الفصل 12: 12
12
الفصل الثاني عشر
“ألم تسمعني عندما قلتُ لكِ اخرجي؟”
جاء صوته حادًّا، كأن شظايا الزجاج تختبئ بين حروفه.
رغم أن العرق البارد كان يتصبب منه كالمطر ورغم أن وجهه الشاحب بدا وكأنه قد ينهار في أية لحظة، بقيت عيناه المشتعلتان تحدقان بها بضراوة.
“أين الطبيب المعالج؟”
“ألم تسمعي ما قلته للتو؟”
كان ذلك يعني أنه لا ينوي إخبارها ويعني أيضًا أنه ما زال قادرًا على التحمّل لذلك لم يكن هناك داعٍ للإلحاح أكثر فالمهمة الموكلة إليها لم تكن سوى أن تكون دمية تتحرك كما يشاء تمامًا. دمية تقرأ حين يأمرها بالقراءة، وتقف حين يأمرها بالوقوف، وتحبس أنفاسها إن أمرها بذلك. لم يكن عليها أن تتدخل وتثير المتاعب
لكن ما إن استدارت لتغادر حتى مال جسد كاسيان إلى الجانب فجأة. اقتربت ببطء في البداية، إلا أنه ما إن استقر جسده على السرير بلا حراك حتى اختفى منه أي أثر للحياة، فاجتاحها الذعر .
وبساقين ترتجفان، اندفعت نحو الباب وفتحته بعنف ثم ركضت بلا وجهة. وأثناء ركضها، اندفعت إلى ذهنها ذكرى ليست ببعيدة.
في يوم ما، كانت أمها قد سقطت بالطريقة نفسها تمامًا.
في تلك الليلة المرعبة، لم تخرج أمها ــ التي اعتادت استقبالها بعد العمل ــ إلى الزقاق كما تفعل دائمًا وحين دخلت المنزل مذعورة وجدتها ملقاة على الأرض، لا تتنفس وكان وجهها باللون ذاته تمامًا وعندما رأت أمها ممددة هكذا، استدارت وركضت فورًا.
ركضت بجنون حتى إنها لم تعد تتذكر كيف وصلت، لتجد أن جميع العيادات قد أغلقت أبوابها وكان ذلك طبيعيًا، فقد كان الوقت متأخرًا من الليل. وبعد أن جابت المكان يمنة ويسرة، عثرت أخيرًا عند الفجر على عيادة ما تزال أنوارها مضاءة، فأحضرت الطبيب وركضت عائدة بالطريق نفسه. قال الطبيب حينها إنه لو وصلت متأخرة قليلًا فقط، لكان الأوان قد فات لكانت أمها قد توقفت عن التنفس إلى الأبد. حاولت لاحقًا معرفة طبيعة مرضها من الأطباء، لكنها لم تحصل على شيء ذي فائدة ومنذ ذلك اليوم، كلما عادت إلى المنزل ولم تجد أمها تنتظرها عند زاوية الزقاق، كانت تبدأ بالركض تلقائيًا، يغمرها الخوف حتى العظم.
وما رأتْه في كاسيان قبل لحظات كان مطابقًا لذلك المشهد ومع ذلك، ففي خضم كل ذلك، كان يصرّ على طردها حفاظًا على كبريائه ألم يكن يهمه إن مات فعلًا؟
حسنًا، بعد أن تلقى حكمًا بالموت، لم يكن غريبًا أن يفارق الحياة في أي لحظة لكن غروره المعتاد ونظرته المتعالية إليها جعلاها تنسى تلك الحقيقة للحظة.
وحين وصلت أخيرًا إلى قاعة الاستقبال بعد ركض محموم، وقعت عيناها على ظهر كبير الخدم. استدار على صوت أنفاسها اللاهثة، وما إن رآها حتى اتسعت عيناه، وكأنه رأى مصدر إزعاج جديد.
ومن دون مقدمات، أخبرته بحالة كاسيان.
