الفصل 121: 121
121
الفصل مائة وواحد وعشرون
“أين نحن؟”
لم يمضِ وقتٌ طويل حتى جاءها الجواب.
“ساحل لاكنيه.”
“لكن أين البحر هنا…؟”
ولما عقدت حاجبيها بتجهمٍ مصطنع على ابتسامته التي بدت وكأنها تسخر منها، أشار بطرف إصبعه إلى جهةٍ خلفها ثم أمسك بها برفق وأدار جسدها وعندها رأت البحر حقًا في البعيد.
خلف الجرف، كان البحر الذي تحدث عنه يمتد أمام ناظريها.
تمتمت بدهشة:
“أليس هذا هو المكان الذي جئنا إليه في المرة الماضية؟”
“بلى، إنه البحر نفسه.”
وما زال ممسكًا بيدها، بل زاد قبضته عليها إحكامًا، وكأنه لا ينوي إفلاتها ثم مضى بها إلى الأمام.
ورغم النسيم العليل الذي كان يلامس وجهها، فإن اليد التي تشابكت مع يده ظلت تنقل إليها حرارةً لا تهدأ.
تبعت خطواته بشرود، فيما كانت المناظر من حولها تنساب أمام عينيها كلوحة بانورامية ولم يكن في الأرجاء إنسانٌ واحد.
وعندما تذكرت المقالات التي لم تنفك تتحدث عن زواجه المرتقب، وعن العلاقة المتوترة بين الأسرتين أدركت أن خلو المكان من الناس كان نعمةً حقيقية.
فلو وُجد أحد هنا، لأثار مجرد رؤيتها معه ضجةً لا تنتهي .
واصلا السير طويلًا بمحاذاة الجرف وحين وصلا إلى الأرض المستوية، توقف فجأة.
لفّ أذنيها صوت ارتطام الأمواج بالشاطئ وأمامهما امتد الشاطئ الرملي الذي رأته سابقًا بلا نهاية.
لقد تغيّر الزمن أما المكان، فلم يتغير فيه شيء ولهذا، ربما عادت إليها ذكريات ذلك اليوم.
غروب الشمس الأحمر الذي كان ينسكب فوق البحر، وابتسامته التي بدت يومها وكأنها أول ابتسامةٍ حقيقية يرسمها بل وحتى الاسمين اللذين كتبهما على الرمال.
وقف الرجل صامتًا يتأمل البحر ومع اتساع الأفق حتى بدا البحر نسخةً أخرى من السماء، اضطرب قلبها بهدوء.
ثم خرج منها سؤالٌ عفوي.
“لابد أن الاسمين اللذين كتبناهما آنذاك قد اختفيا الآن، أليس كذلك؟”
وما إن أنهت كلامها حتى شعرت بالحرج.
يا لها من حماقة فالاسمان لم يُكتبا إلا على الرمل ومن الطبيعي أنهما اختفيا منذ زمن ولو سمعها أحد، لظن أنها تريد كتابة الاسمين من جديد لكنه قال بابتسامةٍ غامضة:
“إن كنتِ فضولية، فتحققي بنفسكِ.”
وفجأة جثا على ركبةٍ واحدة وامتدت يده نحو قدمها.
وحين همّت بالتراجع خجلًا أمسك بكاحلها برفق وسحبه نحوه.
ثم، وهو يبتسم ابتسامةً خاطفة لرؤيتها المذعورة خلع حذاءها بهدوء. رغم أن القدم وحدها هي التي انكشفت إلا أن الحرارة صعدت إلى وجهها.
بعدها فك ربطة عنقه وألقى بها، وقد كانت مرصعةً بجوهرة، فوق الأرض بلا مبالاة ومنحته تلك الحركة هيئةً مختلفة تمامًا جعلتها تحدق فيه دون وعي.
هبّت الريح، فبعثرت شعره المرتب وقبل لحظات فقط كان يبدو كنبيلٍ مثالي أما الآن فأشبه بشابٍ متسكع أو مشاغب في أحد الأزقة ومع ذلك حتى هذا المظهر الفوضوي لم ينتقص من وسامته بل غيّر هالته فحسب حتى إنها فكرت لو لم يكن يحمل اسم بلانشيت ولا مكانته لظل قادرًا على أسر قلوب عددٍ لا يحصى من النساء.
حتى هي رغم معرفتها الكاملة بخطورته كان قلبها يرتجف في هذه اللحظة ولكي تهدئ أمواج المشاعر التي أخذت تتلاطم داخلها، أدارت رأسها بعيدًا لكن في اللحظة التالية ارتفع جسدها عن الأرض بخفة.
