مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 124: 124نحو 7 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 124: 124

124

الفصل مائة وأربعة وعشرون 

توقفت عربة فاخرة برفق أمام قصر بلانشيت الكبير. 

كانت العربة البيضاء الناصعة تلفت الأنظار حتى من مسافة بعيدة، بينما أكدت الزخارف الذهبية المعقدة التي تزينها مكانة صاحبها كأحد كبار نبلاء الإمبراطورية. 

وما إن لمح الفرسان المكلفون بحراسة الإقليم شعار آل بيريوت المنقوش في منتصف العربة، حتى سارعوا لإبلاغ دوقة بلانشيت، إليز. وبناءً على أوامرها، فُتحت أبواب القصر، واصطف فرسان بلانشيت في صفين متقابلين لاستقبال الضيفة. 

وبمرافقة أحد الفرسان، نزلت الآنسة بيوشيل من العربة. 

رفعت قبعتها الأنيقة، فكشفت عن وجهها الأبيض الناصع. 

تأملت راية بلانشيت التي كانت ترفرف تحت أشعة الشمس، ثم عبرت الحديقة المفتوحة بخطوات هادئة. 

وعند منتصف الحديقة المنسقة بعناية، وقعت عيناها على إليز. 

استقبلتها الدوقة بابتسامة مشرقة. 

اقتربت منها، خلعت قفازها، وأمسكت بيدها برفق. 

“كنت أنوي دعوتك للقائي قريبًا لكن أشكركِ لأنكِ بادرتِ بالتواصل أولًا.” 

ابتسمت بيوشيل برقة وقالت: 

“لم يكن هناك داعٍ لأن تخرجي لاستقبالي بنفسكِ. أشكركِ على حسن ضيافتكِ.” 

انحنت إليز بعينيها في ابتسامة راقية، ثم دعتها للدخول وتقدمتها. 

كانت بيوشيل قد طلبت لقاء الدوقة قبل بضعة أيام. 

وفي غياب كاسيان، لم يكن سبب زيارتها بحاجة إلى تفسير. 

فقد نقل كاسيان إلى آل بيريوت، منذ وقت قصير، خبرًا أشبه بالقنبلة أنه يرغب في إنهاء الخطبة. 

والحقيقة أن الخطبة لم تكن قد عُقدت رسميًا أصلًا، لذا فإن عبارة “فسخ الخطبة” لم تكن ذات معنى حقيقي. 

ومع ذلك، فقد حرص بنفسه على إيصال تلك الرسالة غير اللائقة إلى آل بيريوت وكانت نواياه واضحة. لقد أراد أن يوجه تحذيرًا بعدما علم بما حاولت بيوشيل فعله بتلك الفتاة. 

راقبت إليز الشابة الجالسة أمامها بنظرة يغلب عليها الأسى. 

لقد رأت فيها انعكاسًا لذاتها في شبابها. 

وما إن جلستا في القاعة الكبرى حتى قُدم الشاي. 

أمسكت إليز بإبريق الشاي وسكبت الشراب بهدوء. امتزج صوت انسياب الشاي بجو المكان الثقيل، فخلق هدوءًا غريبًا. 

قالت بابتسامة لطيفة: 

“إنه شاي الياسمين يساعد على تهدئة القلب.” 

ابتسمت بيوشيل بلطف وأومأت برأسها. 

“شكرًا لكِ على اهتمامكِ.” 

ساد الصمت للحظات. 

دفعت إليز فنجان الشاي نحوها برفق، بينما أخذت تتأملها بهدوء. 

شفاهها الوردية الفاتحة، وفستانها ذي الألوان الهادئة… 

كل ذلك أبرز رقتها الطبيعية وبالمقارنة مع مظهرها المعتاد في الحفلات، بدا واضحًا أنها أولت هذه الزيارة عناية خاصة. 

تنفست بيوشيل بعمق، ثم وضعت الفنجان ببطء. 

رنّ صوت ارتطامه بالصحن في أرجاء القاعة وأطلقت زفرة خافتة. 

وحين رفعت رأسها كانت الدموع قد بدأت تترقرق في عينيها. 

قالت بصوت متهدج: 

“كنت أتمنى، على الأقل، أن أكون أنا من يربط له المنديل لكنه رفض حتى ذلك.” 

