مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 125: 125نحو 8 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 125: 125

125

الفصل مائة وخمسة وعشرون 

كان موكب الجيش المتجه إلى نورتنس يزداد طولًا كلما مر بإقطاعية جديدة فاللوردات الذين استجابوا لأمر التعبئة، والنبلاء الذين توافدوا من مختلف أنحاء الإمبراطورية، انضموا تباعًا إلى مؤخرة الجيش الذي يحمل رايتي بلانشيت والإمبراطورية أما أولئك الذين اعتادوا العمل متفرقين في أقاليمهم، فقد ارتدوا هذه المرة دروع بانتيون رمز الجيش الإمبراطوري، ووقفوا في صف واحد وبطبيعة الحال، لم يخلُ الأمر من بعض المتذمرين. 

‘أن يوكلوا قيادة الجيش إلى فتى لم يشتد عوده بعد، فضلاً عن قلة خبرته في ميادين القتال يا للسخرية.’ 

لكن لم يكن بين الحاضرين من يجرؤ على التصريح بمثل تلك الأفكار فمهما كان كاسيان شابًا فهو وريث آل بلانشيت، وسيد الأسرة المستقبلي. 

دوّى صهيل الخيول ووقع حوافرها في الأرجاء، وما إن بلغ الموكب مدخل نورتنس حتى جذب كاسيان لجام جواده، فأمر الجيش بالتوقف. 

امتثل الجيش الإمبراطوري للأمر، ونُصبت المعسكرات عند المدخل، ثم استقر الجميع في مواقعهم. 

وبعد اكتمال تجهيز المعسكر، بدأ أصحاب الرتب الرفيعة يتوافدون واحدًا تلو الآخر إلى الخيمة الرئيسية لآل بلانشيت. 

وكان من بينهم ويسترنرود، سيد آل بيريوت، وأحد أعمدة النفوذ العسكري في الغرب. 

وسرعان ما تركزت أنظار الجميع عليه فلم يكن بين الحاضرين من يجهل الشائعات التي سبقت اندلاع الحرب، والمتعلقة بزواج آل بلانشيت وآل بيريوت. 

وبينما كان ويسترنرود يطلق سعالًا خافتًا من فرط الضيق، بادر أحد النبلاء، المعروفين بولعهم بالقيل والقال، إلى الحديث بنبرة مديح ظاهرها المجاملة وباطنها الاستطلاع. 

“بعد هذه الحرب، ستزداد شهرة السيد الشاب كاسيان أضعافًا. إنه أمر يدعو للتهنئة حقًا. “

وبمجرد أن بدأ الأول، توالت كلمات الآخرين. 

“هذا صحيح.” 

“لابد أنكم فخورون جدًا، يا ماركيز.” 

ثم قال أحدهم بابتسامة ذات مغزى: 

“آه، صحيح… تلك الشائعة الغريبة لا بد أنها مجرد هراء، أليس كذلك يا ماركيز؟” 

وتحوّلت جميع الأنظار مجددًا إلى ويسترنرود. احمر وجهه قليلًا، وابتلع تنهيدة ثقيلة كان واضحًا أنهم يحاولون استدراجه. 

لكن تجاهل السؤال لن يؤدي إلا إلى تأجيج الشائعات. 

لذلك رسم ابتسامة مصطنعة وقال: 

“بالطبع.” 

في تلك اللحظة، انقبضت قبضته أسفل الطاولة بقوة. 

ارتسمت في ذهنه صورة ابنته الثانية وهي تتشبث بقدميه. 

وما زالت تلك الشائعات اللعينة تتردد، حتى صار مضطرًا لتحمل هذا النوع من الكلام بين النبلاء وللحظة تساءل إن كان فسخ الخطبة منذ البداية سيكون أفضل لكن لو فعل ذلك، فلن يتردد أولئك النبلاء في استغلال الموقف والتطاول أكثر. 

لهذا أقنع نفسه بأن صبره كان القرار الصحيح. 

‘هذه المرة على الأقل، ستكون لها فائدة.’ 

لكن حتى الآن، لم تصله أي أخبار من ابنته والأكثر من ذلك منذ وصوله إلى هنا، لم يكتفِ كاسيان إلا بتحيته بإيماءة خفيفة، دون أن يوجه إليه كلمة واحدة. 

