الفصل 119: 119
119
الفصل مائة وتسعة عشر
“آه…”
رمشت يوريسييل بعينيها في حيرة، لا تدري كيف تشرح الأمر، فخفض مشرفها صوته وقال:
“إن كان الحديث يسبب لكِ الحرج، فلا داعي للإجابة. في الحقيقة، ليس الأمر مما يهمني إلى هذه الدرجة.”
عادةً ما كان الناس يبدون اهتمامًا بالغًا بمثل هذه المسائل.
تذكّرت كيف كان حتى أولئك الذين لا يعرفون اسمها ينسجون عشرات الشائعات عن علاقتها بذلك الرجل.
أما مشرفها، فكانت هذه أول مرة يسألها عن الأمر، بل وحتى الآن، رغم أنه طرح السؤال، لم يبدُ عليه اهتمام حقيقي بالإجابة.
ولسبب ما، جعلها ذلك تشعر براحة كبيرة.
“مجرد علاقة قديمة ربطتنا منذ زمن.”
هزّ معلمها رأسه وكأنه فهم كل شيء.
“لا يحق لي قول هذا بعد أن تتلقّي دعمه، لكني أظن أنه من الأفضل ألا تتورطي معه أكثر من ذلك.”
كانت تعرف ما الذي يقلقه فوريث بلانشيت ليس شخصًا يمكن لعاميةٍ لا تحمل حتى لقبًا نبيلًا أن ترتبط به، ونهاية مثل هذه العلاقة معروفة سلفًا. هي رأت تلك النهاية المأساوية في الرواية، أما هو، فقد عرفها من واقع حياته لكن، مهما يكن، فكل ذلك لم يكن سوى مخاوف لا أساس لها.
أن تتورط معه بعمق؟
ابتسمت ابتسامة باهتة.
“ذلك الرجل لا يهتم بي أصلًا.”
قطب معلمها حاجبيه.
“بل يهتم بكِ. الطريقة التي ينظر بها إليكِ مريبة للغاية.”
ثم سرعان ما صحح نفسه.
“أعني… ذلك الرجل.”
وتابع:
“لو كان رجل لم يحسم أمر خطيبته بعد، ومع ذلك ينظر إلى ابنتي بتلك الطريقة لانتزعته من شعره وأبعدته عنها بيدي.”
انفجرت يوريسييل ضاحكة. كانت هذه أول مرة تراه متحمسًا إلى هذا الحد أما هو، فظل محتفظًا بجديته وأضاف:
“طبعًا، هذا مجرد رأيي خذيه كما تشائين.”
ازدادت ابتسامتها اتساعًا.
نظر إليها وهو يجمع الأطباق، ثم قال بصوت خافت:
“من الجميل أن أراكِ تبتسمين.”
“…”
لم تدرك إلا بعد أن أعادت كلماته في ذهنها أنها كانت تبتسم طوال وجبة الطعام.
“في الآونة الأخيرة، لم أركِ إلا عابسة الوجه.”
وبالفعل منذ حادثة سوق سلاير وهي على تلك الحال.
ظنت أنها أخفت الأمر جيدًا، لكنه رآه بوضوح.
“أنا آسفة.”
تنهد.
“ها أنتِ تعودين إلى هذه الكلمة…”
ابتسمت بخجل.
“إذًا… آسفة لأنني قلت آسفة.”
ارتسمت ابتسامة هادئة بينهما. ويبدو أن مشرفها، بعدما استنفد كل ما لديه من لطف في ذلك اليوم، نهض من مكانه مباشرة.
وهكذا انتهى غداؤهما المتأخر، المفعم بالضحكات.
***
لأول مرة منذ زمن طويل بدت السماء واضحة حقًا لم تكن هناك غيمة واحدة، وكان اللون الأزرق الصافي يمتد بلا نهاية.
وفي قلبها، كانت الشمس تنثر ضوءًا أحمر أشبه بالياقوت كما تشرق الشمس بعد انقضاء المطر، مضت الحياة وفق نظامها الطبيعي.
لقد احترق سوق سلاير بالكامل وذلك الرجل الذي أنقذها أصبح لطيفًا معها بصورة تثير الريبة أما المشروع، فقد أوشك على الاكتمال ولم يبقَ سوى وقت قصير لتتلقى دواءها الأخير.
كان كل شيء يسير بهدوء بالغ، كصفاء السماء بعد المطر.
لكن وسط هذا السلام كله، طغت صورة ذلك الرجل على أفكارها. ظله وهو يبدد الظلام، ووقع خطواته الذي كان يدوي كنبضات القلب، وصوت قلبه المضطرب، على نحو لا يصدق أنه قلبه هو، تراكمت الأسئلة فوق تلك الذكريات، فاضطرب قلبها.
لم تستطع فهم الأمر إطلاقًا.
