مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 127: 127نحو 9 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 127: 127

127

الفصل مائة وسبعة وعشرون 

أنهت يوريسييل عملها كعادتها، لكنها لم تتجه إلى مقر إقامتها. 

تجاوزت بوابة القصر الإمبراطوري، وسارت بين المباني المتراصة بلا وجهة محددة، حتى توقفت خطواتها أخيرًا أمام قصر آل بلانشيت. كان قصرًا بالغ الضخامة، حتى إن المرء لا يستطيع أن يحيط به بنظرة واحدة إلا إذا رفع رأسه إلى أقصى حد. وكان يُعد، بعد القصر الإمبراطوري، أفخم وأوسع بناء في العاصمة. 

حتى إنها وجدت نفسها تبتسم بسخرية من ماضيها؛ حين كانت تظن أن ألفونس هو عالمها بأسره. 

وقفت تحدق في القصر طويلًا. 

لكن كل ما فعلته لم يتجاوز التجول حوله بلا جدوى. 

ذلك الرجل الذي لم يكن يفوّت موعد إرسال الدواء قط يبدو أنه عندما اندفع إلى ساحة الحرب، انشغل بما فيه الكفاية لينسى حتى وجودها أو ربما لم تعد تساوي شيئًا في نظره. 

ومع ذلك، كلما تذكرت نبرة صوته الدافئة التي سمعتها منه آخر مرة، أقنعت نفسها بأن الأمر ليس كذلك لكن الخيال، والهروب من الحقيقة، لم يكونا كافيين لإخماد القلق فمع كل يوم يمضي، كان خوفها يتراكم كبرج لا يتوقف عن الارتفاع. 

‘هل يعقل أنه وهو يغادر إلى الجبهة على عجل، تذكّر حتى أمر الدواء؟’ 

إذا اختفى، فلن يعود هناك سبيل للحصول عليه وإن كان قد غادر دون أن يترك أي تعليمات كانت تريد أن تسأله، أي شيء لكنها لم تكن تملك وسيلة واحدة للوصول إليه. 

وعندها فقط أدركت الحقيقة. لم يكن بوسعها التواصل مع الرجل الموجود في ساحة القتال، إلا إذا بادر هو بالاتصال أولًا. 

آه… إذن كان الأمر كذلك. 

صفعتها الحقيقة المتأخرة بقسوة باردة. 

***

ومضى الزمن، واستمرت الأيام بالدوران كعجلة لا تتوقف. 

وكان الأمس هو اليوم الذي كان ينبغي لوالدتها أن تتناول فيه الدواء. أمضت النهار كله تتجول أمام المنزل، وهي تتشبث بأمل واهٍ أن يصلها خبر منه، أو أن يظهر أحد رجاله لكن أحدًا لم يأتِ أما القلق الذي حاولت دفنه، فقد تراكم داخلها حتى صار يحرق قلبها احتراقًا أسود، دون أن يجد منفذًا للخروج ولهذا كلما استعادت وعيها، وجدت نفسها واقفة أمام قصر بلانشيت. كانت تتشبث بأمل خافت، لعل الرجل قد ترك خلفه شخصًا يتولى أمر الدواء لكنها كانت تعلم أن ذلك مجرد وهم فلو كان قد ترك أحدًا لهذه المهمة، لوصل الدواء إليها قبل أن تضطر إلى المجيء إلى هنا. 

كانت تعرف أن كل ما تفعله عبث ومع ذلك لم تستطع الاستسلام. 

‘ألا توجد حقًا أي وسيلة للوصول إليه؟’ 

كانت ترتجف كلما قرأت التقارير التي تنقل أخبار الحرب. 

ولحسن الحظ ذكرت الصحف أن الكونت كاسيان يحقق انتصارات مذهلة، وأن الحرب ستنتهي أسرع بكثير مما كان متوقعًا لكن حتى ذلك “الوقت القصير” لم يكن أقل من عدة أشهر. 

