الفصل 122: 122
122
الفصل مائة واثنان وعشرون
حين أقسم أن يمنحها كل شيء، لم يكن ذلك بدافع التضحية، بل لأنه كان واثقًا أنها، مهما فعل، ستبقى إلى جواره.
أجل… ستبقى.
وربما لن يبقى منها سوى جسد فارغ يلتصق به وحتى إن لم يحدث ذلك، فبإمكانه أن يصنعها على تلك الهيئة، فلا فرق.
لكن لو كان كل ما يطمح إليه مجرد قشرة خاوية، لما قطع على نفسه ذلك الوعد الأحمق بأن يهبها كل شيء منذ البداية فالحصول على قشرة كهذه لا يحتاج إلى كل ذلك العناء بل إن ما يفعله الآن لا يقل حماقة. تمامًا كجنون ساحر بلانشيت الذي بذل كل ذلك الجهد ليحفظ حرفًا منقوشًا على هذا الشاطئ كما هو.
وفي الأفق، كان رباط العنق الذي أُلقي بعيدًا يُلتقط من قبل تيوبه، بعدما تناثر على الرمال في فوضى تشبه تمامًا الفوضى التي تعصف بقلبه.
وفوق ذلك المشهد، طغت صورة المرأة وهي تقول له إنها ستختفي من حياته. استعاد تلك الهيئة في ذهنه، ثم مرر كاسيان يده بهدوء بين خصلات شعره.
ولأول مرة في حياته شعر بعطش يخنق حلقه.
أما فكرة أن يمنحها الدواء كله، فقد تفتت وتناثرت مثل حبات الرمل المتدحرجة على الأرض. لم يتبقَّ حتى شفاء والدته سوى نحو ستين يومًا. ومثل ساعة رملية لم يبق فيها إلا القليل، كانت المهلة المتاحة تتناقص مع كل لحظة.
إلى أين تبحر عوامة قلب هذه المرأة؟
لم يعد قادرًا حتى على تخمين وجهتها أم أنه في الحقيقة يعرف، لكنه يتعمد تجاهل الإجابة؟
وأنا ما الذي أفعله وأنا أمسك بساعة الرمل التي يفترض أن أحطمها؟
تسللت ضحكة ساخرة من بين شفتيه.
لكن ما زال في الساعة بعض الرمل ولم يكن ينوي تحطيمها.
فلو كان ينوي إنهاء كل شيء بهذه الطريقة، لما بدأ أصلًا.
وبذلك الوجه الهادئ الذي لا يكشف شيئًا، همس للمرأة المرتجفة أمامه.
“سأنتظر… أيًّا كان القرار الذي ستتخذينه.”
“…نعم.”
“لكن البشر لا يجيدون الانتظار طويلًا عندما يتعلق الأمر بغرائزهم.”
“…”
” لذا تمسكِ بي.”
ارتجف جسد المرأة كله، وكأنها سمعت شيئًا لم يخطر ببالها قط.
ووصلته رعشتها كاملة وهي بين ذراعيه.
“حين يكون الشخص محبوبًا يتمسكون به في مثل هذه اللحظات، لا يتركونه يضيع.”
ابتسمت ابتسامة باهتة.
“لكن… أنت لست ممن يمكن التمسك به.”
“ولو سمحت لكِ بذلك؟”
اضطربت عيناها، ثم التقتا بعينيه قبل أن تنفرج شفتاها بابتسامة خافتة.
“إذن… سأتمسك بك.”
ثبتت عيناها المرتجفتان عليه لكن جفنيها الجميلين لم يتوقفا عن الارتعاش.
حين تصبح هذه المرأة في غنى عن الدواء سيكون قد أتم كل استعداداته وعندها ستمسك بيده.
طبعًا ستفعل، لأنه هو من سيجعلها تفعل ذلك.
وسارا ببطء فوق الشاطئ.
يمسك يدها التي كانت تبرد بدرجة حرارة تختلف عن حرارته.
وراح يتأمل الأفق حيث يلامس البحر السماء، متسائلًا:
من سيكون المنتصر في هذه اللعبة، خلال ما تبقى من الوقت؟
يقولون إن الزمن الذي يحتاجه الإنسان ليقع في الحب يشبه الزمن الذي تستغرقه الأمواج لتبتلع الشاطئ.
فلماذا يمر وقتكِ ببطء إلى هذا الحد؟
***
كانت العربة العائدة إلى العاصمة هادئة على نحو يثير الضيق ومع ذلك كانت المرأة تبتسم له كثيرًا، وتنظر إليه، وتحاول بكل ما لديها وحين نزلت من العربة التي توقفت خلف العاصمة، مضت كعادتها تعبر بين المباني الشاهقة.
