الفصل 129: 129
129
الفصل تسعة وعشرون
المستودع رقم واحد ذلك المكان كان يضم الأدوية المخصصة لوالدة تلك الفتاة وبحسب الموعد، فمن المستحيل أنها حصلت على جرعة الشهر المتبقية بعد.
واصل تيوبه تقريره:
“بعد أن أصبحت نورتنس تحت سيطرتنا، فلن تكون هناك مشكلة في طرق التوزيع، ولكن…”
توقفت كلماته عندما رأى كاسيان واقفًا بلا أدنى رد فعل.
قال كاسيان بصوت بارد إلى حدٍّ مرعب:
“المشكلة… هي هارت.”
سكب قليلًا من الويسكي في كأسه، ثم رفعه إلى شفتيه وارتشفه بوجه جاف خالٍ من أي تعبير وكأنه يتحدث عن شأن لا يمت إليه بصلة لكن حرارة الشراب القوي كانت تشتعل في أعماق رأسه.
فهارت هي الجهة الوحيدة التي تتولى جميع مراحل تصنيع دواء ليبيرو وهي أيضًا الدولة التي ابتكرته أول مرة، وتملك حقوق احتكاره أما أن يحصل على ذلك الدواء من إمبراطورية هارت بعد أن أغلقت حدودها مع بانتيون وقطعت العلاقات الدبلوماسية تمامًا؟
فالجواب بسيط، ذلك لن يحدث أبدًا.
على الأقل، ليس قبل أن تمر سنوات وتعود العلاقات بين الإمبراطوريتين إلى طبيعتها وخلال تلك السنوات ستموت والدة يوريسييل.
“…”
مر في خاطره ألفونس، حين رأى جين لأول مرة ثم تداخلت الصورة مع يوريسييل التي كانت تنهار كلما ذُكرت والدتها.
وتذكر أيضًا وجهها المبلل بالدموع في كل مرة.
كان صوت اصطدام مكعبات الثلج بجدار الكأس يتردد مع كل دورة يدير بها الكأس، كأنه صوت تشقق شيء ما.
وفوق ذلك، قال تيوبه:
“سأتحقق مرة أخرى إن كانت هناك جهة أخرى تستطيع تصنيع الدواء.”
كان كلامًا هادئًا على نحو يدعو للسخرية.
نعم، ربما يوجد مكان ما يستطيع إعادة إنتاجه.
لكن كم سيستغرق العثور عليه؟
لم يكن أحد يستطيع الإجابة ولهذا فعبارة “سأبحث” لم تكن في حقيقتها سوى صيغة مهذبة تعني: لقد انتهى الأمر.
ولن يبقى منها سوى مواساة شكلية لتلك الفتاة حتى تيوبه نفسه كان يدرك هذه الحقيقة ولهذا لم يستطع رفع رأسه.
فكل التحقيقات السابقة أثبتت أن هارت هي المنتج الوحيد لذلك الدواء، صحيح أنهم لم يفتشوا القارة بأكملها وربما تظهر معجزة ما.
لكن احتمال ذلك كان ضئيلًا إلى حد اليأس.
ومهما أدار تيوبه رأسه بحثًا عن حل ظل مقتنعًا بأن هذا هو أقصى ما يمكن فعله.
فما الذي يمكن إنجازه أصلًا في مثل هذا الوضع الكارثي؟
ولو أراد أن يكون أكثر صراحة لقال إن حظ تلك السيدة كان سيئًا إلى حد يبعث على الاشمئزاز.
وكانت هناك أمور لا يستطيع حتى الحظ أن يقلبها.
فحتى سيده لا يستطيع إنهاء نزاع بين دولتين.
وفي تلك اللحظة قطع كاسيان الصمت.
“من الآن، ستقود الجنرالات إلى القصر الإمبراطوري وتحضر مأدبة النصر.”
ارتبك تيوبه.
“عفوًا… أنا؟ ولماذا أقوم أنا بذلك؟”
أما كاسيان فكان يبدو طبيعيًا كما لو أنه يصدر أمرًا روتينيًا.
وهذا بالذات أخاف تيوبه لأنه يعرف سيده جيدًا.
كلما همّ بفعل أمر جلل أصبح هادئًا إلى هذه الدرجة.
‘لا تقل لي… أنه ينوي الذهاب إلى هارت بنفسه لجلب الدواء؟’
نهض كاسيان وألقى عباءته على كتفيه.
لم يكن في حركاته أي اضطراب ومن يراه لظنه يتحرك كعادته.
لكن تيوبه أدرك الفرق فورًا، كان يستعجل وكأن شيئًا يطارده.
ذلك الرجل الذي لم يفقد رباطة جأشه يومًا تغير تمامًا.
أخذ تيوبه يحلل الموقف بسرعة.
مهما كان سيده فلن يستطيع حل أزمة بين إمبراطوريتين بمفرده.