‘قد أتفهم ذلك أثناء المسير لكن إن استمر في معاملتي بهذه البرودة حتى ونحن وجهًا لوجه…’ 

انعقد ما بين حاجبيه بوضوح. صحيح أنه لا أحد يستطيع إهانة آل بيريوت، أصحاب النفوذ العسكري في الغرب لكن كانت هذه الفرصة كفيلة برفع مكانة آل بيريوت إلى مصاف النبلاء المركزيين. 

فالارتباط بآل بلانشيت وحده كفيل بتعزيز هيبة الأسرة. 

ولهذا حين أراد فسخ الخطبة بسبب ما لحق بكرامته، آثر الانتظار بعدما وعدته بيوشيل بأنها ستصلح الأمور لكن كل ما وصل بعد ذلك لم يكن سوى مقالات صحفية مشؤومة. 

وحين أدرك أن تلك الأخبار خرجت من جانب آل بلانشيت أنفسهم لم يعرف هل يضحك أم يغضب. لم يكن قد منح ابنته منزلًا في العاصمة لتقيم فيه كي تنتهي الأمور بهذه الصورة. 

ولأن أحدًا لا يستطيع توقع تصرفات ذلك الوريث المتغطرس ازداد قلق ويسترنرود أكثر فأكثر ومع ذلك… 

‘لا بد أن يتم الزواج. بالتأكيد سيتم.’ 

فحتى آل بلانشيت لن يجدوا شريكًا أفضل من آل بيريوت. 

وبينما كان يحاول تهدئة نفسه دخل كاسيان إلى الخيمة. 

وما إن وقع نظر النبلاء عليه حتى اتسعت أعينهم دهشة. 

ساقان طويلتان، وجسد قوي، تتضح عضلاته من النظرة الأولى، ووجه ينبض بالحيوية. لقد كان بعيدًا كل البعد عن الصورة التي رسمها الجميع في أذهانهم. 

فوريث بلانشيت اختفى عن الظهور في المناسبات الرسمية منذ سنوات ومنذ ذلك الحين انتشرت حوله الشائعات بلا توقف. 

منهم من قال إنه ضعيف البنية، ومنهم من زعم أنه مصاب بمرض وراثي. صحيح أن تلك الأقاويل كانت تُقال همسًا لكن أغلب الناس يؤمنون بأن الدخان لا يتصاعد من فراغ ولهذا صدقها كثير من النبلاء لكن من كان يظن أن السيد الشاب كاسيان رجل بهذه الوسامة والقوة؟ 

بل إن حضوره وحده كان يفرض هيبته على المكان كله. 

حبس النبلاء أنفاسهم إعجابًا لكن ذلك الإعجاب تحول بعد لحظات إلى صدمة إذ هوى سيف ملطخ بالدماء فوق الطاولة. 

قال كاسيان بهدوء: 

“أظن أن الجميع يعرف معنى هذا.” 

كان على نصله نقش النسر، شعار مملكة نورتنس وكان إرسال سيف ملوث بالدم، وفق تقاليد المملكة، يعني طلب المبارزة حتى الموت 

أما بين الدول فكان إعلانًا واضحًا بأن الحرب حتمية، وأن الاستسلام ليس خيارًا ولم يكن بين الحاضرين من يجهل ذلك. 

جالت عينا كاسيان الحمراوان ببطء على وجوه المجتمعين وحين التقت عيناه بأحدهم شعر وكأن ذلك السيف قد انغرس في قلبه هو فقال بصوت منخفض، لكنه نافذ: 

“هذه الحرب لن تكون بالبساطة التي تتصورونها.” 

كان وقع خطواته يتردد في أرجاء الخيمة. 

“هناك كمائن منتشرة في أنحاء وادي نورتنس.” 

عندها فقط أدرك أولئك الذين لم يستوعبوا خطورة الوضع حقيقة ما ينتظرهم. 

“سنتجنبهم، ونشق طريقنا نحو الهدف. سأعلن موقع التجمع غدًا. 

التزموا بالوقت المحدد.” 

ساد الصمت وأضاف: 

“أنوي إنهاء هذه الحرب بأسرع وقت ممكن.” 

امتلأ صوته بثقل لا يقبل النقاش. 

“وأي خيانة أو تصرف فردي يخالف الأوامر سيُعاقب صاحبه بالإعدام فورًا.” 

أنهى حديثه وأمر بانفضاض الاجتماع وبقي وحده أمام الخريطة. 