وعند الدرج دفعها برفق حتى جلست فوق ساقيه ثم ابتلع أنفاسها كما لو أنه فقد السيطرة.
كان نفس المرأة، المشبع بالحرارة، يثيره بطريقة لا تطاق.
أنا لا بد أنني مجنون، أن أُثار بمجرد أنفاس امرأة تتظاهر بأنها لا تعرف شيئًا، بينما كانت تعبث بي طوال هذا الوقت.
آه… هل لهذا السبب تواصلين دفعي بعيدًا؟ وماذا بعد؟
في النهاية الشخص الذي اخترتِه لينقذكِ هو أنا. وكل ما فعلته أنني أمسكت باليد التي امتدت إليّ إذن إن كان ثمة خطأ، فهو خطؤكِ أنتِ وليس خطئي.
كان جسدها النحيل، الذي التوى من الارتباك، يستكين شيئًا فشيئًا، كأنه استسلم له.
وفوقهما انسكب ضوء الغروب حتى بدا وكأنه سيبتلع العالم كله.
واحمرّت السماء بلون قانٍ، كأنها تمزج لونَي رجل وامرأة يحمل كل منهما أفكارًا مختلفة تمامًا عن الآخر.
***
حتى بعدما انقشع الاحمرار عن السماء مع انقضاء الغروب ظل ممسكًا بها، ولم يتركها.
دامت قبلته زمنًا بدا كأنه أبد لا نهاية له.
وكانت أنفاسه الحلوة، الممزوجة بإغواء غريب، تخترق أعماقها، وترسل رجفة تسري في جسدها كله.
لم تكن سوى قبلة ومع ذلك اجتاحتها رعشة التهمت كيانها بالكامل. أهكذا يشعر المرء حين تبتلعه موجة عاتية؟
وبينما كانت همساته لا تزال رقيقة كانت يداه تتحركان بخشونة.
وكأنهما تحاولان إخماد عطش امتد لسنوات طويلة.
وفي كل مرة تلتقي فيها عيناهما كان بريقهما ينحني بإغواء.
ابتسامته التي اختفت منذ كانا على الشاطئ لم تعد تحمل اللطف بل صارت مغموسة بحمرة كثيفة مشبعة بالشهوة.
لم تكن شفاههما وحدها هي المتلامسة لكن الحرارة التي بينهما لم تكن يومًا أشد من هذه اللحظة.
كان هناك أمر واحد مؤكد، هذا الرجل سيبقى محفورًا في ذاكرتها إلى الأبد سواء كان بلون الرماد أو بلون الدم.
وبعد وقت طويل بدأت حركاته العنيفة تهدأ تدريجيًا حتى استعادت إيقاعها ولم تستطع التراجع إلا بعدما أطلق سراح جسدها من بين يديه.
فتحت عينيها المغلقتين وحينها فقط استطاعت أن تراه بوضوح.
كان الرجل الذي يقف أمامها بعيد كل البعد عن وريث بلانشيت الوقور بل بدا كأنه ابنٌ ضال، فقد كل انضباطه.
من ذا الذي يمكنه أن يتخيل أن وريث بلانشيت الصارم، الذي يعرفه الجميع، يحمل هذا الوجه في الخفاء؟
كان قلبها يخفق بعنف وأنفاسها مضطربة.
ومن المضحك حقًا أنها، بعد كل الليالي الحارة التي قضتها معه، ما زالت ترتبك إلى هذا الحد لمجرد قبلة.
…ربما بسبب الكلمات التي قالها لها اليوم.
كانت كلماته تنتشر في رأسها كقطرات لون ذابت في الماء.
“أمسكيني.”
“ولو سمحت لكِ بذلك؟”
وفي عينيه الحمراوين كانت تموجات عميقة توحي وكأنه ينوي فعلًا أن يفي بتلك الكلمات.
مر نسيم لطيف، فتراقص شعرها. راقبه بصمت ثم مد يده برفق، وأزاح الخصلات عن وجهها.
كانت لمسته حنونة إلى درجة يصعب تصديق أنها اليد نفسها التي كانت قبل لحظات بهذه القسوة.
…ألم يكن غاضبًا؟ أم أنها أخطأت في فهمه؟
بعد ذلك رافقها بخطوات بطيئة حتى النهاية، كما اعتاد دائمًا.
وكعادته كان قبل قليل يبدو وكأنه يغلي غضبًا على الدرج.
أما الآن فما هذا اللطف كله؟ كلما حاولت فهمه ازداد غموضه.
وكعادته أمسك يدها من جديد وكان دفء يده الحنون يمحو أثر الخشونة التي عاملها بها قبل لحظات.
