الفصل 120: 120
120
الفصل مائة وعشرون
بالطبع، لم يطرح تيوبه ذلك السؤال بدافعٍ خفي. كل ما في الأمر أن ما يجري الآن بدا له مختلفًا تمامًا عن قرارات سيده المعتادة.
فالرجل الذي لا يتحرك خطوةً واحدة دون خطةٍ محكمة، بدا هذه المرة وكأنه فقد وجهته. والحقيقة أن الطريق الذي ينبغي لسيده أن يسلكه كان واضحًا. فإن انفسخت خطبته مع آل بيريوت، فما عليه إلا أن يعقد خطبةً جديدة مع إحدى بنات الأسر الأرستقراطية الأخرى. ذلك هو الطريق الذي لا بد أن يسير فيه وريث أي أسرةٍ نبيلة عريقة، وهو النهج الذي لا حياد عنه.
حتى أحمقٌ مثله يعرف هذه الحقيقة، فكيف يجهلها سيده؟
ومع ذلك كانت عينا كاسيان الشاردتان تخبران بأنه انحرف بالفعل عن ذلك الطريق.
‘أيعقل أنه ينوي مخالفة ذلك؟’
صحيح أن العالم تغيّر كثيرًا، وأصبحت قصص زواج رجلٍ نبيل رفيع المكانة من امرأةٍ تنتمي إلى طبقةٍ متدنية موجودة بالفعل، تمامًا كما في الروايات الرومانسية لكن تلك الحالات لا تقع إلا مع الأبناء الثانيين وما دونهم من النبلاء، أو مع الأسر النبيلة حديثة العهد أما في البيوت الأرستقراطية الكبرى ذات التاريخ العريق فذلك أمر لا يمكن تصوره فالتغيير في هذا العالم بطيء، وأبطأ من يتغير هم أصحاب النفوذ والامتيازات وكان ذلك طبيعيًا أما تيوبه نفسه، فسيؤيد قرار سيده مهما كان لكن هل سيقبل العالم بذلك؟
في هذا، لم يكن يملك أدنى قدرٍ من الثقة فالزواج الذي لا يحظى باعتراف المجتمع قد يهز أسس سلطة رب الأسرة، وربما يطيح بسيده من منصبه ذاته وعندها لن يفوّت عمه، الكونت ألتن، الذي يترقب الفرصة كضبعٍ صبور، تلك اللحظة. وسيحشد أتباعه ليغرس خنجره في ظهر كاسيان.
صحيح أن سيده لا يقدم على خطوة إلا بعد أن يحسب كل نتائجها، ولذلك فمن المستبعد أن يصل الأمر إلى هذا الحد.
لكن عملية تثبيت أقدامه ستصبح أكثر تعقيدًا بلا شك.
وفوق ذلك إذا كان لا بد له في النهاية من الزواج بإحدى كريمات البيوت العريقة فهل من الحكمة أصلًا تحويل آل بيريوت إلى أعداء؟
صحيح أن آل بلانشيت ليسوا في موقعٍ يضطرهم لمراعاة مشاعر آل بيريوت ومع ذلك فاستعداء الأسرة التي تمسك بالسلطة العسكرية في الغرب ليس أمرًا يستهان به وقبل كل شيء حتى لو فعل ذلك، فهل سيحل المشكلة أصلًا؟
قال تيوبه بحذر:
“ولهذا قلت ما قلت لأنني لا أظن أن أي آنسةٍ أخرى ستقبل بتلك السيدة.”
“بالطبع لن تقبل.”
أجاب كاسيان دون أن يظهر على وجهه ما يكشف عما يدور في ذهنه، بينما ظل يحدق عبر النافذة بشرود.
كان منظره الجانبي مختلفًا عن المعتاد. فكّه مشدود بإحكام، وعلى جبينه المستقيم الذي لم يعرف العبوس يومًا، ارتسمت خطوطٌ دقيقة ولهذا رغم أن دفء أشعة الشمس يغمره، بدا باردًا إلى حدٍ قاسٍ.
تراجع تيوبه خطوة إلى الوراء وقال باحترام:
“لقد تجاوزت حدودي أعتذر.”
ثم انحنى له في صمت فهو يعلم جيدًا أن التدخل في نوايا سيده تجاوزٌ لصلاحياته ومهمته الوحيدة أن يهب حياته لتنفيذ أوامر سيده. وفي اللحظة التي همّ فيها بالتراجع شق صوت كاسيان الصمت، ثقيلًا ورزينًا.
“ليس هناك ما تعتذر عنه. فالخطأ خطئي أنا.”
بعد ذلك، ظل كاسيان يحدق خارج النافذة، غارقًا في بحرٍ لا ينتهي من الأفكار وعلى شفتيه استقرت ابتسامة ساخرة ممزوجة بالمرارة. لقد أدرك تمامًا مغزى سؤال تيوبه.
