الفصل 123: 123
123
الفصل مائة وثلاثة وعشرون
مضت الأيام الهادئة كما خُطِّط لها، دون أن يطرأ عليها أي انحراف. وفي كل مرة كانت تمر فيها بذلك الزقاق، كانت تتذكر شفتيه اللتين لامستا شفتيها، والحرارة الملتهبة التي رافقت تلك القبلة فتغمر جسدها كله ثم لا يلبث كل شيء أن يهدأ.
فما إن تضطرب مشاعرها حتى تستعيد سكينتها سريعًا، وتعود الأيام لتسير بهدوء كعادتها. واليوم أيضًا لم يتوقف العمل لحظة.
بعد أن أنهت تقرير المشروع في برج السحرة، وفرغت من الأعمال الإدارية المتفرقة، ثم أتمّت التقرير الذي سيرفع إلى القصر الإمبراطوري رفعت رأسها شاردة نحو السماء.
وعندها لمحت، من بعيد، حشدًا من الناس يتجمعون في ضجة.
كان معظمهم يحدق في شيء ما ويتبادلون الهمسات.
وفي وسطهم، رأت مشرفها يحدق في أمرٍ ما بوجه قاتم، ثم أسرع إلى الداخل بخطوات واسعة.
‘ما الذي حدث؟’
نهضت من مكانها وخرجت، لكنها وجدته قد دخل المبنى بالفعل، وكان يقترب منها بخطوات سريعة. التجاعيد العميقة بين حاجبيه كانت كافية لتخبرها بأن أمرًا خطيرًا قد وقع.
“ما الأمر؟”
تنهد طويلًا، ثم مد إليها صحيفة خاصة.
وبمجرد أن وقعت عيناها على العنوان العريض، تجمدت.
「اندلاع أزمة في منطقة النزاع وأسطول نورتنس يتحرك، هل بدأت الحرب؟」
ارتجفت اليد التي تمسك بالجريدة.
‘…حرب؟’
في الحقيقة، لم يكن الأمر خارجًا عن التوقعات، بالنظر إلى السياسة التي انتهجها الملك الجديد لمملكة نورتنس.
لكنها كانت تأمل ألا يحدث ذلك وحتى لو وقع ظنت أنه سينتهي سريعًا إلا أن ما ورد في المقال كان أسوأ سيناريو يمكن تخيله.
فقد انقطعت الطرق التجارية في منطقة النزاع التابعة لنورتنس، مما أدى إلى توقف كميات هائلة من الإمدادات، وأثار فوضى عارمة بين نقابات التجار، حتى إن بعض حكام الأقاليم بدأوا بالفعل برفع العرائض إلى البلاط.
قال مشرفها بصوت مثقل:
“يبدو أن هذا النزاع قد يطول.”
إذا انقطعت التجارة فسيضطر عدد لا يحصى من مواطني الإمبراطورية إلى القلق على أرزاقهم ولهذا لم يكن من الصعب فهم حالة الاضطراب التي اجتاحت العاصمة. فأزمة وادي نورتنس لم تكن مجرد نزاع حدودي مع إمبراطورية هارت بل كانت تعني انقطاع أهم طريق تجاري في الإمبراطورية.
ولو توقفت الإمدادات بالكامل فستغرق الإمبراطورية في فوضى عارمة وكان السؤال الحقيقي:
‘كم من الوقت سيستغرق القضاء على هذه الأزمة؟’
فكل يوم يمر على هذا الحال سيضاعف خسائر الإمبراطورية أضعافًا مضاعفة.
قال مشرفها وهو يعدل نظارته:
“ولهذا يبدو أن أسرة بلانشيت ستتولى التدخل بنفسها.”
ثم نظر إليها مطولًا ولم يكن بحاجة إلى شرح أكثر.
ففي مثل هذا الوضع لم يكن هناك سوى عدد محدود من الأشخاص القادرين على إنهاء الأزمة بسرعة.
وفي تلك اللحظة ارتسم وجه ذلك الرجل في ذهنها كسراب.
ثم تابع مشرفها بهدوء:
“سمعت أن القصر الإمبراطوري كلّف دوق بلانشيت بالمهمة. ويقال إن جلالة الإمبراطور سلّمه بنفسه السيف المقدس هذا الصباح.”
بدت كلماته وكأنها طنين بعيد داخل أذنيها.
لم يكن غريبًا أن يتولى أحد أبناء بلانشيت معالجة مثل هذه النزاعات بل كان ذلك أمرًا معتادًا.
وفوق كل شيء لم يكن هناك من هو أنسب من وريث دماء المحاربين القدامى لإضعاف معنويات جيش نورتنس.