‘إن مرت عدة أشهر دون أن تحصل أمي على الدواء…’ 

مجرد تخيل الأمر جعل العرق البارد يتصبب من جبينها. لم يكن بوسعها الجلوس مكتوفة اليدين وهي تشاهد والدتها تموت أمامها. 

وكأنها فقدت صوابها، دخلت المبنى الإداري مترنحة، وراحت تفتش بين مستندات مكتب البريد ومن بين الرسائل المرسلة إلى الجبهة كانت توجد مراسلات عائلة بلانشيت أيضًا. 

فكل شحنة تتجه إلى ساحة الحرب لا بد أن تحمل ختم الإدارة. 

ولم يكن حتى كاسيان، وريث بلانشيت، مستثنى من ذلك. 

بيد مرتجفة وضعت ختم الإدارة على رسالتها، التي كتبتها وهي تضغط على القلم بكل ما أوتيت من قوة، ثم دسّتها بين رسائل بلانشيت. 

في البداية كانت تخشى أن تكتشف العائلة أمرها لكن في مرحلة ما، لم يعد ذلك يهمها فحين ترى والدتها تختنق ببطء، وتفقد أنفاسها مع كل ثانية يصبح ارتكاب أمر كهذا شيئًا لا يُعد مخاطرة أصلًا. 

***

مر أمام عينيها وجه أمها الشاحب، وهي تناديها صباح اليوم. 

منذ أن فاتتها جرعة الدواء كانت تذبل يومًا بعد يوم، ويزداد شحوبها وفي كل مرة ترى العظام تبرز أكثر فوق يديها الهزيلتين كان قلبها يهوي. 

بسبب فقدان الذاكرة الناتج عن الآثار الجانبية للدواء كانت والدتها تدريجيًا تكف عن التعرف عليها لكنها نادتها باسمها. 

وكان ذلك تغيرًا واضحًا ففي الآونة الأخيرة، كانت تنسى حتى اسمها، وتسألها: 

“من أنتِ؟” 

كلما استعادت والدتها جزءًا من ذاكرتها شعرت وكأن صخرة جديدة تُربط فوق قلبها لأنها كانت تشعر أن تلك الذكريات لا تعود إلا مقابل أن تستهلك ما تبقى من حياة والدتها. 

لو أن ذاكرتها عادت بعد شفائها لفرحت بذلك بكل سرور. 

أما الآن فكل ذكرى تستعيدها بسبب انقطاع الدواء كانت تبدو وكأنها نذير كارثة. 

حين تمد أمها يدها النحيلة لتلمس وجهها، وتنادي اسمها كانت تضطر إلى تنظيم أنفاسها كي تمنع دموعها من الانهمار. 

وبالطبع لم تتوقف عن البحث عن الدواء حتى وهي تعرف النتيجة سلفًا فهناك أمور في الحياة لا يستطيع الإنسان التخلي عنها، مهما كانت مستحيلة. 

سألت كل النقابات وبحثت عن التجار الذين يوزعون الدواء. 

لكن حتى لو وجدته فمن المستحيل أن تجد من يقرضها المبلغ الهائل المطلوب. ومع كل مرة كانت تواجه فيها هذا الواقع كان اقتناعها بأنها لا بد أن تصل إلى ذلك الرجل يزداد رسوخًا. 

ولهذا كانت تصب كل يأسها داخل الرسائل التي تكتبها كل يوم. 

لكن رغم تراكم الرسائل واحدة تلو الأخرى لم يصلها منه أي رد. 

في البداية أقنعت نفسها بأن الرسائل لم تصل إليه. 

فكما هو مكتوب في التحذيرات داخل مكاتب البريد إيصال الرسائل إلى قلب ساحة المعركة ليس أمرًا مضمونًا. ورغم أن عدم وصولها إلى معسكر بلانشيت، الذي كان يرسخ انتصاره يومًا بعد يوم، بدا غريبًا إلا أن ساحة الحرب مليئة بالمتغيرات. 

ربما هناك ظروف لا تعلمها حالت دون وصول رسائلها إليه. 