فإذا كان تيوبه، الذي نادرًا ما يطرح الأسئلة، قد سأل فهذا يعني أن ما يفعله الآن خارج عن المألوف إلى حدٍ كبير بل إنه طريقٌ لا يليق بنبيلٍ قضى حياته كلها يسير وفق تلك القواعد ولا بوريث آل بلانشيت على الإطلاق.
كانت أفكاره تتداخل كألوانٍ اختلطت في لوحة واحدة حتى أصبحت عكرة. ومن بين كل ذلك التشوش لم يبق في النهاية سوى فكرةٍ واحدة.
‘كيف سيكون رد فعلها؟’
في الحقيقة كان الجواب واضحًا سلفًا. ستبقى إلى جانبه، بطبيعة الحال فلا توجد امرأة ترفض أن تصبح صاحبة أعظم قفزةٍ اجتماعية يمكن أن تنالها.
تلك المرأة التي كانت تمسك بكل شيء وتحركه كيف تشاء حتى لو منحها هو كل شيء، فلن يتغير شيء.
هذا هو الاستنتاج الذي توصل إليه طوال الفترة الماضية بل إنه أطال التفكير في أمرٍ لا يستحق كل ذلك.
حتى وإن كانت الكلمات التي همست بها يومًا:
〈”أنا أُحِبكَ.”〉
مجرد أكاذيب فستتحول مع الوقت إلى حبٍ حقيقي.
وإن لم تتحول فلا بد لها على الأقل أن تتظاهر بذلك.
فإن قررت البقاء إلى جانبه فسيجعلها البطلة المثالية لقصة صعودٍ اجتماعي لا مثيل لها.
ولم يكن لذلك سببٌ خاص فمنذ اللحظة التي أدرك فيها أنه يرغب بها أصبحت، ببساطة، شخصًا ينبغي أن يبقى إلى جواره.
ركضه المجنون نحو قصر سلاير بحثًا عنها والانقباض الذي اعتصر قلبه عندما وجدها والغضب الذي اشتعل في داخله عندما رأى جلدها ممزقًا كل ذلك اجتمع في موجةٍ واحدة هزت كيانه.
ولم يبق سوى نتيجةٍ واحدة.
‘يجب أن تبقى تلك المرأة إلى جانبه بأي صورة كانت.’
أما طبيعة تلك المشاعر، ولونها، فلم يعد يعنيه.
حتى لو كانت مشاعر بدائية لا يمكن تجميلها بكلمة الحب فما دام يريدها فليأخذها وليحتفظ بها حتى تحترق مشاعره كلها وحتى يخمد ذلك العطش اللعين الذي لم يعرفه لأول مرة في حياته.
لقد كان ذلك القرار أبعد ما يكون عن أسلوب آل بلانشيت.
وفي الوقت نفسه كان أكثر القرارات التي تشبههم.
لكن، وكما هي الحال مع كل تفكير لم يسر العقل في اتجاهٍ واحد.
بل ظهرت فرضيةٌ أخرى.
‘وماذا لو قررت أن تتركني؟’
في الواقع مجرد افتراضٍ كهذا لا معنى له.
فمن ذا الذي يهرب من المكان الذي يتمنى الجميع الوصول إليه؟
لكن وجهها الذي كان يزداد شحوبًا كلما رآها، وجسدها الذي يرتجف كلما أصبحت بين يديه، وجفناها اللذان يرتعشان كلما همس لها بأنه يحبها كل ذلك زرع في داخله سؤالًا.
وسرعان ما تحول السؤال إلى شك والشك زاد عطشه جنونًا.
أيعقل أن يكون مجرد احتمال رغبتها في الرحيل عنه قادراً على أن يتركه بهذا الاضطراب؟
هز رأسه ورمى ذلك الوهم السخيف بعيدًا، كما لو أنه قطعة حطامٍ في عرض البحر.
‘مستحيل.’
لا يمكن أن تكون لديها مثل هذه الفكرة.
وهكذا أنهى كاسيان أفكاره.
ارتشف كعادته قهوته الساخنة، ثم أومأ برأسه إشارةً إلى تيوبه كي يتابع تقريره فعاد صوت تيوبه ينساب بهدوء تحت ضوء شمس العصر وكان معظم التقرير يتعلق بالوضع المقلق على الحدود، وتحركات القوات العسكرية.
وبأوامر من الأسرة الإمبراطورية، جرى التعتيم على الأخبار قدر الإمكان لكن التحركات التي تجري في الخفاء كانت تتسارع بوتيرةٍ ملحوظة وكما جرت العادة وصلت تلك المعلومات إلى كاسيان عبر القوات الخاصة التابعة لآل بلانشيت، المؤلفة من أمهر الفرسان.
كانت أخبارًا كفيلة بقلب الإمبراطورية رأسًا على عقب ومع ذلك لم يُبدِ كاسيان أي رد فعل يُذكر.
وبعد انتهاء التقرير، تراجع تيوبه إلى الخلف، ورفع بصره نحو السماء التي كان سيده يحدق فيها. كان الشفق يبتلع زرقة السماء شيئًا فشيئًا، ويصبغها بحمرة الغروب وانعكس ذلك اللون في العينين الحمراوين لكاسيان لكنهما حملتا اليوم بريقًا مختلفًا.