لكن أن يمنحه الإمبراطور السيف المقدس؟
قد يبدو الأمر تكريمًا بسيطًا إلا أن معناه الحقيقي لم يكن بسيطًا أبدًا فالأسرة التي تُمنح السيف المقدس يصبح من الواجب عليها أن تخوض الحرب بنفسها. إنها هدية ثمينة في ظاهرها لكنها في الحقيقة كنز لا يُحمل إلا مقابل المخاطرة بالحياة.
سألته:
“إذن… هل سيشارك اللورد ديفيرون؟”
هز رأسه.
“لا. يبدو أن من سيقود المعركة هو السيد الشاب كاسيان.”
“…آه.”
ما إن سمعت اسمه حتى اضطرب قلبها بعنف.
قال مشرفها:
“لم يظهر ذلك الشاب كثيرًا أمام العامة حتى الآن، لذا يبدو أنه سيستغل هذه الحرب لترسيخ مكانته.”
كان كلامه منطقيًا فعادة ما يثبت ورثة الأسر الدوقية جدارتهم من خلال إنجازات كهذه وبطبيعة الحال كان هناك نبلاء لا يحتاجون إلى ذلك أصلًا لكن أسرة بلانشيت كانت مختلفة.
فشهرتها، ورمزيتها باعتبارها وريثة دماء المحاربين، جعلتها تتحرك بنفسها في كل مرة.
وربما ستنتهي هذه الحرب أيضًا بانتصار الإمبراطورية.
نعم، تمامًا كما يتوقع الجميع لكن كما هي الحال في كل حرب لا بد من وجود تضحيات ولم يكن أحد يستطيع الجزم بالنهاية.
وربما ستكون هذه آخر مرة ترى فيها ذلك الرجل.
كانت صورة كاسيان، ووجهه الملطخ بالدماء وهو يقطع خصومه بسيفه، تبدو مناسبة له على نحو مخيف.
ومع ذلك كانت تشعر أنها غريبة عنه في الوقت نفسه.
خفق قلبها مرة أخرى بعنف.
ذلك الرجل كانت تتمنى الهرب منه وقد أقسمت أنها لن تراه مجددًا إذا افترقا. لم يكن بالنسبة لها سوى الشخص الذي يمنحها ما تحتاج إليه ولا ينبغي أن يكون أكثر من ذلك ولا أقل.
ومع ذلك ظل قلبها يخفق بعنف.
وفوق تلك الصورة تداخلت ذكرى قبلته الغاضبة.
فأشعل ذلك الطيف المضطرب نار القلق الكامنة في أعماق قلبها.
انعكست صورتها ذات الشعر الأحمر في المرآة المقابلة.
وبدت مثيرة للسخرية.
كم هو مضحك أن تتمنى سلامة رجل تمقته إلى هذا الحد.
إنه شعور منافق ومثير للاشمئزاز.
***
في طريقها إلى خارج القصر الإمبراطوري كان الناس يتحركون هنا وهناك بوجوه يكسوها القلق وكان الجميع تقريبًا يحمل صحيفة اليوم.
ومع ازدياد خطورة الموقف ساعة بعد أخرى بدأت النشرات العاجلة تصدر تباعًا.
وكان العنوان الرئيسي في أحدث عدد منها يقول:
「وريث بلانشيت، كاسيان دي بلانشيت، سيقود هذه المعركة بصفته أصغر قائد جيش في تاريخ الإمبراطورية. وتشير التقارير إلى أن السيد الشاب كاسيان غادر بالفعل إلى ساحة القتال فجر الأمس.」
اشتدت قبضتها على الصحيفة فتكرمشت بين أصابعها.
ومع ذلك لم تستطع التصديق.
أعادت قراءة السطر الأخير مرارًا وتكرارًا.
‘…لقد غادر بالفعل؟’
لم يخبرها حتى.
ظلّت تقرأ الخبر مرات لا تحصى.
كانت تعرف جيدًا أنه لا يملك أي سبب ليبلغها فهي ليست حبيبته وليست شيئًا بالنسبة إليه.
ولا يترتب عليه أي واجب تجاهها لكن عادت إلى ذهنها تلك القبلة الساخنة وذلك الوجه الممتلئ بالغضب.
وفي لحظة هبط قلبها إلى القاع، كأنه صخرة ثقيلة.
ها هي تدرك مرة أخرى أنها بالنسبة إليه ليست سوى هذا القدر.
كم كانت غبية، حتى إدراك الواقع جاء متأخرًا.
