مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 118: 118نحو 8 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 118: 118

118

الفصل مائة وثمانية عشر 

رفع كاسيان رأسه بعد أن وضع السكين على الطبق برنينٍ خافت، ثم مسح فمه بحركة أنيقة لا تشوبها شائبة. كانت كل إيماءة منه تنضح بالهيبة والرزانة. 

“كم كنت أرغب في مرافقتكم، لكن يبدو أنني لن أستطيع المشاركة في هذه الرحلة.” 

سألته إليز: 

“ولِمَ؟ أليست شؤون الدوقية قد أوشكت على الانتهاء؟” 

التقت عيناه بعيني والدته، وانحنتا بابتسامة هادئة لكن خلف تلك الابتسامة، كانت حدقتاه تتشحان بحمرةٍ قاتمة أثقل من أي وقت مضى. وجهه بقي جامدًا كما اعتادت رؤيته، غير أن إليز استطاعت أن تقرأ لونًا مختلفًا في عينيه، فلم تستطع إخفاء اضطرابها. 

‘ألهذه الدرجة أصبحت تلك الفتاة تعني له الكثير؟’ 

قال كاسيان بهدوء: 

“لا تزال هناك أمور لم أنهها بعد.” 

أنهى طعامه دون أن يلتفت إلى نظرات والدته، فوضع الشوكة والسكين برفق، ثم نهض من مكانه. 

“سأصعد إلى غرفتي إذًا.” 

استدار وغادر ومن خلفه، سمع صوت والده وهو يعد زوجته بأن يذهبوا جميعًا في المرة القادمة، بينما كانت والدته تؤيده بصوتٍ خافت ومع ابتعاد أصواتهما شيئًا فشيئًا، صعد كاسيان الدرج ودخل غرفته. فتح أحد الأدراج وراح يقلب ما فيه، حتى توقفت يده عند رسالة بعينها. التقطها بعصبية، ثم فردها بعنف. 

راحت أصابعه تقرع سطح الطاولة… 

طَق… طَق… 

ثم بدأت الضربات تفقد انتظامها شيئًا فشيئًا. 

توقفت عيناه عند الجملة الأخيرة. 

【وداعًا. 】 

وتوقفت أصابعه معها. 

كانت تلك الرسالة المزيفة تحمل إشارةً واضحة إشارة استغاثة. 

إشارة لم يكن بحاجة إليها أصلًا، لأنه كان قد عرف الحقيقة منذ البداية. حتى إنه ظن في المرة الأولى أنه قد أخطأ في القراءة، لكن العلامة كانت واضحة، راسخة أمام عينيه. في أسفل الرسالة كُتب رقم مشهور داخل الإمبراطورية باعتباره رمزًا للاستغاثة. 

〈1004〉

بعد أن ظهر هذا الرمز في إحدى المسرحيات، أصبح يُستخدم بمعنى: “أنا مختطف… أنقذني.” 

أي أن أحد الموجودين داخل ذلك القصر هو من أضاف هذا الرمز سرًا من أجلها. 

‘من يكون…؟’ 

خطرت في ذهنه شخصية معينة، فتجهم وجهه بوضوح. 

وظلت تلك الفكرة ترافقه حتى اليوم التالي. 

***

في فترة الظهيرة، دخل تيوبه حاملاً تقريرًا جديدًا. 

“هايل انضم إلى فرسان الآنسة بيوشيل.” 

مرّ في ذهن كاسيان وجه الرجل ذي الشعر الفضي والعينين الزرقاوين، بابتسامته الصافية. 

‘يا له من إخلاص مثير للإعجاب.’ 

لو كان الأمر يخص شخصًا آخر، لربما أعجبه ذلك أما وقد أصبح الأمر يعنيه هو فلم يترك في نفسه سوى شعورٍ مقزز. 

ومع ذلك لم يعد ذلك من شأنه فالرسالة وصلت إلى يده. 

وهي ستعيش بقية حياتها دون أن تعرف شيئًا. 

ما دام الاثنان قد قررا الابتعاد عن بعضهما، فلن يبقى بينهما أي تقاطع كطريقين لا يلتقيان أبدًا وهكذا يجب أن يكون الأمر بل هكذا لا بد أن يكون. 

رفع كاسيان نظره إلى تيوبه. 

“وكيف عرفت ذلك؟” 

لم يكن قد أمره بالتجسس على صاحب الشعر الفضي. 