بريقًا ينذر بالخطر.
قال تيوبه:
“لقد حان موعد التحرك.”
ألقى كاسيان نظرة على الوقت، ثم نهض من مكانه.
رشّ على نفسه عطرًا ذا نفحاتٍ خشبية خفيفة، واتجه بخطوات واسعة نحو الباب لكنه توقف فجأة أمام طاولةٍ من خشب الماهوجني.
حدق في ربطات العنق المرتبة فوقها، ثم تناول واحدة وربطها.
نظر إلى المرآة ثم خلعها واستبدلها بأخرى وأعاد العملية مراتٍ عدة ثم أطلق ضحكةً قصيرة.
‘أليس ما أفعله الآن يشبه تمامًا مراهقًا ذاهبًا إلى أول موعد غرامي له؟’
***
وكعادته كان الرجل قد وصل قبل الموعد.
رغم أنها جاءت مبكرًا، إلا أن عربة آل بلانشيت ذات الشعار المميز كانت تنتظر بالفعل لكن هذه المرة لم تعد الساحة التي اعتادت رؤيتها خلف العربة موجودة بل حل محلها غابةٌ خضراء كثيفة ويبدو أنه، بعد حادثة الاختطاف في قصر سلاير، قرر تغيير مكان اللقاء. ولحسن الحظ لم يكن هناك أي شخصٍ في تلك الغابة.
ورغم أنها لم تكن متأكدة إلا أنها خمنت أنها أرضٌ تابعة لآل بلانشيت.
‘هل اختار هذا المكان مراعاةً لي؟’
راودها ذلك التساؤل للحظة، ثم اختفى فالصدمة التي خلفتها تلك الحادثة كانت عميقة ولم تشعر بالاطمئنان إلا بعد أن رأت شعار العربة، ولمحت ظله خلف النافذة.
وكما اعتاد مؤخرًا نزل من العربة ليرافقها بنفسه ومد يده إليها برفق.
وما إن أحاطت يده الكبيرة بكفها حتى انتشرت حرارةٌ واضحة من أطراف أصابعه. لم يكن ممسكًا إلا بيدٍ واحدة ومع ذلك شعرت وكأنها بأكملها أصبحت بين يديه وبمجرد أن دخلت العربة لفّها هواءٌ خانق. وربما كان السبب حرارة يده العارية، التي انتقلت عبر كفها لتسري في جسدها كله
وظل ممسكًا بيدها طوال الطريق ولم يتركها إلا عند الوصول.
وفي كل مرة يقودها فيها إلى مكانٍ ليس غرفةً خاصة كانت الأسئلة تعود من جديد.
‘لماذا يبذل كل هذا الجهد من أجل تمثيل دور الحبيبين؟’
لكنها اعتادت مجاراته ولذلك سرعان ما اختفى ذلك التساؤل أيضًا فما بقي من الوقت لم يعد يستحق البحث عن الإجابات.
إذ إنها سترَحل قريبًا، ولن تراه أبدًا بعد ذلك.
وهكذا بدأت المسرحية مرة أخرى لكن شيئًا واحدًا تغيّر.
فقد أصبحت قادرةً على الابتسام له دون أن تبذل أي جهد.
وحين رفعت إليه ابتسامتها التي تمرنت عليها طويلًا بدأت تلاحظ أشياءً لم تنتبه إليها من قبل.
بدلته بدت اليوم أكثر أناقة وترتيبًا من المعتاد. صحيح أنه كان يرتدي البدلات دائمًا، لذا بدا وصفه بأنه أكثر ترتيبًا أمرًا غريبًا لكن الحقيقة كانت كذلك.
في السابق كان مظهره يحمل شيئًا من التحرر أما اليوم فكان شديد الاعتناء بكل تفصيلة وخاصة ربطة العنق ذات التصميم المميز، والجوهرة المثبتة فوقها، اللتين زادتا هيبته ورقيّه.
أما شعره المصفف بعناية إلى الخلف باستخدام المرهم، فكان يدل بوضوح على أنه أولاه اهتمامًا خاصًا.
ربما هكذا يبدو النبلاء حين يخرجون في موعدٍ رسمي.
ومن مسافةٍ قريبة داعب أنفها عبيرٌ خشبي منعش.
كان وسيمًا حتى بملامحه الطبيعية.
فكيف بعدما اعتنى بمظهره إلى هذا الحد؟
أصبح من المستحيل تقريبًا أن تصرف نظرها عنه.
وفي تلك اللحظة التقت عيناه بعينيها ولم تستطع أن تبعد بصرها عن ذلك الرجل ذي الوسامة التي تكاد تكون غير واقعية إلا بعد لحظات وحين أدارت رأسها أخيرًا وجدت أمامها منظرًا مألوفًا وغريبًا في الوقت نفسه.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.