وعلى عكس ما توقعت، لم يُبدِ أي ذعر بل تحرك بمهارة مألوفة لاستدعاء الطبيب المعالج وكأن هذا الأمر قد حدث مرات لا تُحصى من قبل. راقبت الطبيب وهو يدخل غرفة كاسيان، وعندها فقط خانتها ساقاها وسقطت جالسة وبعد أن منعها كبير الخدم من الدخول، لم تجد ما تفعله سوى المشي ذهابًا وإيابًا أمام الباب بقلق ولم يمض وقت طويل حتى تسرب أنين خافت من الداخل لابد أنه استعاد وعيه.
خرج النفس من صدره طويلًا ومتثاقلًا.
جلست في مكانها، فيما مرت عدة أنات أخرى عبر سمعها حتى أنينه بدا محتفظًا بوقاره النبيل، كأنه يتكبد الألم وهو يرفض الاعتراف به. هل يتوجب على النبلاء الحفاظ على هيبتهم حتى وهم يقفون على عتبة الموت؟
ربما لهذا السبب بالذات كان قد صرخ في وجهها قبل قليل وأمرها بالمغادرة كان يحاول إخفاء ألمه.
شعرت وكأن العرق قد انخفض حتى ذقنها وفي تلك اللحظة، انفتح الباب، وخرج رجل مسن بدا أنه الطبيب المعالج.
عدل الرجل منظاره الأحادي وألقى عليها نظرة عابرة قبل أن يتجاوزها بلا اكتراث، بينما أشار كبير الخدم إليها بالدخول.
في الداخل، كان كاسيان جالسًا بهدوئه المعتاد ولو لم تشاهد ما حدث بعينيها قبل قليل، لما صدقت أبدًا أن هذا الشخص نفسه قد انهار قبل دقائق.
حقًا كان تجسيدًا كاملًا لعائلة بلانشيت، عنيدًا إلى حد لا يُطاق.
ولكي لا تجرح كبرياءه، تظاهرت بأنها لم تر شيئًا وبدلًا من سؤاله إن كان بخير، قالت:
“هل أقرأ لك؟”
للحظة وجيزة، تشوهت ملامح كاسيان.
ربما لم يعجبه أنها لم تتركه يموت بسلام بعد أن رأته ينهار أو ربما لأنه انكشف أمامها وهو يتألم.
كانت قد حاولت جهدها أن تتصرف وكأن شيئًا لم يحدث، لكن يبدو أن ذلك أزعجه أكثر وبينما كانت تفكر في الأمر، استعاد كاسيان بسرعة قناعه المعتاد كأن وجهه لم يتلوَّ من الألم أصلًا وحلّت فوقه ابتسامة قاسية تمامًا كتلك التي ارتسمت على شفتيه بالأمس وهو يراقبها من خلف النافذة.
“انسَي الكتاب.”
قال وهو يستلقي بتكاسل.
“اقرئي هذا بدلًا منه.”
وبتلك الكلمات وحدها، سخر من رغبتها العابرة في مساعدته.
***
ارتفع صوت فتاة بهدوء داخل الغرفة الساكنة.
وجهها الأبيض، الناصع كالثّلج، وعنقها الطويل الأنيق، وفوق حنجرتها التي تحمل صوتها الصافي، كانت أشعة الشمس البيضاء تتكسر إلى شظايا مضيئة وكان العرق يغطيها بغزارة.
والحقيقة أن معرفته بأن تلك القطرات سُفكت بسببه كانت تبعث في نفسه قدرًا لا بأس به من الرضا فعلى الأقل لم تمنح ذلك الفتى الذي وقف عند النافذة سوى ابتسامة أما معه فقد تجاوز الأمر ذلك بكثير وحين خطرت له هذه الفكرة، بدا حتى عصيانها واستدعاؤها للطبيب أمرًا يمكن التغاضي عنه. سيُبقيها إلى جواره مدة أطول قليلًا لأنها مسلية أما الأشخاص الذين أُرسلوا لخدمته من قبل، فقد كانوا جميعًا مملّين بصورة لا تُطاق وكانوا بالكاد يخفون أطماعهم في الصعود الاجتماعي عبر إنجاب وريث يحمل دم آل بلانشيت وفي الحقيقة، كانت عائلة بلانشيت تتعامل مع مثل تلك الحوادث بحزم كامل فتدفن أصحابها في توابيت لا تسمح لهم بالكلام مجددًا ولم يكن التخلص من مخلوقات تافهة كهذه يشكل أي عبء على آل بلانشيت فأمه، التي ما تزال في العاصمة تبحث عن أنبل سيدة ممكنة لتترك أعظم إرث أخير للعائلة، كانت قادرة على فعل ذلك وأكثر أما أولئك النساء، فلم يكن لديهن أدنى فكرة عن الأمر حتى إن بعضهن قفزن إلى سريره بأقدامهن.