تردد تيوبه قليلًا قبل أن يجيب. 

“لقد التقيا.” 

ولما رأى ملامح سيده المتصلبة، أسرع يكمل تقريره. 

“كان الجو بينهما غريبًا وأظن أن استقالة هايل من البرج السحري لها علاقة بتلك السيدة.” 

أشعل كاسيان سيجاره دون أن يقول كلمة ونفث دخانًا ببطء. 

ومن بين خيوط الدخان، ارتسمت أمامه ملامحها وملامح ذلك الرجل ذي الشعر الفضي. 

مجرد خيال لكنه بدا واضحًا بصورة تثير الضيق. 

لا بد أنها ألقت اللوم على نفسها كعادتها، وتمسكت به ولا بد أنه أبعدها عنه، متظاهرًا بدور العاشق المخلص الذي لا نظير له. 

كل شيء يسير كما خطط له بدقة عقارب الساعة بل بأسرع مما توقع ومع ذلك لماذا يشعر بكل هذا الانزعاج؟ 

تصاعد دخان السيجار مرة أخرى. 

وفي داخله، كانت ملامح كاسيان المضطربة تظهر وتختفي بين الضباب. 

***

ضجّ المبنى الرئيسي للبرج السحري بالتصفيق وأحاط السحرة بالمكان وهم يطلقون هتافات الفرح. 

“حقًا… لقد أوشكنا على النهاية. لم أتوقع أن تنجح التجربة الثالثة من المحاولة الأولى.” 

ومنذ وصول خبر استئناف إمدادات أوراق الليف، استعادت وجوه الجميع إشراقها وتوالت كلمات الامتنان نحو يوريسييل. 

“كل هذا بفضل السادة الإداريين. صحيح، لقد بذلتم جهدًا كبيرًا، بدءًا من إيجاد الداعم للمشروع.” 

أما نائب المدير، الذي كان أكثرهم قلقًا طوال الفترة الماضية، فتقدم هذه المرة نحو فينسنت بابتسامة محرجة. 

“لقد فقدت أعصابي حينها ظننت أن المشروع سينهار، فارتبكت.” 

صافحه فينسنت بحرارة، ثم ضحك ضحكة عريضة. 

اختفى تمامًا ذلك الوجه الشاحب الذي كان يملؤه القلق ولم يعد يبدو ذلك الرجل العصبي المعتاد بل ارتسمت على وجهه ابتسامة مزهرة لا تكاد تفارقه. ابتسمت يوريسييل بدورها وهي تراقبه. 

كان يحلم بهذا اليوم منذ سنوات طويلة فكيف لا يكون سعيدًا وقد بات تحقيق حلمه قريبًا؟ 

تذكرت الأيام التي أخفى فيها عنها قلقه حين توقفت إمدادات الليف، متظاهرًا بأن كل شيء على ما يرام حتى لا يحملها همومًا إضافية فعادت تمتلئ بالمشاعر من جديد. 

وبعد نقاشات طويلة حول موعد الاختبار التالي ونسبة النجاح المتوقعة، انتهى الاجتماع وعاد السحرة إلى أعمالهم أما مشرفها، فلحق بها متجهًا إلى الخارج لكن خطواته هذه المرة كانت أثقل من المعتاد. 

قالت وهي تسير إلى جواره: 

“ألست سعيدًا؟ ستعثر عليها قريبًا.” 

ابتسم ابتسامة باهتة. 

“بلى… لقد اشتقت إليها طوال سنوات.” 

لكن شيئًا من القلق كان واضحًا في صوته. 

“ومع ذلك كلما اقتربت من النهاية، أشعر بالخوف أيضًا.” 

فهمت ما يقصده. لقد أمضى عمره كله وهو يسعى للعثور عليها. 

فإن انتهى ذلك الطريق إلى لا شيء فماذا سيتبقى له؟ 

لقد مضت سنوات طويلة منذ افترق عنها وإن كانت قد نسيته بالفعل أو لم تعد ترغب بوجوده في حياتها فلن يكون أمامه سوى تقبل ذلك وربما سيكون ذلك الفقد أشد قسوة من أي وقت مضى. 

ابتسمت له برفق. 

“ستسعد برؤيتك.” 

نظر إليها باستغراب. 

“ومن أين لكِ كل هذه الثقة؟” 

“لأنها إنسانة طيبة.” 

كان ممن يعجزون عن تقبل المديح. 

