مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 128: 128نحو 8 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 128: 128

128

الفصل مائة وثمانية وعشرون 

حدقت إليز في وجه جين مرة تلو الأخرى وشحب وجهها حتى بدا وكأنها رأت شبحًا وعندما خرج صوتها أخيرًا، كان يرتجف على نحو لا يليق بسيدة دوقة. 

“تلك المرأة…” 

لكن الكلمات خانتها وفي النهاية، رفعت يدها لتغطي فمها. 

لم يكن هناك أدنى شك فالمرأة الممددة على الحمالة كانت وجهًا تعرفه جيدًا. ذلك الشعر الأشقر البلاتيني المنسدل بغزارة، والرموش الطويلة، والهالة الرقيقة التي تميزها ورغم أن الدماء لطخت ملامحها، إلا أن إليز كانت واثقة. 

إنها روز… المرأة التي ظل زوجها يبحث عنها بجنون طوال تلك السنوات والمرأة التي لم يستطع دوق ديفيرون، زوجها، أن ينساها يومًا واحدًا، كانت تعيش في العاصمة طوال هذا الوقت. 

والأسوأ من ذلك أنها والدة يوريسييل، تلك الفتاة 

التي أغوت ابنها. 

شعرت إليز بأن الأمر يبعث على السخرية بل بدا لها من فرط غرابته وكأنه مؤامرة رديئة الصنع، حتى إنها كادت تشك في حقيقة ما تراه لكن كل قطع الأحجية كانت تنطبق على بعضها تمامًا. 

‘تلك العينان الزمرديتان اللتان تحملهما يوريسييل لا بد أنهما ورثتهما عن تلك المرأة.’ 

تذكرت فجأة ما قرأته ذات يوم في مذكرات زوجها، التي كانت مخبأة في أحد أدراجه. 

[ليت تلك العينين الزمرديتين، الجميلتين كأعماق البحر، تنظران إليّ ولو لمرة واحدة.] 

وفي اللحظة نفسها، مرّ في ذهنها وجه يوريسييل، الذي شعرت يومًا بأنه يشبه امرأة ما. 

‘كان يجب أن أدرك الأمر آنذاك…’ 

هل كان تجاهلها لذلك التشابه خطأً قاتلًا؟ 

أطبقت أصابعها بقوة حتى ابيضّت مفاصلها وبينما كان الغضب يبتلعها شيئًا فشيئًا وصلت العربة إلى وجهتها. 

لو كان الأمر كالمعتاد، لنزلت هناك، وسلمت الدواء ليوريسييل، ثم بدأت باستمالتها لكن إليز أمرت السائق بالعودة فورًا. 

ساد الصمت داخل العربة طوال طريق العودة إلى قصر بلانشيت. 

وتجعد جبينها بعمق. كانت صورة الأم وابنتها، بوجهيهما النقيين، تطارد ذهنها كأنها لعنة. 

أخرجت أكياس الدواء التي كانت تحملها ثم اتجهت بخطوات ثابتة نحو الموقد وألقتها داخله. 

في لحظات تحولت الأكياس إلى رماد أسود وظلت تحدق في النار بلا أي تعبير ولم تتحرك إلا بعدما تأكدت أن كل أثر للدواء قد اختفى. وأثناء مرورها بالحديقة، رفعت يدها إشارة إلى مرافقيها كي يبقوا في أماكنهم ثم اتجهت وحدها نحو المستودع. 

وصلت إليه سريعًا، أدارت المقبض ودخلت. 

كان مستودعًا عاديًا، لا يلفت الانتباه. 

أخرجت أداة إشعال وأضرمت النار. وأضاء اللهب الحار المكان المظلم، وجعل الظلال تتراقص على الجدران. 

انتقلت النيران إلى الأخشاب شيئًا فشيئًا. 

وقفت تراقبها بهدوء وهي تكبر ثم سكبت الزيت فوقها. 

فاشتعلت ألسنة اللهب بعنف أكبر. 

ظلت تحدق فيها للحظات ثم خرجت من المستودع مسرعة، وكأنها تهرب من المكان لكن كان وجهها هادئًا تمامًا كأن شيئًا لم يحدث. 