كان من تقاليد الإمبراطورية أن تقوم الحبيبة أو الخطيبة بربط منديل لحبيبها قبل توجهه إلى الحرب، دعاءً له بالسلامة والنصر. 

لكن بعد أن أعلن كاسيان إنهاء الخطبة فمن المستحيل أن يترك لبيوشيل القيام بذلك. 

‘هل جعل تلك الفتاة تقوم بالأمر؟’ 

راودت الفكرة إليز لكن ملامحها لم تتغير قيد أنملة. 

فقد كانت تعرف معظم ما جرى بالفعل. 

قالت بيوشيل، وهي تعبث بفنجانها بتردد: 

“قال لي إن الخطبة كأنها لم تكن ومنذ ذلك اليوم أصبح يعاملني ببرود شديد…” 

وانهمرت دموعها أخيرًا. كانت تراقب إليز بعناية لكن وجه الدوقة ظل هادئًا إلى درجة يستحيل معها معرفة ما يدور في داخلها. 

فواصلت حديثها، حكت لها عن اليوم الذي جاء فيه كاسيان بنفسه ليخبرها بذلك وعن الصدمة التي تلقتها. 

ولو أن شخصًا باردًا وعاقلًا مثله، يشبه تمثالًا من الحديد لا يعرف الغليان، تصرف بتلك الطريقة لكان أي شخص آخر قد ذهل. 

لكن إليز لم يظهر عليها أدنى تغير. 

وبعد لحظة صمت، دخلت بيوشيل في صلب الموضوع. 

“أعلم أن الوقت غير مناسب، وهو الآن في ساحة القتال…” 

رفعت رأسها واخترقت بعينيها المبللتين نظرة إليز. 

“لكنني أشعر أن عليّ إخباركِ.” 

صدر صوت خافت عندما وضعت فنجانها على الطاولة. 

ثم قالت بصوت أثقل بكثير من ذي قبل: 

“هناك امرأة أخرى في حياة السيد كاسيان.” 

لم تبدُ على إليز أي دهشة فهي تعلم أصلًا أن بيوشيل تعرف بوجود يوريسييل بل إنها كانت تعلم أيضًا أنها اصطحبتها إلى سوق سلاير في محاولة للتخلص منها لكنها لم تُظهر شيئًا واكتفت بابتسامة هادئة. 

“لا أظن أن ذلك ممكن.” 

أجابت بيوشيل بسرعة: 

“لقد رأيته معها بعيني وكان برفقتها أيضًا في ألفونس.” 

ثم تابعت تسرد بهدوء كل ما عرفته. 

استمعت إليز إلى المعلومات الجديدة التي أضيفت إلى ما كانت تعرفه مسبقًا عن تحركات ابنها وكان واضحًا لها أن بيوشيل وضعت رجالًا يراقبون كاسيان. ولم يكن ذلك مستغربًا بعدما علمت بوجود امرأة أخرى لكن مثل هذا التصرف لا يروق للرجال غالبًا. 

وخاصة للرجل الذي لا يحمل أي مشاعر تجاه المرأة التي تراقبه. 

في مثل هذه المواقف كان التجاهل هو الخيار الأفضل. 

غير أن القلب لا يستجيب دائمًا للعقل. 

قالت بيوشيل: 

“لقد التقيت بتلك المرأة. أردت أن أحل الأمر بنفسي مهما كلف الأمر.” 

للمرة الأولى ارتسمت تجعيدة خفيفة على وجه إليز. 

تابعت بيوشيل: 

“حتى عندما عرضت عليها كيسًا مليئًا بالمال لم تهتز لها شعرة وكأنها واثقة تمامًا أن المكان بجانبه أصبح من نصيبها.” 

‘حتى إنها ذهبت ومعها المال؟’ 

أدركت إليز مقدار اليأس الذي بلغته بيوشيل لكنها لم تصدق استنتاجها فابنها ما لم يكن قد فقد عقله فلن يعد امرأة كهذه بمكانة دوقة بلانشيت. إنه رجل يعرف حدوده. 

ولن يضحي بكل شيء من أجل فتاة متواضعة الأصل. 