ورغم أن زاوية فمه ارتفعت تلقائيًا، فإنه قال بخشونة مصطنعة: 

“طيبة؟ أنتِ من النوع الذي يُخدع بسهولة.” 

ضحكت. 

“هذه أول مرة أسمع فيها هذا.” 

ابتسم بخفة وبدا واضحًا أن نجاح المشروع أعاد إليه شيئًا من بهجته. 

قالت وهي تخفض رأسها قليلًا: 

“في الحقيقة… أنا شخص سيئ جدًا.” 

لقد حافظت على كل ما تملكه في العاصمة لكنها في المقابل اضطرت للتخلي عن أشياء كثيرة حتى إنها لم تعد قادرة على عدّ الذنوب التي ارتكبتها في سبيل ذلك أما هو فلم يكن يعرف وجهها الحقيقي ولذلك قال كعادته، مغلفًا دفئه بفظاظةٍ محببة: 

“لم أرَ يومًا شخصًا سيئًا يصف نفسه بأنه سيئ.” 

ابتسمت له. 

“يكفيني أن أكون شخصًا جيدًا في نظرك.” 

لوّح بيده بازدراء مصطنع. 

“كلام فارغ.” 

وصلا إلى مبنى الإدارة واقترح عليها تناول الطعام، فاصطحبها إلى الكافتيريا. ناولها قائمة الطعام فاختارت، كما اعتادت، أرخص طبق لكنه أضاف إليه كل الإضافات الممكنة حتى تحول إلى أغلى وجبة في القائمة، ثم طلبها ولما وصلت شرائح اللحم الفاخرة، أخذت تقطعها فبدّل طبقها بطبقه بصمت. كان طبقه قد قُطع فيه اللحم إلى قطع صغيرة. ويبدو أنه طلب الطبق نفسه خشية أن تشعر بالحرج أما هو فلم يكن حتى مستمتعًا بالطعام. 

ابتسمت وهي تنظر إليه. 

“أظن أنك كنت تحظى بشعبية كبيرة في الماضي.” 

أجاب بلا مبالاة: 

“هذا أمر بديهي.” 

ثم سألها بجدية تامة: 

“لا تقولي إنكِ لم تكتشفي ذلك إلا الآن؟” 

انفجرت ضاحكة. 

وبعد أن هدأت، وجدته لا يزال يأكل بوجه جاد. 

قالت مبتسمة: 

“لم أكن أعلم أن لديك هذا الجانب اللطيف.” 

هز كتفيه. 

“وهذه أيضًا أول مرة أسمعها.” 

ثم أضاف وهو يحدق فيها: 

“لكنها… كانت تحبني لسبب آخر.” 

رمشت بدهشة. 

“سبب آخر؟” 

بدت على وجهه مرارة خفيفة وللوهلة الأولى ظنت أن الأمر يتعلق بخلفيته كابن أكبر لإحدى أسر الكونتات لكن صوته الهادئ قطع أفكارها. 

“وجهي.” 

شرقَت بالطعام، وأخذت تسعل بشدة فدفع إليها كأس الماء بهدوء. 

وبينما كانت تشرب، تابع مستغرقًا في ذكرياته. 

“كانت تقول إنها تعشق وجهي.” 

ظل ينظر إلى انعكاس صورته المرتجف على سطح الماء. 

“لكنني أخشى أن مرور الزمن جعله يفقد تأثيره.” 

كانت متأكدة أنه يمزح لكن صدمتها الحقيقية كانت في أنه هو من قال ذلك. 

ظل الحزن في عينيه يزداد، فلم تستطع تركه على هذه الحال. 

تنفست بعمق ثم ابتسمت. 

“وهل يتحول ليكابريو إلى دوكابريو لمجرد أن الزمن مر؟” 

كانت تشير إلى اسم أشهر ممثل مسرحي وسيم في الإمبراطورية. 

فضحك أخيرًا ومنذ تلك اللحظة، لم يبق في المكان سوى صوت احتكاك أدوات الطعام بالأطباق وبينهما لم يكن للصمت أي معنى محرج بل على العكس. أدركت أنها أصبحت قريبة من معلمها أكثر بكثير مما كانت تتخيل وربما حين تتذكر العاصمة يومًا ما ستتذكره معها أيضًا وفي تلك اللحظة سألها فجأة: 

“كيف تعرفتِ أصلًا على وريث عائلة بلانشيت؟”

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.