لم يمض وقت طويل حتى بدأ الدخان يتصاعد، وهرع الخدم نحو المستودع، وتعالت الأصوات المذعورة أما إليز فلم تلتفت إلى الخلف ولو مرة واحدة واكتفت بالسير عبر الحديقة. 

عادت إلى غرفتها بعد عبور الرواق ومن النافذة راحت تراقب الدخان المتصاعد في الأفق. لا بد أن المستودع قد احترق بالكامل، ولم يبق منه أي أثر وكذلك سيكون مصير والدة تلك الفتاة. 

صحيح أنها ستظل حية في قلب زوجها، تحترقه إلى الأبد. 

لكن لم يعد ذلك يعني إليز بشيء فقد تخلت عن ذلك منذ زمن بعيد كل ما يهمها الآن هو أن تختفي يوريسييل، الفتاة التي تقف في طريق مستقبل ابنها. 

في الماضي كانت تعتقد أن وجود امرأة عشيقة إلى جانب ابنها ليس بالأمر المهم أما الآن فقد غيرت رأيها تمامًا. 

أي امرأة أخرى لا بأس بها لكن يوريسييل هي الوحيدة التي لا يمكنها قبولها أبدًا. 

عادت إلى ذهنها صورة رأتها قبل قليل من نافذة العربة. 

كانت يوريسييل تبكي وهي تتشبث بوالدتها، وقد ارتسم الذعر على وجهها فابتسمت إليز في سرها. 

لن تستطيع تلك الفتاة أن تنظر إلى وجه ابنها مجددًا. 

فمهما يكن لن تمسك بيد الرجل الذي قتل أمها. 

***

على خلاف جميع التوقعات التي رجحت أن تطول الحرب بدأت رايات إمبراطورية ليسيتيوم بانتيون ترتفع فوق الأراضي الواحدة تلو الأخرى بوتيرة أسرع من المتوقع ومع ازدياد المقاطعات التي أعلنت خضوعها ازدادت عزيمة جيش بانتيون، حتى بلغت معنوياته عنان السماء أما وادي نورتنس، الذي اعتادت الأمطار أن تزوره باستمرار فقد بدا وكأنه يحتفل بانتصارات الإمبراطورية، بسمائه الزرقاء الصافية. وكان الجميع يعلم أن الفضل الأكبر في ذلك يعود إلى جيش بلانشيت المنضبط، وإلى الخطط العسكرية الباهرة التي يقودها كاسيان بل إن كل من شارك في هذه الحملة لم يكن يملك إلا الإقرار بذلك. 

كان كاسيان يتنبأ بكل شيء مسبقًا حتى بدا وكأنه يرى ما لا يراه الآخرون وأثارت بصيرته الحادة دهشة النبلاء لكن إعجابهم لم يقف عند هذا الحد فحين كان يغرس سيفه في صدر أحد الخونة بوجه لا يحمل أي انفعال كان حضوره أشبه برسول خرج لتوه من نهر الموت وكان مجرد سيره يفرض هيبته على الجميع. 

وحتى أنفاسه كانت مختلفة عن أنفاس البشر. 

ورغم أن معظم النبلاء المشاركين في الحملة كانوا يكبرونه سنًا بكثير إلا أنهم وقفوا أمامه صامتين أما أولئك الذين شككوا فيه في البداية فقد صاروا الآن يعترفون بقيادته ويتبعونه. 

قال أحدهم: 

“حقًا… الدم لا يكذب.” 

“إنه بالفعل وريث بلانشيت. حتى كلماته تحمل ثقلًا وهيبة.” 

“كما حدث في قضية الخائن سابقًا كيف عرف أيضًا أن الوادي سيتعرض لكمين؟” 

“على أي حال إنه رجل استثنائي.” 

وهكذا انقلبت الآراء التي كانت تُقال عند دخول الوادي رأسًا على عقب لكن كان هناك رجل واحد فقط يقطب جبينه. 

إنه ويسترنرود رب أسرة بيريوت. 

قبل أيام، ذهب إلى خيمة كاسيان بنفسه وحصل على جواب مختصر لكنه قاطع لقد قال حينها: 

“هذا المنديل لم تتمكن بيوشيل من تسليمه إليك.” 

كان يظن أنه اختار عبارة مناسبة فبيوشيل لم تخبر كاسيان بأي شيء صراحة ولذلك اعتقد أن مجرد تسليمه المنديل سيكون كافيًا. 