لكن كلما مر الوقت، ازداد استعجالها، وراح قلبها يخفق بعنف. 

‘وماذا لو لم يرد أبدًا؟’ 

لا بل الأدق ماذا لو كان يتعمد ألا يرد؟ 

لم يتبقَّ الكثير في ساعة والدتها الرملية وحين تنفد آخر حبة رمل سيقع ما لا يمكن إصلاحه. 

فحياة الإنسان ليست ساعة رملية يمكن قلبها من جديد. 

إنها شيء معقد ونبيل ولا يعود أبدًا. 

وهكذا حين استعادت وعيها، وجدت نفسها مرة أخرى أمام قصر بلانشيت وعندها امتد ظل طويل أمامها. رفعت رأسها. 

كان فارسًا ذا بنية قوية يقف أمامها وعلى درعه نقش شعار بلانشيت قال بصوت رسمي: 

“لاحظنا أنك تتجولين حول القصر باستمرار. هل لديكِ حاجة ما هنا؟” 

حاجة كانت تريد مقابلة أحد رجال كاسيان للحصول على الدواء. 

لكنها لم تستطع قول ذلك صراحة. 

ابتلعت ريقها بصعوبة حتى شعرت بالألم. 

أخبرها عقلها أن تنكر الأمر وترحل كما كانت تفعل دائمًا لكن قدميها لم تتحركا وفي النهاية خرج صوتها المرتجف، الذي صاغه اليأس نفسه. 

“هل… هل ما زالت هناك مراسلات تُرسل إلى السيد كاسيان؟” 

شعرت للحظة أنها طرحت سؤالًا سخيفًا لكن الإنسان الذي لم يعد يملك مكانًا يتراجع إليه لا يكون أمامه خيار من الأساس. 

لقد أرادت أن تعرف الحقيقة. 

هل وصلت تلك الرسائل الكثيرة إلى كاسيان حقًا؟ 

هل تعمد أحد استبعاد رسائلها؟ أم أنها لم تصل أصلًا؟ 

…أم أن كاسيان نفسه هو من تجاهلها عمدًا؟ 

‘إن كان هو من يتجنبني بإرادته…’ 

وبينما كانت أفكارها تتشابك ظهر على وجه الفارس شيء من الدهشة حين سمع اسم كاسيان لكن سرعان ما تصلب وجهه. 

ويبدو أنه اعتبرها مجرد متطفلة وحين توقعت أن يأمرها بالمغادرة ظهر فارس آخر خلفه. 

ومن عدد الشارات على ذراعه، بدا واضحًا أنه أعلى رتبة. 

امتثل الفارس الأصغر لأوامره، ثم انسحب إلى الداخل. 

ولم يبقَ في المكان سوى الاثنان سألها الفارس الأعلى رتبة بأدب: 

“هل أنتِ الآنسة يوريسييل؟” 

اتسعت عيناها. 

“كيف… تعرف اسمي؟” 

هل هل يكون هذا الرجل أحد الأشخاص الذين تركهم كاسيان خلفه؟ 

ارتجف قلبها بقوة ثم قال بهدوء: 

“أعرف سبب مجيئكِ للبحث عنه.” 

“…ماذا؟” 

“أنتِ جئتِ للحصول على الدواء، أليس كذلك؟” 

للحظة شعرت وكأن خيطًا من الأمل قد ظهر أمامها، وكادت الدموع تنهمر. 

“نعم… هذا صحيح.” 

لكن ارتسمت على وجه الفارس ملامح حرج واضحة وقال: 

“أعتذر… لكن لا أظن أننا سنتمكن من إعطائكِ ذلك الدواء بعد الآن.” 

ارتخت ذراعاها وسقطتا إلى جانبيها. 

“لن… تعطوني الدواء؟” 

أجاب ببرود: 

“هذه أوامر السيد كاسيان.” 

ثم أردف: 

“ولذلك… نرجو ألا تعودي إلى هذا المكان مرة أخرى.” 