ولم يترك يدها إلا عندما وصلا إلى آخر المنعطف فبعده يبدأ الطريق الرئيسي المزدحم بالناس ومن الطبيعي ألا يستمر في الإمساك بها هناك بل إن القبلة التي تبادلاها قبل قليل في ذلك المكان كانت هي التصرف غير المعتاد منه أصلًا.
تأملت ذلك الرجل الذي لا يمكن التنبؤ به ثم ودعته بابتسامة مشرقة، كما يفعل العشاق واستدارت مسرعة.
كانت تشعر بنظراته تلاحق ظهرها وكلما اشتد إحساسها بها ازدادت خطواتها سرعة، وكأنها تحاول الهرب من ظله.
ولم تطلق زفرة طويلة إلا بعدما دخلت بوابة القصر الإمبراطوري، متأكدة أنه لم يعد قادرًا على رؤيتها.
أسندت ظهرها إلى الجدار، تحاول تهدئة الحرارة التي ما زالت تشتعل في جسدها ومع كل شهيق وزفير كان وجهه يظهر في ذهنها ثم يتلاشى ليعود من جديد.
***
في طريق العودة إلى قصر بلانشيت أمر كاسيان فجأة بإيقاف العربة.
اقترب تيوبه من النافذة.
“هل من أمر، سيدي؟”
رفع كاسيان يده قليلًا وقال بصوت خامل:
“هناك شيء أريد إلقاء نظرة عليه.”
كان بصره مثبتًا على مبنى مرتفع. يبدو أنه متجر مجوهرات فاخر، يجذب الأنظار حتى في قلب العاصمة لكن ما استوقفه كان خاتمًا فخمًا معروضًا خلف الواجهة الزجاجية.
واتجهت عينا تيوبه إليه بدوره.
كان خاتمًا مؤلفًا من قطعتين متداخلتين، وهو تصميم كلاسيكي اشتهر منذ ظهوره في نهاية إحدى المسرحيات الرائجة في الإمبراطورية، حتى أصبح رمزًا لخواتم طلب الزواج.
‘لكن لماذا يهتم سيدي بخاتم كهذا؟’
أليس هذا النوع من الخواتم لا يقتنيه إلا من ينوي التقدم لخطبة امرأة؟ بل إن سيده كان يستعد أصلًا لفسخ خطوبته مع الآنسة بيوشيل وفوق ذلك وبالنظر إلى شخصيته لم يكن خاتم طلب الزواج ينسجم معه إطلاقًا.
كان تيوبه يعرف أن سيده رجل صالح لكن أن يكون رومانسيًا؟
ذلك عالم مختلف تمامًا، فالرجل الذي يعرفه تيوبه كان من النوع الذي قد يدخل حتى حفل زفافه بوجه من يُساق إلى قبره.
ولا شك أن كل من يعرف كاسيان سيقول الشيء نفسه.
لكن خاتم؟
لم يستطع تيوبه إخفاء حيرته.
وبعد تفكير طويل خطرت له فرضية جديدة.
‘هل… ينوي التقدم بالزواج من الليدي يوريسييل؟’
لكن بناءً على ما رآه حتى الآن، لم يكن سيده يعاملها بلطف خاص وربما كانت استنتاجاته كلها خاطئة.
‘أم أنه… يريدها سيدة لقصر الدوق؟ ‘
وبينما كانت أفكاره تتشتت قطع كاسيان الصمت.
“قدّم طلبًا إلى الصائغ رانيكليرد.”
تجمد تيوبه في مكانه.
رانيكليرد، أعظم صائغ مجوهرات في الإمبراطورية، وصاحب أعلى مكانة وشرف. يكفي أن ترتدي إحدى النبيلات خاتمًا من صنعه حتى يصبح ذلك مصدر فخر لها.
أخفى تيوبه دهشته وسأل بهدوء:
“وما نوع الطلب الذي تريد تقديمه؟”
أجاب كاسيان دون تردد:
“خاتم… لطلب الزواج.”
…خاتم طلب زواج؟
إذن… هل كان حدسه صحيحًا حقًا؟
ومع ذلك كان وجه كاسيان، وهو ينطق بتلك الكلمات الرومانسية، جافًا وقاسيًا على نحو لا يصدق.
كصحراء احترقت حتى جف آخر ما فيها من حياة.
من غير المعقول أن يكون هذا وجه رجل يتحدث عن طلب الزواج.
‘ترى… ما الذي يدور في ذهن سيدي؟’
ابتلع تيوبه دهشته بصعوبة، ثم انحنى احترامًا، وغادر لتنفيذ الأمر.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.