شهقت، وحاولت الابتعاد إلا أن ذراعيه كانتا قد أحاطتا بها بإحكام ولم يعد هناك سبيلٌ للإفلات.
دقّات قلبٍ متلاحقة ارتجّت في جسدها.
ولم تعد تعرف أكانت دقات قلبها أم دقات قلبه؟
وفي اللحظة نفسها اجتاحت ذاكرتها تلك الليلة الحارّة التي أمضتها معه. لم يكن يلامسها سوى ذراعيه لكن أنفاسه القريبة تحولت إلى حرارة كثيفة غمرت جسدها كله.
ومن هذه الزاوية بدت لها زاوية فكه الحادة أكثر وضوحًا من أي وقتٍ مضى حتى إن المناظر خلفه تغيرت سريعًا دون أن تنتبه إليها.
إلى أن وصل إلى وجهته عندها فقط أنزلها برفق، وهو يبتسم.
وامتلأت تلك الابتسامة بذلك السحر الآسر الذي يليق به وحده.
واصل السير بثبات، دون أن يهتز لحظة ولم يتركها إلا بعدما وطئت قدماها الرمال.
كان ملمس الرمل تحت أصابعها ناعمًا كالحرير وحينها فقط بدأت تنتبه إلى ما حولها. كل شيء كما كان يومها.
صياح النوارس، والأسطح البيضاء البعيدة، وسرطانات البحر الصغيرة التي تظهر بين حينٍ وآخر، والسماء التي امتزجت بالبحر حتى اختفى الخط الفاصل بينهما.
كان المشهد لا يزال يحتفظ بسحره الكامل ثم التفتت.
فرأت الكلمات المنقوشة على الرمل أمامها.
كانت واضحة بوضوحٍ يكاد يكون مستحيلًا. لم يمسها الزمن.
‘هل لم تصل إليها الأمواج بعد؟’
مع أن المد، في مثل هذا الوقت، كان من المفترض أن يغمر هذه المنطقة لكن كاسيان لم يُبدِ أي دهشة وكأنه كان يعلم مسبقًا أنها ستظل هناك.
التقت عيناه الحمراوان بعينيها وانعكست دهشتها كاملةً في نظراتها.
أما هو فلم تهتز عيناه قيد أنملة.
سأل بهدوء:
“انتهيتِ من التأكد؟”
حين كتبا هذين الاسمين، ظنت أنها تشبه ذلك النقش شيئًا سيختفي بلا أثر لكن سماع ذلك السؤال منه، بذلك الصوت الرقيق جعلها تشعر للحظة وكأنهما حقًا عاشقان.
إلا أن عقلها لم يكن ساذجًا إلى هذا الحد فهو مجرد شخص تربطها به علاقة مصالح وفي تلك العلاقة هو صاحب الكلمة العليا.
وهي لم تنسَ ذلك لحظة.
إذًا ما معنى أن تتحقق؟ أليست كل الأمور تُحسم بإرادته وحده؟
أما هي فليس عليها سوى أن تفعل ما يريده، وتقول ما يريد سماعه.
ولهذا شدّت طرفي شفتيها بكل ما تملك لترسم ابتسامةً مشرقة وقالت:
“حقًا… لم تختفِ بعد.”
حدق فيها طويلًا وامتزج في نظرته بريقٌ لم تستطع تفسيره ثم سأل:
“يبدو أنكِ كنتِ تتمنين اختفاءها؟”
“…ماذا؟”
“ملامحكِ لا تبدو كملامح شخصٍ سعيد.”
وضغط على يدها برفق، بينما انحنت عيناه كالهلال.
كلما ازداد لطفه شعرت بالارتياح لكن ازداد معها أيضًا عتبها عليه فحتى اللحظة الأخيرة لم تعد تفهمه.
إن لم يكن يحبها فما الذي يفعله؟ وإن كان يحبها حقًا أفليس من المفترض ألّا يعاملها بهذه الطريقة؟
في كلتا الحالتين لم تجد تفسيرًا ولهذا قررت أن تؤدي دورها بإتقانٍ أكبر كما كانت تفعل دائمًا تماشيًا مع ما يريده منها.
مدّت يدها وأمسكت بطرف ياقة قميصه المفتوحة وللحظة اهتزت عيناه. أخفت قلبها الذي كان يخفق بعنف، وحدقت فيه مباشرة.