وفي سن الثامنة عشرة داخل الإمبراطورية، لم يكن ذلك مستغربًا ففي هذا العمر تُعقد الخطوبات، وتبدأ مفاوضات الزواج، وبعض الأسرع حظًا يكون لديهم أطفال بالفعل بل إن النبلاء كانوا يشجعون أبناءهم على ذلك بحماس. ربما كان ينبغي له أن يقبل عروضهن لكن لو فعل، لما استطاع مشاهدة هذا المشهد الممتع.
ما ألقاه إليها قبل قليل لم يكن سوى صحيفة اليوم وكان صوتها وهي تقرؤها يحمل ارتجافة خفيفة وحين سمع الارتجاف يظهر في الموضع الذي توقعه بالضبط، ارتسمت ابتسامة على شفتيه.
كانت صفحة الروايات في الصحيفة تتناول قصة حب بين فتاة ثرية وشاب فقير عادي لكن على عكس الحكايات الخيالية، جاءت النهاية مختلفة تمامًا. في النهاية، نسيت الأميرة الثرية ذلك الرجل وعاشت بسعادة مع الأمير. بمعنى آخر كانت الرواية تقول الحقيقة فالأميرة لا يمكن أن ترتبط بعامي عديم القيمة.
وكانت تلك الرواية، بواقعيتها التي كسرت كليشيهات القصص المعتادة، من أكثر الكتب مبيعًا بين النبلاء.
ترى بماذا كانت تلك الفتاة تفكر وهي تقرؤها؟
‘هل تذكرت ذلك الفتى الذي رأته بالأمس؟’
مرّت في ذهن كاسيان صورة صبي فضي الشعر بعينين زرقاوين لامعتين لم يكن وسيمًا بصورة استثنائية، لكنه كان كافيًا لجعل الفتيات يعجبن به.
هايل.
إن لم تخنه ذاكرته، فهذا هو اسمه. كان قد تخرج مبكرًا في المرتبة الأولى من برنامج الطب البيطري الممول بمنحة من آل بلانشيت، وأصبح مسؤولًا عن خيول عائلته وبالنسبة لعامي لا يملك حتى اسم عائلة، فإن تكليفه بممتلكات آل بلانشيت يعني أن مهارته لا بد أن تكون استثنائية على الأقل في نظر والده فوالده، الذي يعشق الخيول أكثر من أي شيء، لم يكن ليسلم جياده الأصيلة لأي شخص. والآن بعد أن فكر بالأمر تذكر على نحو ضبابي أنه رأى ذلك الشعر الفضي يمر أحيانًا ويلقي التحية لكنه لم يهتم به يومًا بما يكفي لتذكر ملامحه.
في العادة، من يصل إلى العاصمة يستقر فيها إلى الأبد أما ذلك الفتى فقد طلب بنفسه العودة إلى هذه المقاطعة النائية.
وأثناء مراجعة الطلبات، كان كاسيان قد رأى خط يده.
مرتبًا ومتواضعًا بصورة مفاجئة وكان سبب طلبه مكتوبًا بوضوح:
〘للعودة إلى مسقط رأسي وخدمة السيد الشاب كما ينبغي.〙
عندها أطلق كاسيان ضحكة ساخرة دون إرادة.
أي هراء هذا؟ كيف لشخص بالكاد يتذكره أن يقول إنه عاد من أجله؟ كان سيصدق الأمر أكثر لو كتب ببساطة أنه يشتاق إلى بلدته لكن شيئًا واحدًا كان مؤكدًا. ذلك الفتى كان مختلفًا عن الآخرين الذين تمسكوا بالعاصمة بكل قوتهم. لقد عاد إلى هنا
ليس من أجل الخيول بل من أجلها هي.