‘هل ينوي التسلل إلى تجار هارت والتفاوض معهم؟’
هل يعقل أن يقدم الرجل الذي طالما حكمه العقل على تصرف بهذه المجازفة؟
لو سمع أي شخص بهذا القرار لوصفه بالجنون.
قال على عجل:
“إذا سارت الأمور على نحو خاطئ، فقد يتحول الأمر إلى نزاع دبلوماسي بين الدولتين.”
كان كاسيان الركيزة الأساسية لدوقية بلانشيت، التي تمثل بحد ذاتها رمزًا لإمبراطورية بانتيون وأي حركة منه قد تتحول إلى قضية سياسية كبرى.
أجابه كاسيان بهدوء:
“ولهذا أطلب منك أن تذهب أولًا.”
اتسعت عينا تيوبه.
“لا تقل إنك تنوي الذهاب وحدك؟”
لم يظهر على كاسيان أدنى تردد فأسرع تيوبه ليقف في طريقه.
“على الأقل عد إلى الوطن أولًا، وتحقق من الوضع هناك قبل أن تتحرك.”
لو علمت الدوقة بالأمر فلن تسمح له بالمغادرة. ورغم أنه يعلم أن سيده لن يغير رأيه تمسك تيوبه بأي بصيص أمل. كما أن حضور القائد الأعلى لمأدبة النصر كان واجبًا لا ينبغي التخلي عنه.
لكن نظر إليه كاسيان بنظرة حادة تكاد تذبح وقال:
“لقد تحققت بالفعل.”
“…ماذا؟”
ظن تيوبه أن سيده يقصد التقرير الذي رفعه قبل قليل عن احتراق المستودع بل ندم حتى لأنه أوصل الخبر بهذه الصراحة.
لكن كان استنتاج كاسيان يسير في اتجاه آخر تمامًا.
قال بصوت منخفض:
“ألا يبدو الأمر مضحكًا؟”
ارتبك تيوبه.
ما الذي يدعو للسخرية في هذا الموقف؟
رفع رأسه لينظر إليه فتجمد في مكانه.
كانت زاوية فم كاسيان مرفوعة بازدراء لكن ذلك الاعوجاج لم يكن ابتسامة بل كان غضبًا خالصًا وهو أمر نادر الحدوث.
وعندها فقط لاحظ أن إحدى يديه كانت تطبق بقوة على لوحة تحمل ختم بلانشيت وقد تحطمت اللوحة بين أصابعه. وكان الدم الداكن يتساقط من راحة يده لكنه لم يحاول حتى مسحه.
لو رآه أي شخص الآن لصدق بسهولة اللقب الذي أطلقه الناس عليه مؤخرًا.
«الوحش المجنون.»
أما تيوبه، الذي رافقه سنوات طويلة فلم يشعر بالصدمة بقدر ما شعر بأن الأمر غير معتاد.
قال:
“وما الذي يبدو مضحكًا في هذا الوضع؟”
أجاب كاسيان:
“أن يحترق ذلك المستودع في هذا التوقيت بالذات.”
ثم رفع عينيه الحمراوين نحوه.
“حتى لو حاول أحد أن ينسج خطة محكمة فلن يبلغ هذا القدر من الكمال.”
تردد تيوبه.
“هل… هل تقصد أنك تشك في وجود شخص من داخل بلانشيت؟”
أومأ كاسيان بهدوء ثم خرج من الخيمة.
لم يجد تيوبه خيارًا سوى اللحاق به، بينما كان القلق يعصف بقلبه.
من ذا الذي يجرؤ على إحراق شيء يخص السيد الشاب؟
لكن سرعان ما توقفت أفكاره عند شخص واحد.
الشخص الوحيد القادر على العبث بأشياء كاسيان.
الشخص الذي يملك دافعًا لإحراق ذلك الدواء.
الشخص الذي قد يحرق المستودع لإخفاء الأدلة كلها كانت تشير إلى إنسان واحد.
الدوقة إليز دي بلانشيت.
لكن لم يستطع تيوبه أن يصدق.
تلك السيدة اللطيفة ذات الوجه الحنون هل يمكن أن ترتكب فعلًا كهذا؟
أما كاسيان فكان يسخر من هذه الفكرة. كانت والدته تبدو امرأة رقيقة ترتجف حتى من قتل حشرة صغيرة لكن حقيقتها كانت أكثر قسوة مما يتخيله الناس.
تذكر طفولته حين خدشت وجه إحدى الخادمات لأنها كانت مع والده ثم استدارت مبتسمة وكأن شيئًا لم يحدث.
كانت أمه إذا أرادت شيئًا قادرة على أن تصبح في غاية الوحشية.
أما موت والدة يوريسييل فلم يكن بالنسبة إليها أكثر أهمية من موت حشرة وما إن علمت أن تلك الفتاة بقيت إلى جواره بسبب الدواء حتى رتبت كل شيء مسبقًا.