ظل واقفًا طويلًا، يحدق في الرايات المثبتة عليها دون أن يتحرك. 

ولم يرفع رأسه إلا بعد حلول الليل. 

طوى الخريطة، ثم استدعى تيوبه. أنهى تيوبه تقريره، ثم نظر إلى سيده بقلق تذكر كلمات النبلاء خارج الخيمة. 

“إنه مهيب. وليس كما توقعنا.” 

“حقًا يليق به أن يكون وريث بلانشيت.” 

كان من الأفضل بكثير أن يخرج بصورة القائد المهيب بدلًا من أن يصبح موضع سخرية بين أصحاب الألسنة الطويلة. 

ففي الماضي، كان مجرد أخذه قسطًا من الراحة كافيًا لتنتشر الشائعات بأنه ضعيف البنية لكن كان تيوبه واثقًا أن سيده لم يفعل ذلك حفاظًا على سمعته بل بدا وكأنه رجل يطارده الزمن. 

كأنه يسابق شيئًا لا يراه سواه. 

حتى الآن كانت عيناه معلقتين بالفراغ، تحملان بريقًا يصعب تفسيره. 

قال تيوبه: 

“يبدو أن النبلاء لا يزالون يتحدثون كثيرًا عن علاقتك بالآنسة بيوشيل.” 

أخذ كاسيان القلم، وراح ينقر به فوق الطاولة بلا مبالاة. 

“دَعْهُم يتحدثون.” 

“أظن أن السبب هو تصرف الفرسان قبل وصولنا.” 

أومأ كاسيان بخفة. 

حقًا كان من السهل توجيه مجرى الأحداث عندما يستعير الناس ألسنة عشاق الشائعات. 

وكما هو متوقع سيسير كل شيء وفق الخطة. 

أومأ بلا اكتراث ثم غيّر تيوبه الموضوع. 

“وأين سيكون التجمع غدًا؟” 

“بعد عشر ساعات… في راكتورس.” 

“مفهوم.” 

ثم أضاف كاسيان: 

“وفي ذلك الوقت ستقود جيش بلانشيت وتهاجم مؤخرة راكتورس.” 

تجمد تيوبه. 

“…عفوًا؟” 

الهجوم على المؤخرة؟ 

مع أنهم لا يعلمون أصلًا إن كان جيش نورتنس موجودًا هناك؟ 

عندها انتبه أخيرًا إلى ملامح سيده. 

كانت عيناه الحمراوان مليئتين بيقين مطلق. 

‘…لماذا؟’ 

وبينما كان تيوبه يرمش مذهولًا قال كاسيان بهدوء: 

“هناك خائن داخل الجيش الإمبراطوري.” 

اتسعت عينا تيوبه. 

“كيف… عرفت ذلك؟!” 

حينها فقط تذكر أمر سيده بإعدام كل من يخالف الأوامر. 

‘منذ متى كان يعلم؟’ 

لكن بينما كان تيوبه مصعوقًا ظل كاسيان باردًا بلا أدنى انفعال. 

فكل ما يشغل تفكيره هو إنهاء هذه الحرب بأسرع ما يمكن. 

ولكل ذلك غاية واحدة. 

هي. 

كان من المفترض أن يطيل أمد الحرب فعند عودته ستكون قد فقدت كل ما كان ينوي منحه لها، وسيصبح من السهل معرفة حقيقة مشاعرها لكن قلبه كان يخوض لعبة مجنونة، حتى هو نفسه لم يعد قادرًا على فهمها. 

لقد كان فضوليًا، يتساءل إن نطق بالاعتراف الذي لم يستطع البوح به أي تعبير سيرتسم على وجهها؟ 

هل ستقول إنها ستبقى إلى جانبه؟ 

أم ستهرب من الدفيئة الآمنة التي صنعها لها بيديه؟ 

في تلك اللحظة دخل أحد الفرسان مسرعًا، ثم ركع. 

“يا سيدي، ويسترنرود يطلب لقاءك.” 

لم يكن بحاجة إلى التفكير في سبب مجيئه فحتى بعد أن أرسل إليه رسالة يعلن فيها أن الخطبة أصبحت من الماضي جاء بنفسه. 

‘يا له من رجل لا يعرف الكرامة.’ 

انعقد ما بين حاجبي كاسيان قليلًا ثم أومأ برأسه. 

“دعه يدخل.”

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.