***

كان صوته الحنون، ونظرته الأخيرة إليها لا يزالان واضحين في ذاكرتها لكن… لماذا؟ 

بدأ كل ما أمامها يذوب داخل ضباب أبيض. 

لم تستطع أن تستوعب كلمة واحدة مما يقوله الرجل. 

“هل… قال السيد كاسيان ذلك بنفسه فعلًا؟” 

أجاب الفارس، دون أن تتغير ملامحه: 

“نعم.” 

لقد كانت غبية. 

كانت واثقة أن السبب الوحيد هو أن رسائلها لم تصله لكن 

هل كان هو من أصدر هذا الأمر منذ البداية؟ 

ألا يعطوها الدواء؟ وأنه لم يعد هناك شيء من هذا القبيل؟ 

خدر عقلها تمامًا وشعرت وكأن قلبها يهوي في فراغ لا نهاية له. 

***

“لقد نفذتُ الأمر كما طلبتِ.” 

توقفت يد دوقة إليز، التي كانت منشغلة بالتطريز. 

أومأت برأسها بخفة ثم نهضت بهدوء وقفت أمام النافذة. 

وخطر في بالها وجه يوريسييل الصافي. 

كانت تتوقع تمامًا أن تغادر الفتاة وهي غارقة في الصدمة. 

ويبدو أن تعلقها بوالدتها أقوى مما ظنت. إذن ستسير الأمور قريبًا كما خططت لها كل شيء كان يمضي وفق خطتها. 

ستحمل تلك الفتاة الضغينة تجاه ابنها وستتراكم تلك الضغينة حتى تبلغ عنان السماء. 

***

سارت إليز عبر الرواق حتى وصلت إلى المخزن الواقع خلف القصر. 

صرخ الباب الحديدي صريرًا وهو يُفتح. 

دخلت وتفقدت أكياس الدواء المعدة مسبقًا ثم حملتها وخرجت. 

في الحقيقة لم تكن ترغب مطلقًا في إعطاء تلك الفتاة أي دواء. 

لكن إذا أرادت أن تجعلها تبدو كفتاة جشعة حصلت على كل ما تريد ثم هربت فلا بد أن يكون الدواء في حوزتها. 

وهكذا بعد أن رتبت أفكارها، صعدت مباشرة إلى العربة وهي تحمل الدواء. كانت قد فكرت في استدعائها بواسطة رسول. 

لكنها كانت تفضل ألّا تترك أي دليل خلفها. 

غادرت عربة بلانشيت القصر متجهة نحو القصر الإمبراطوري. 

وكانت أشعة الغروب الحمراء تغمر الطريق. 

تأملت إليز الضوء الجميل الذي صبغ الأرض بألوانه، وفق دورة الطبيعة، وارتسمت ابتسامة راضية على شفتيها. 

كانت عربة بلانشيت، التي صنعها أمهر الحرفيين، تشق الطريق دون أدنى اهتزاز وقبل أن تصل إلى بوابة القصر الإمبراطوري ساد اضطراب حول العربة. 

كانت هناك عربة نقالة تُخرج شخصًا مصابًا. 

تجهمت إليز وهي تنظر إلى تلك النقالة البالية، التي لا يمكن أن تخص أحد النبلاء وحين همّت بإغلاق نافذة العربة وقع بصرها على ظهر مألوف. 

شعر أحمر لافت للنظر فثبتت عينيها عليه دون وعي. 

ولمحة سريعة من الجانب كانت كافية. كانت يوريسييل بلا شك. 

وبجوارها امرأة ممددة، والدماء تلطخ جسدها. 

أدركت إليز فورًا، وبحدس لا يخطئ أنها والدة يوريسييل. 

كانت المرأة، رغم جسدها الهزيل للغاية، تملك وجهًا جميلًا نقيًا يشبه ابنتها لكن ما إن استقرت عينا إليز على ملامحها حتى تجمد وجهها تمامًا واتسعت عيناها بصدمة عارمة. 

‘لا… مستحيل…’

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.