ما كان ينبغي لها أن تقلق إلا على الدواء الذي لم تستلمه بعد فمنذ متى صار القلق عليه أمرًا منطقيًا؟
لكن إذا طال أمد الحرب وإذا كان قد غادر دون أن يترك أي ترتيبات فإن الدواء المتبقي لوالدتها لم يصل بعد إلى يديها.
سارت بلا هدف حتى توقفت فجأة في زقاق ضيق يطل على قصر بلانشيت. وقفت هناك في الظلام، بلا مصباح واحد.
ومن ذلك المكان كان القصر الفخم يهيمن على المشهد كله.
‘…لماذا جئت إلى هنا؟’
ذلك الرجل ليس هنا أصلًا ثم أدركت متأخرة.
لقد جاءت لأنها ظنت أن فارسه الشخصي ما زال موجودًا.
لكن لم يكن هناك أحد، يا لها من حمقاء.
كيف ظنت أنه سيذهب إلى ساحة الحرب دون حرسه؟
ولم تستعد رشدها إلا بعدما لفح الهواء البارد وجهها.
وما إن همّت بالاستدارة حتى دوّى صوت عجلات عربة ضخمة تتوقف أمام الزقاق وفي اللحظة التي وقعت فيها عيناها على الشعار المنقوش في وسط العربة تجمد جسدها بالكامل.
“…!”
***
اهتزت الأرض تحت وقع آلاف حوافر الخيل.
كان فرسان بلانشيت يتقدمون بانضباط صارم، لا يشوبه خلل.
والثقة التي يكنها الفرسان لتيوبه، الذي قادهم بنفسه لسنوات، بلغت حدًا لا يوصف لكن كان أساس تلك الثقة والولاء رجلًا واحدًا، كاسيان. وفي قلب الجيش امتطى كاسيان جواده الأبيض الضخم، بينما وقف تيوبه إلى جانبه.
كان الهواء يعبث بشعره الذهبي كلما اندفع الحصان إلى الأمام.
أما هو فكان يقود جواده بوجه هادئ لا يظهر عليه أي انفعال.
وصلت أنباء النزاع إلى أسرة بلانشيت قبل الجميع بأيام.
أما الإمبراطور فعلى الرغم من تدهور الأوضاع، ظل يماطل ويحاول تأخير القرار ما استطاع.
ولم يستدعِ بلانشيت إلا بعدما بلغت الأزمة حدها الأقصى، وقد شحب وجهه من شدة القلق.
على الأقل أدرك في النهاية أن لا مفر من التدخل.
وبينما كانت الشمس تميل نحو الغروب تسللت صورتها إلى ذهنه.
ثم تذكر قبلتهما الأخيرة.
وكلما شد لجام الحصان ازدادت صورتها وضوحًا.
أنفاسها التي التصقت به كأنها لعنة، حرارتها التي هزت جسده كله، لم يعد يعرف هل ما يشعر به سببه اهتزاز الحصان أم خياله اللعين.
لا بد أنها علمت بأخبار الحرب من الصحف وبخبر خروجه أيضًا.
لو كانا عاشقين حقيقيين لتبادلا ولو رسالة واحدة قبل الفراق.
أما معظم الفرسان الذين يسيرون خلفه فقد تركوا رسائل طويلة لعائلاتهم أو لحبيباتهم. رسائل قد تتحول إلى وصايا أخيرة أما هو فلم يكتب شيئًا. لم يكن ينقصه الوقت بل كان ذلك اختياره.
لأنه رأى أنه لا داعي لذلك.
‘لو كنتِ أنتِ لفرحتِ باختفائي. فما الحاجة إلى رسالة؟’
ابتسامتكِ اللعينة مكانها أمامي أنا وحدي ولهذا أردتك أن تقلقي في الوقت الذي أغيب فيه.
أنا ككلب حقير، ونعم، أنا مجنون.
كنت ألهث خلف ابتسامتها، والآن أتصرف بهذه الدناءة.
حتى أنا لا أفهم نفسي، لكن إذا فكرت بالأمر فهذا طبيعي.
ابتسامتها لا ينبغي أن تكون إلا أمامي.
‘هل تبحثين عني الآن؟ أم أنكِ قلقة فقط لأنكِ لم تحصلي على الدواء؟’
آه، في النهاية، الأمر واحد، فهي لا تبحث عني إلا لذلك السبب اللعين، لولا الدواء لما بقيت إلى جانبي أصلًا.
ولهذا أتمنى أن ترتجفي بالقدر نفسه الذي ترتجف فيه ساعتي المحدودة. في الوقت الذي أغيب فيه عنك
وبقلب أسود، امتلأ بمشاعر يسحقها بنفسه مرارًا واصل جواده اندفاعه بلا توقف نحو أرض المعركة.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.