لكن كاسيان اكتفى بهزة رأس باردة وفي اليوم التالي واليوم الذي يليه لم يضع ذلك المنديل عليه ولو مرة واحدة. 

وكأنه يتجاهل حتى النية الطيبة وكل ما فعله ويسترنرود، حتى وهو يدوس على كبريائه سحقه كاسيان بلا مبالاة. واليوم أيضًا راقبه وهو يدخل خيمته، من دون أن يحمل معه أي شيء. 

كان ويسترنرود يظن أن استعجاله لإنهاء الحرب سببه أيضًا رغبته في الزواج من ابنته لكن لم يكن يبدو أن هذا الأمر يشغل كاسيان ولو قليلًا. تذكر ويسترنرود الرسالة التي وصلته صباحًا. 

【إذا كنت تنوي اتخاذ اللورد كاسيان عدوًا، فسأساعدك. أرسل ردك مع فرقة الرسل العائدة.】

كانت الرسالة بلا توقيع لكن عرف مرسلها فورًا. 

الكونت ألتن. 

في الماضي، حين كان للكونت مكانة مرموقة داخل بلانشيت تبادل معه ويسترنرود العلاقات الاجتماعية أكثر من مرة. 

لم تكن بينهما صداقة حقيقية بل مجرد معرفة من خلال النوادي الأرستقراطية لكن كان يعرف جيدًا طبيعة ألتن. 

رجل ماكر، لا يعرف معنى الوفاء لكنه يصبح أفضل حليف حين تتوافق المصالح ولذلك لم يكن يجهل سبب مخاطرة ألتن بمد يده إليه. لقد أطاح به وريث شاب من مركز نفوذه، وأرسله إلى الأطراف وكان يحاول استعادة مكانته داخل العائلة بأي وسيلة. 

في الماضي لما فكر ويسترنرود أبدًا في التعاون معه لكن الآن، تغير الأمر وأخفى في قلبه نصلًا موجهًا إلى كاسيان. 

***

انتهت اجتماعات القادة كعادتها ورغم توالي الأخبار السارة لم يتغير تعبير كاسيان ولو قليلًا اكتفى بإيماءة خفيفة ثم نهض. 

وفي تلك اللحظة اندفع تيوبه إلى الداخل، وانحنى أمامه. 

“مملكة نورتنس أعلنت استسلامها.” 

سلّمه الراية الملكية ورفعها كاسيان بيده وفي اللحظة نفسها دوّت صيحات النصر من جميع القادة. 

كان الجنرالات يستعدون للعودة، وخطواتهم أخف من أي وقت مضى وكان تيوبه يرتب الأمتعة بسعادة، وهو يتابع ظهورهم المبتعدة لكن وصله تقرير مفاجئ فتجمد في مكانه. 

ثم انطلق مسرعًا نحو خيمة كاسيان. 

كانت الخيمة مرتبة بعناية ولم يبق فيها تقريبًا أي شيء. 

لذلك لفت انتباهه غرض صغير يتدلى من أطراف أصابع كاسيان. 

ضغط كاسيان عليه فصدر منه صوت امرأة كانت تهمس: 

〈”أنا أُحِبُكَ.”〉 

بدا وكأنه دمية أطفال تصدر أصواتًا، لا يليق إطلاقًا برجل مثله. 

كان كاسيان شارد الذهن، يحدق إليه بعينيه الحمراوين. 

ولم يرفع نظره إلا عندما اقترب تيوبه. 

“ما الأمر؟” 

كان تيوبه مضطربًا على غير عادته وكان الارتجاف واضحًا في عينيه. 

“ذلك… لقد وقع أمر خطير.” 

توقع كاسيان الأسوأ. 

“هل حدثت مشكلة عند مدخل نورتنس؟” 

“لا… ليس هذا…” 

ابتلع تيوبه ريقه، ثم قال بصوت شاحب: 

“وردنا تقرير بأن المستودع رقم واحد لعائلة بلانشيت قد اشتعلت فيه النيران.” 

قطب كاسيان حاجبيه. 

“اندلع حريق؟” 

أسرع تيوبه يضيف: 

“لقد احترق بالكامل…” 

“…!!”

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.