وقف مباشرة داخل مجال رؤية كاسيان عند النافورة وكانت عيناه معلقتين بها وحدها والابتسامة التي أزهرت على وجهه لحظة رآها والابتسامة البيضاء المشرقة التي ردّت بها عليه كل تفصيل من تلك المشاهد كان يثير أعصابه.
هل كانت تعرف سبب عودته؟ لابد أنها تعرف لهذا كانت تمنحه تلك الابتسامة التي لم يملكها هو ولهذا كانت تتحدث معه بذلك الدفء. وفي لحظة واحدة، تحول رضاه السابق إلى مرارة.
وما شأنه أصلًا إن كانت هذه الفتاة البائسة تتحدث أو تضحك مع ذلك الفتى؟
آه… بل كان الأمر يعنيه. إذا كانت الدمية التي أرادها أن تبكي لأجله وحده تحمل شخصًا آخر في قلبها، فذلك سيعطل خططه.
قد يبدو هذا تفكيرًا قاسيًا بل هو بالضبط النوع من الأفكار الذي لو سمعه الناس لتلطخت سمعة آل بلانشيت النبيلة لكن ماذا بوسعه أن يفعل؟ فأمثاله وُلدوا بدم لا يعرف الخجل وُلدوا دون أن يحملوا أي عبء من المسؤولية وإن لم يعجبها ذلك فما كان عليها أن تلفت انتباهه منذ البداية.
“أنتِ.”
توقف صوتها الذي كان يقرأ الصحيفة ورفعت عينيها الخضراوين الصافيتين نحوه.
“نعم؟”
“ألم تسمعي عندما قلت لكِ ألا تستدعي الطبيب؟”
أنزلت الصحيفة بتهذيب واهتزت عيناها الخضراوان ارتجافة خفيفة.
“كُنتَ تتألم.”
“ذلك لا يعنيكِ.”
اتسعت عينا يوريسييل بدهشة من الكلمات غير المتوقعة لكن ما قاله بعدها كان أكثر استفزازًا.
“سأموت على أي حال.”
السيد الشاب الذي نطق بتلك العبارة ببساطة لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره. قد يقول البعض إن ذلك عمر كافٍ لكن بعض الروايات كانت تصفه بالعمر الذي تبدأ فيه الزهرة بالتفتح ولذلك، كان الحديث عن الموت في مثل هذا العمر قاسيًا للغاية ومن الطبيعي أن يلعن المرء استيائه وغضبه. أما هذا السيد الشاب، الذي يتصرف عادة وكأنه قادر على ذبح الآخرين متى شاء، فكان من المتوقع منه أن يفعل ذلك. على الأقل، هذا ما كانت يوريسييل تظنه. ومع ذلك فبدلًا من أن يلوم الأطباء لأنهم لم ينقذوه، كان يتعامل مع الموت نفسه بلا اكتراث وعند رؤية ذلك، تذكرت أمها للحظة. كان هناك وقت أرادت فيه أمها أن تستسلم لكل شيء. عندما علمت أن ثمن الدواء يفوق قدرتها. رغم أن ذلك الدواء ربما كان سيطيل عمرها كانت قد قررت التخلي عن كل شيء أما هذا السيد الشاب النبيل، الذي يملك كل المزايا التي حُرم منها الآخرون، فقد اختار هو أيضًا أن يتخلى عن كل شيء.
هناك أناس يتشبثون بالحياة بكل ما أوتوا من قوة ولا يستطيعون الحصول عليها أما هو فلا يريدها أصلًا.
لم يكن أمرًا يستحق الغضب ومع ذلك، اشتعل الغضب داخلها.
“لا يوجد شيء اسمه: سأموت على أي حال.”
عند اندفاع كلماتها بهذه الحدة، أطلق كاسيان ضحكة ساخرة خفيفة وانعكست تلك الابتسامة بوضوح في المرآة المقابلة له.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.