لماذا كلما تذكرته، أخذ قلبها يخفق بهذه السرعة، رغم أنها لم تكن تشعر بأي قلق؟
وبقيت صورته ترافقها طويلًا حتى بعد انتهاء عملها، وهي تغادر المبنى متجهة إلى السكن لكن، كما قال مشرفها فمجرد البقاء بالقرب منه خطر بحد ذاته.
في الواقع، كان حضوره إلى ذلك المكان أصلًا أمرًا غير منطقي، وهو الرجل الذي سيتزوج الآنسة بيوشيل.
كان من الطبيعي أكثر أن يتركها تُساق بعيدًا بعدما انتهت فائدتها بالنسبة إليه، بذلك الوجه البارد الذي اعتادته منه.
فبعد ذلك لن يعود لمكان وجودها أي أهمية لديه.
ودون أن تشعر، وصلت إلى زاوية أحد الشوارع.
وقعت عيناها على الصحف المعروضة فوق الأكشاك.
كانت العناوين العريضة كلها تمجد ذلك الرجل وآل بلانشيت.
「وريث بلانشيت، كاسيان دي بلانشيت، يقضي على سوق سلاير.
حامي العدالة… من هو كاسيان دي بلانشيت؟」
وكالعادة كانت أخبار خطبته من عائلة بيريوت مذكورة أسفلها.
وتحدثت المقالات عن أن ظهوره العلني المتكرر مؤخرًا ليس إلا تمهيدًا لزواجه الوشيك.
منطقي… فلو كان هو، فلا بد أن حضوره إلى سوق سلاير نفسه كان جزءًا من خطة مرسومة فوريث بلانشيت لا يقوم بخطوة خارج حساباته أبدًا.
ما إن أبعدت نظرها عن الصحيفة حتى دوى صوت بائع الجرائد:
“طبعة خاصة!”
وتطايرت صحف جديدة في الهواء. التقطت إحداها.
وكان العنوان الرئيسي:
「شائعات عن انفصال آل بيريوت وآل بلانشيت.」
ضغطت بإبهامها على الورقة، وبدأت تقرأ.
「رأيت الآنسة بيوشيل وهي تلتقي بالدوق الشاب كاسيان. الأجواء بينهما لم تكن طبيعية. لم يكن اللقاء مليئًا بالرومانسية كما تزعم الصحف مؤخرًا بل بدا ببرودة الشمال القاسية… 」
كانت المقالة تعتمد على شهادة أحد الشهود وفي الأسفل ظهر اسم الصحيفة، ريد بينتينغ.
أما بقية المقالات، فجميعها كانت تحمل المضمون ذاته كما أن أسماء الصحف كانت مألوفة لها. كلها وسائل إعلام مرتبطة مباشرة بآل بلانشيت، وتشتهر بنشر الأخبار التي تصب في صالحهم أما الصحف التي نشرت بالأمس أخبار اقتراب الزواج، فكانت في معظمها جهات لا علاقة لها بآل بلانشيت.
وبمعنى أدق كانت أقل شهرة وأضعف مصداقية.
قد لا ينتبه عامة الناس إلى مثل هذه التفاصيل لكن عملها في الإدارة أكسبها خبرة كافية لتقرأ المشهد كله بسهولة.
لقد كانت عائلة بيريوت وراء أخبار الأمس أما اليوم فآل بلانشيت هم من نشروا هذه الأخبار أي أخبار الانفصال.
‘هل كان هذا أيضًا من صنع ذلك الرجل؟’
على الأرجح، فلا يمكن لوسائل الإعلام الموالية لبلانشيت أن تتحرك دون إذنه. كلما فكرت أكثر، اتجهت النتيجة إلى احتمال واحد.
هل هو حقًا ينوي فسخ خطبته من الآنسة بيوشيل؟
لكن لماذا؟ ألم يكن إنقاذها يومها مجرد إنقاذ لـ”لعبة” لم تنتهِ فائدتها بعد؟ أما زواجه من الآنسة بيوشيل، فلم يكن من المفترض أن يتأثر بذلك.
لسبب ما هبط قلبها إلى الأسفل. مع أن الأمر لا علاقة له بها، وقد أقنعت نفسها بذلك مرارًا لكن إحساسًا سخيفًا لا أساس له جعل قلبها يخفق من تلقاء نفسه.
غير أن فكرة أخرى سرعان ما اجتاحت عقلها وأزاحت كل ما سبق.
ربما مهما كان الأمر، لم يشأ ببساطة أن يتزوج امرأة أقدمت حتى على الاختطاف. حتى لو لم تكن الآنسة بيوشيل، فلن يعجز عن العثور على امرأة أخرى تقف إلى جواره.
صحيح أنها قد لا تملك مكانتها ونفوذها، لكنها ستكون، بلا شك، ابنة إحدى العائلات النبيلة العريقة.