***
وصل كاسيان إلى أطراف الغابة المجاورة للمعسكر وتوقف أمام حصانه الأبيض، الذي سُرِّح عرفه بعناية.
مد يده وربّت على عنقه برفق ثم امتطاه بخفة وأمسك اللجام.
أطلق الحصان صهيلًا مدويًا واستدار نحو الخارج.
ظل تيوبه واقفًا مكانه، عاجزًا عن قول أي شيء ولم يجد إلا أن ينحني بصمت وفي اللحظة التالية شد كاسيان اللجام.
وانطلق الحصان الأبيض يشق الأرض بأقصى سرعته.
***
دوت أخبار النصر في أنحاء الإمبراطورية وعاشت البلاد بأكملها أجواء احتفالية ومع اقتراب موعد عودة الجيش الإمبراطوري
بدأ الناس يعدّون الألعاب النارية، ويشكلون فرق الاستقبال والفرق الموسيقية لاستقبال الأبطال.
وسط كل تلك الوجوه المضيئة كانت يوريسييل وحدها تغرق في لون رمادي قاتم.
في الأيام العادية كان حزنها سيذوب بين الناس لكن وسط هذه الفرحة الصاخبة برزت وحدتها أكثر من أي وقت مضى.
كانت تمشي بين الجموع بلا قوة وكان الجميع يتحدثون عن كاسيان.
ويرفعونه إلى منزلة البطل.
تمامًا كما كانوا يفعلون قديمًا مع ألفونس في ذلك الزقاق.
بل أكثر من ذلك فالعاصمة كلها لم تعد تتحدث إلا عنه.
أما هي فلم يتغير شيء بالنسبة إليها.
هي تكرهه وهو ينال مديح الجميع، ما عداها.
يا لها من مفارقة ساخرة.
تنهدت طويلًا وأجبرت قدميها على متابعة السير.
طوال الأيام الماضية لم تتوقف عن محاولة فهم سبب ما فعله بها.
لكن مهما أعادت التفكير لم تجد أي سبب.
لقد تظاهر باللطف وأوهمها أنه سيمنحها كل شيء ثم رفعها إلى أعلى القمم ليدفعها منها بيديه.
كان ذلك تعذيبًا بالأمل ولا تفسير له.
وهذا هو أكثر ما أوشك أن يصيبها بالجنون.
كانت تسخر من نفسها.
كيف سمحت لنفسها أن تأمل فيه؟ كيف خفق قلبها نحوه؟
بينما لم تكن بالنسبة إليه شيئًا على الإطلاق.
‘هل كان ينوي فعل هذا منذ البداية؟ أم أنه ملّ مني بعدما انتهت فائدتي؟’
أيًا كانت الإجابة فالنتيجة واحدة، لن تحصل على الدواء.
ومع كل مرة تعيد فيها التفكير كان يتأكد لها أمر واحد فقط.
ما فعله لم يكن خطأ بل كان متعمدًا.
وكلما ازداد يقينها بذلك اشتد شعورها بالغثيان.
وفي ذلك اليوم أيضًا لم تستطع كبح القيء.
وبعد أن تقيأت صعدت إلى العربة.
سألها السائق:
“إلى أين؟”
بيد مرتجفة ناولته الأجرة وورقة كُتب عليها العنوان.
كان ذلك عنوانًا أرسله إليها شخص مجهول.
ولم تحتوِ الورقة سوى اسم مصحة، وعنوانها، وجملة قصيرة:
【ستجدين الدواء هناك.】
من الذي يعرف أصلًا أنها تبحث عن هذا الدواء؟
كان سؤالًا كفيلًا بأن يقشعر له البدن لكن لم يعد لديها متسع لتفكر في ذلك كل ما كان يملأ رأسها هو أنها تحتاج إلى جرعة واحدة أخرى وفوق ذلك كانت كلمات الطبيب تتردد في أذنيها كلعنة.
“إياكِ أن تتأخري.”
كانت قد تركت والدتها في المصحة مؤقتًا لأنها لم تستطع الاعتناء بها أثناء ذهابها إلى هذا المكان.
وعندما خرجت هز الطبيب رأسه بأسف. كانت نظراته مليئة بالعتاب وكأنها تقول:
“كيف سمحتِ لنفسك أن تتأخري مرة أخرى؟”
لكنه لم يقل شيئًا، ربما لأن حالتها كانت تغني عن كل كلام.
***
كانت شوارع العاصمة مكتظة بالناس بسبب عطلة نهاية الأسبوع.
وتقدمت العربة بهدوء فوق الطريق الواسع وبعد فترة توقفت.
وخارج النافذة ظهر مبنى صغير متهالك.
مصحة متواضعة، بالكاد توحي بأنها تستطيع إنقاذ أحد.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.