكأن شيئًا لم يتغير. 

كانت تنفذ أعمال المشروع بنصف وعي وتراقب زملاءها وهم يفرحون باقتراب اكتماله ثم تعود إلى السكن لتعتني بوالدتها. 

أصبح ذلك روتينًا اعتادت عليه، الفرق الوحيد أن آخر خيط من الأمل اختفى من حياتها. 

عندها فقط أدركت كم كانت كلمة “الأمل” وهمًا عظيمًا. 

ومنذ ذلك اليوم أخذ اليأس يتضخم داخلها ساعةً بعد ساعة. 

وقعت عيناها على كومة النقود التي جمعتها بشق الأنفس. 

كانت الأموال التي كرست حياتها لجمعها مكدسة أمامها لكنها الآن لم تعد تساوي شيئًا حتى النظر إليها كان يبعث في نفسها فراغًا قاتلًا. 

لاحظ المشرف عليها في العمل أن وجهها يزداد شحوبًا يومًا بعد يوم فكان يسألها أحيانًا: 

“هل أنتِ بخير؟” 

وبالنسبة إليه بل في الحقيقة بالنسبة إلى كل موظفي الإدارة وبرج السحر بدت يوريسييل غريبة. 

فبينما كان الجميع يحتفل بنجاح المشروع، بفضل دعم كاسيان كانت هي وحدها تبدو كإنسانة تحتضر وكان ذلك يشعرها بالخجل. 

حتى مشرفها كان يحاول أن يراعي حالتها النفسية. 

أما بقية أعضاء الفريق فلم يتوقفوا عن الثناء على الرجل الذي موّل المشروع وأوصله إلى النجاح. 

وإذا خرجت إلى شوارع العاصمة وجدت الجميع يمدحون البطل الذي سيعود من الحرب ثم عندما تعود إلى السكن كانت والدتها تنتظرها دائمًا، تبتسم لها ابتسامة باهتة لكن كلما رأتها أكثر نحولًا من صباح ذلك اليوم كان قلبها يغرق أكثر. 

وفي عطلة نهاية الأسبوع اصطحبت والدتها في نزهة إلى الساحل، بعد غياب طويل ورغم أن المرض جعل الحركة شاقة عليها كانت تكرر باستمرار: 

“أنا بخير.” 

لكن بدت وكأنها تشعر بالاختناق. 

في الماضي كانت يوريسييل تقول لها دائمًا: 

“اصبري قليلًا… ستأتي أيام أفضل.” 

أما الآن فبعد أن فقدت الأمل لم تعد قادرة على التضحية بالحاضر من أجل مستقبل لم يعد موجودًا لأن كل لحظة قد تكون الأخيرة ولأنها أرادت، على الأقل أن تبتسم والدتها في تلك اللحظات الأخيرة. 

نعم، في وقتٍ ما بدأت تستعد للنهاية. 

لتلك النهاية التي لا يمكن لأي إنسان أن يعتادها مهما حاول. 

لم تستطع أن تخبر والدتها بالحقيقة ولن تستطيع أبدًا. 

بينما كانتا تسيران بمحاذاة البحر، داعبت الريح شعرهما. 

أمسكت والدتها بيدها برفق. 

كانت يدها أضعف بكثير من ذي قبل وقد فقدت دفأها. 

ورغم ذلك كانت تجاهد لتبتسم وعند رؤية تلك الابتسامة كادت دموع يوريسييل تنهمر. يبدو أن والدتها استعادت معظم ذكرياتها إذ نادتها بلقبها القديم المحبب: 

“إيل.” 

ثم ابتسمت بحنان ورغم مرضها كانت لا تزال تهتم بابنتها كما اعتادت دائمًا وهنا لم تستطع يوريسييل منع دموعها. 

سألتها والدتها بقلق: 

“ما بكِ؟” 

فابتسمت يوريسييل بصعوبة وأجابت: 

“أنا… فقط سعيدة جدًا.” 

عندها فقط زالت ملامح القلق عن وجه والدتها. 

راودها ندمٌ متأخر. 

‘ليتني لم ألتقِ بذلك الرجل منذ البداية.’ 

‘ليت ذلك الأمل لم يوجد أصلًا…’ 

ربما كان الألم سيكون أخف والخيبة أقل قسوة. 

شعرت أنها إن بقيت دقيقة أخرى فستنهار أمام والدتها. 

فقالت إنها ستذهب لشراء شيء يؤكل ثم أسرعت بالابتعاد لكنها اختارت متجرًا قريبًا، بحيث تستطيع مراقبة والدتها طوال الوقت. 

ولحسن الحظ كانت والدتها منشغلة بالنظر إلى البحر. 

اشترت لها خبزًا بالكريمة، وهو الحلوى التي تحبها دائمًا وخلال ذلك لم ترفع والدتها عينيها عن الأمواج البيضاء. وفي طريق عودتها كانت الندامة تملأ قلبها ثم ركضت نحو والدتها. وما إن توقفت إلى جوارها حتى تجمدت في مكانها. كانت الدموع تملأ عيني والدتها. 

هوى قلبها إلى قاع صدرها وسقط خبز الكريمة من يدها وتناثر على الأرض. 

‘لا… هل عرفت أمي شيئًا؟’ 

ارتطم الخبز بالأرض وتبعثرت الكريمة البيضاء فوق التراب تمامًا كما تبعثرت مشاعرها.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.