وفي النهاية سواء كان الأمر كذلك أم لا، فهو لا يعنيها.
لقد خفّ ذلك الحقد الذي كانت تكنّه له لأنه أبقاها إلى جواره، رغم أنه أغرقها في هذا المستنقع.
ومع مرور الوقت، صار ذلك الشعور باهتًا.
وقبل أن تغادر هذه المدينة كانت تنوي أن تحرق حتى ذلك الحقد ففي النهاية كان عليها أن تعترف بأنه أنقذ حياتها.
ولكي تتمكن هي أيضًا من العيش للمستقبل، لا للماضي كان لا بد أن تحرق كل تلك المشاعر.
***
بعد أن رتبت أفكارها ببرود، عادت إلى السكن.
اطمأنت أولًا على والدتها النائمة، ثم دخلت غرفتها.
جلست أمام الطاولة وفتحت الخزانة. كانت رزمة الأوراق لا تزال في مكانها. أول ما فتحته كان خريطة امتلأت بالدوائر.
كلها أماكن اختارتها بعناية لتكون مرشحة للاستقرار فيها.
ولم يتبقَّ منها سوى عدد قليل ثم قلبت الورقة فظهرت قائمة جديدة بالأمور التي يجب إنجازها.
أمسكت بريشة الكتابة وأضافت بندًا جديدًا.
1. إكمال المشروع.
2. استلام الدواء الأخير.
3. إعادة كيس المال إلى الآنسة بيوشيل.
4. …
5. …
6. الرحيل إلى مكان لا يعرفني فيه أحد.
كان موعد اكتمال المشروع، بحسب ما سمعته من مشرفها ونائب المدير، قد أصبح قريبًا جدًا ولحسن الحظ سيكتمل قبل موعد جرعتها الأخيرة أما المال فكانت تنوي إرساله إلى الآنسة بيوشيل بالبريد وحين تعود للبحث عنها ستكون قد غادرت بالفعل.
ربما سيزيدها ذلك غضبًا لكنها كانت تريد، ولو للمرة الأخيرة، أن تحتفظ بما تبقى لها من كرامة وبعدها سترحل. بعيدًا عن مشرفها، وعن أهل العاصمة، وعنه هو أيضًا. كما لو أنها لم توجد منذ البداية كرغوة موجة شتوية تتلاشى في البحر.
طرقٌ خفيف صدر من الباب فخرجت من الغرفة. وكما في كل مرة، كان ساعي البريد يحمل رسالة مختومة بختم ذلك الرجل.
غادر بعد أن سلمها الرسالة.
لم تختلف عن سابقاتها. لم يُكتب فيها سوى الزمان والمكان.
لكن كان فيها هذه المرة سطر إضافي، مفعم بلطف غير مألوف.
وكأنه كان يقلق عليها.
***
“بدأت الشائعات تنتشر سرًا بأن سيدي الشاب والآنسة بيوشيل قد انفصلا. بل إن بعض الناس صاروا يراهنون على الأمر.”
أنهى تيوبه تقريره بحماس لكن كاسيان لم يبدِ أي رد فعل.
وأضاف:
“ويبدو أن الآنسة بيوشيل علمت بالأمر كله وقد استسلمت أخيرًا. فلا توجد منها أي تحركات تُذكر.”
“…”
“وهو أمر طبيعي بعد أن افتضح ما جرى في سوق سلاير.”
ظل تيوبه يراقب سيده الصامت فحتى بعد أن كشف سيده تورط الآنسة بيوشيل في حادثة الاختطاف، واصلت نشر المقالات التي توحي بأن زواج آل بيريـوت وآل بلانشيت لا يزال قائمًا.
ورغم أن أحدًا لم يثبت أنها تقف وراء تلك المقالات فلم يكن هناك من يمكن أن يفعل ذلك سواها. كان تصرفًا مفضوحًا.
أما سيده فردّ بنشر مقالات تكاد تكون نفيًا مباشرًا لتلك الأخبار.
وبالنسبة إليه لم يكن تحريك وسائل الإعلام أصعب من تحريك إصبع. وقد نجحت الخطة نجاحًا كبيرًا حتى إن الناس باتوا يصدقون فعلًا أن العائلتين قد قطعتا علاقتهما.
ولم يعد تيوبه قادرًا على كبت فضوله.
“هل تنوي حقًا فسخ الخطبة؟”
ارتسمت ابتسامة خفيفة وبطيئة على شفتي كاسيان ومن تلك الابتسامة وحدها أيقن تيوبه أن الجواب هو: نعم
. لكن ما الذي ينوي سيده فعله؟
“حتى لو فسخت ارتباطك بعائلة بيريـوت فلا بد أن تعقد خطبة مع عائلة أخرى في النهاية، أليس كذلك؟”
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.