“نعم، كنت أتمنى أن تختفي.”
اشتدت قبضته على يدها الأخرى لكنها تجاهلت ذلك ورسمت على شفتيها ابتسامةً تدربت عليها آلاف المرات ثم قالت:
“حتى يكون لدينا عذر لنأتي ونكتبها من جديد.”
ورفعت إليه عينيها بنظرة عاشقةٍ تمامًا وأضافت:
“لا بد من وجود حجةٍ كهذه.”
تسللت الظلال تحت شعره الذهبي بعدما حجب ضوء الشمس، فانكشفت ملامحه بوضوح. بدا وكأنه لم يتوقع أن يسمع مثل هذه الكلمات منها واكتفى بالنظر إليها باهتمام دون أن يتحرك.
ربما لأن أخبار فسخ خطبته بدأت تنتشر، وها هي تقول مثل هذا الكلام. وفي الحقيقة كانت فضولية.
هل سيُفسخ خطبته حقًا؟ ولماذا اتخذ مثل هذا القرار؟ لكن كل ذلك لا علاقة له بها.
ارتفع صوت الأمواج خلفه وتحدثت بهدوء:
“لكن لا تقلق. سأنتظر أيًّا كان القرار الذي ستتخذه.”
لو كانت عاشقةً بحق فلعلها كانت ستقول شيئًا كهذا وأضافت:
〘”لن أكون عبئًا عليك.”〙
فهذا هو حال معظم النبلاء. حديثهم عن الحب الحقيقي لا يعني أبدًا أنهم سيمنحون كل شيء. إنها مجرد كلمات جميلة لتجميل علاقةٍ عابرة. تمامًا كما أنه لم يعطها الدواء كله دفعةً واحدة.
وكما أخبرها يومًا، بوجهه البارد أنها ليست بتلك الأهمية.
استعادت للحظة مشهد إنقاذه لها في قصر سلاير، ثم الأيام التي جاء فيها بصفته راعي المشروع لكنها سرعان ما بددت تلك الأفكار.
فحتى هي كانت تراها مجرد أوهامٍ سخيفة.
***
ظل ينظر إليها طوال الوقت بصمت.
لكن… لِمَ؟
الابتسامة التي كانت تعلو شفتيه قبل قليل اختفت تمامًا.
أليس من الطبيعي أن يفرح؟
فهي تقول إنها ستنتظر، ولن تسبب له أي مشكلة.
أليس من المفترض أن يشعر وكأنه حصل على لعبته بثمنٍ زهيد؟
لكن تلك العينان الحمراوان اللتان تحدقان فيها بصمت أشعرتاها باختناق وارتفعت حرارة جسدها سريعًا.
‘هل… بالغت؟’
وحين خطت خطوةً إلى الخلف لتبتعد التفت ذراعه الصلبة حول خصرها بإحكام لا يترك لها أي فرصةٍ للهرب.
اختفت المسافة بينهما في لحظة وباتت تشعر بأنفاسه على بعد شبرٍ من وجهها ورغم أن عينيه كانتا نصف مغمضتين في هدوء إلا أن حرارة أنفاسه كانت تنذر بالخطر.
ارتسم ظلٌ كثيف على وجه كاسيان وشفتاه المتصلبتان لم تتحركا.
كأنه نسي كيف ينطق.
حين قالت إنها كانت تتمنى اختفاء الاسمين وحين قالت إنها تحتاج إلى عذرٍ لتكتبهما من جديد كان قد ظن أن وراء كلماتها، مهما كانت تمثيلًا شيئًا من الصدق لكنها قالت إنها ستنتظر؟
ستنتظر ماذا؟
وكأن كل كلمات “أحبك” التي قالتها يومًا لم تكن سوى كذب وها هي تقف أمامه كإلهة رحيمة، تعلن أنها ستنتظر.
كان ذلك مثيرًا للسخرية.
حتى وهي تقول ذلك لم تكن تنتبه إلى ارتجاف جفنيها.
نعم، بإمكانها أن تنتظر ألف عام بل عشرة آلاف.
فما دامت ترى وتسمع فإن الأخبار التي يعرفها جميع أبناء الإمبراطورية لم تدفعها حتى لتسأله لا عن زواجه ولا عن حقيقة فسخ الخطبة ولا عن أي شيء.
في تلك اللحظة انهار الوعد الذي قطعه على نفسه.
الوعد بأن يمنحها كل ما تحتاج إليه.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.