لابد أن بيوشيل أساءت الفهم تحت تأثير انفعالها. 

ومع ذلك فقد بدا واضحًا أن رغبتها في الزواج من كاسيان لا تزال قوية وليس ذلك غريبًا. فآل بيريوت سيجنون من هذه الزيجة منافع تفوق بكثير ما سيجنيه آل بلانشيت. 

وضعت إليز فنجانها ثم ابتسمت بلطف. 

“إنها مجرد نزوة عابرة. لا تقلقي كثيرًا.” 

كان اليقين يملأ نبرتها. 

وتحدثتا قليلًا عن الحرب ثم نهضت بيوشيل استعدادًا للمغادرة. 

كانت شاحبة إلى درجة توحي بأنها ستنهار في أي لحظة. 

ولم يبق فيها شيء من لقبها المعروف «الوردة المفعمة بالحياة». 

راقبتها إليز بقلق ثم أشارت برأسها إلى الفرسان الواقفين جانبًا. 

فتقدموا لمرافقة بيوشيل إلى الخارج. 

***

ما إن جلست داخل العربة حتى مسحت دموعها تمامًا. 

ثم أعادت وضع أحمر الشفاه على شفتيها وسرعان ما استعادت ملامحها المعتادة. 

اختفت الشابة المنكسرة التي كانت تبكي أمام إليز. 

ولم يبقَ سوى بيوشيل الهادئة التي انعكس وجهها على نافذة العربة. 

ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها الحمراوين. 

لقد كان كل ما فعلته اليوم مخططًا له منذ البداية. 

جاءت إلى هنا، وألقت تلك الكلمات، وتظاهرت بالحزن فقط لتدفع دوقة بلانشيت إلى التحرك. 

لقد ألقت الحمل الذي كان يثقل كاهلها على عاتق الدوقة. 

والآن لابد أن تتحرك. 

فالإنسان حين يُمس أكثر ما يخشاه لا بد أن يتحرك. 

أسدلت الستار على نافذة العربة وبعد قليل تحركت العربة بهدوء. 

***

وقفت إليز أمام النافذة تراقب عربة آل بيريوت وهي تبتعد. 

ولم يتغير وجهها حتى اختفت عن الأنظار عندها فقط تلاشت ابتسامتها الراقية وحل محلها حضور مهيب يلفه الظلام. 

أخذت تستعيد كلمات بيوشيل واحدة تلو الأخرى. 

وكما هي طبيعة البشر كلما ازداد التفكير كبرت الهواجس. 

وخاصة عندما يتعلق الأمر بابن كرست حياتها كلها من أجله. 

لم تكن تريد أن تترك مجالًا، ولو ضئيلًا، لأي خطأ. 

لكن كانت هناك عبارة واحدة لم تفارق ذهنها. 

‘تلك الفتاة الوضيعة رفضت المال. هل يمكن أنها حقًا تطمع في أن تصبح دوقة بلانشيت؟’ 

مستحيل، أيجرؤ شخص من أصل وضيع على الطمع بوريث بلانشيت؟ 

لكن مع ذلك ظل الشك يراودها. 

‘إذن المال ليس هدفها؟ فهل لها غاية أخرى؟’ 

ومع استمرار صوت عقرب الساعة في ملء الغرفة غاصت إليز أكثر في أفكارها. سواء كانت تلك الفتاة تسعى لغاية أخرى أو كانت قد فقدت عقلها حقًا وأصبحت تطمح إلى منصب الدوقة فثمة حقيقة واحدة لا يمكن إنكارها لقد مال قلب ابنها نحوها أكثر مما توقعت. 

أمالت إليز رأسها قليلًا فظهر أحد فرسان بلانشيت الذي كان مختفيًا في الظل، وجثا أمامها. ودون أن تنظر إليه، أبقت بصرها معلقًا خارج النافذة، وقالت بصوت بارد: 

“أريد كل ما يتعلق بتلك الفتاة يوريسييل. اعرف كل شيء عنها وعن طبيعة علاقتها بكاسيان أيضًا.” 

“أمركِ، سيدتي.” 

ظل وجه إليز، وهي تراقب الفارس يبتعد لتنفيذ أوامرها باردًا وحادًا كحد نصلٍ مصقول.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.