الفصل 11: 11
11
الفصل الحادي عشر
في أحد الأيام من الماضي، أقامت والدة هايل حفلة في قصرها دعت إليها جميع نساء ألفونس، باستثناء أمي وحدها وفي تلك الحفلة، وبينما كانت تسمع النميمة التي تتداولها النسوة جيدًا، قامت بتوظيف أمي عاملةً بالأجرة اليومية ثم لاحقًا، حين جاءت أمي ترجُوها أن تساعدني على الالتحاق بالمدرسة الابتدائية، عرضت عليها منصب وصيفتها الخاصة كنت أود الهرب من كل ذلك فالأمر كان لا يُحتمل. ما تزال كلمات أولئك النسوة اللواتي كنّ يتهامسن خلف ظهر أمي أثناء عملها في ذلك المنزل ترنّ في أذني بوضوح حتى الآن.
“إنها تهز ذيلها لكل رجل تراه، ومع ذلك فالسيدة متساهلة معها إلى هذا الحد.”
“بالضبط. بل إنها ذهبت إلى حد توظيف امرأة كهذه. أليست هي نفسها من ساعدتها على الاستقرار هنا؟”
ومع مرور الأيام، أصبحت والدة هايل هي الإنسانة الطيبة في أعين الجميع بينما تحولت أمي إلى الشريرة أما الحقيقة، فلم تكن تعني لهم شيئًا فمن أجل الحفاظ على كرامتهم، كان لا بد أن تكون تلك الأميرة الأجنبية—التي نالت ولو نظرة عابرة من رجل غير أزواجهن—هي المخطئة وكان لا بد أن تسقط المرأة التي أدخلت الاضطراب إلى بيوتهن. ولم يكن من الممكن أن تجهل والدة هايل كل هذا بل إن ابتسامة خافتة كانت تظهر أحيانًا عند زاوية شفتيها وهي تراقب المشهد ومع ذلك، أبقت أمي إلى جوارها كخادمة لفترة طويلة فقد تعمدت تشويه سمعتها أمام الناس، وقصّت عنها مصادر رزقها واحدًا تلو الآخر حتى لم يعد أمامها خيار سوى دخول منزلهم ثم تظاهرت بأن ما فعلته لم يكن سوى عملٍ من أعمال الرحمة ومع ذلك كله، كانت أمي لا تزال ترغب في أن أتقرب من هايل كانت تقول دائمًا:
“إنه الشخص الوحيد الذي وقف إلى جانبي يومًا.”
ثم تضيف:
“لولا وجوده، كيف كنا سنتمكن من البقاء في ألفونس أصلًا؟”
لفترة طويلة، راودني الشك في نفسي. ربما كنت أنا المعوجّة فعلًا.
ربما كنت أحمل داخلي كبرياءً أسود عنيدًا لا فائدة منه فهايل كان لطيفًا معي دائمًا، ولم يكن هناك منزل يدفع لأمي أجرًا أفضل من منزلهم فربما كنت أنا المخطئة حقًا. ربما لأنني كنت أعيش بالقليل، صرت أحسد من يملكون الكثير، فالتوت نفسي بهذا الشكل بل إنني كنت أختلق الأعذار لأقنع نفسي بحبي لهايل وأعاقب نفسي في الوقت ذاته ولعل ذلك حدث يوم مزقت السيدة كاثرين قناعها أخيرًا حين رأت هايل يطعم حصانه التبن بلطف بينما يتحدث معي بود.
يا ترى ما ذلك التعبير الذي ارتسم على وجهها حينها؟
تعبير لا أود تذكره أبدًا.
***
“لماذا؟ سمعت أن العاصمة مليئة بالفتيات الجميلات.”
بطبيعة الحال، وبما أن عائلة هايل لا تحمل لقبًا نبيلًا، فالوصول إلى سيدات الطبقة الأرستقراطية الرفيعة كان أمرًا بعيد المنال بالنسبة له لكن في هذا العصر من الإمبراطورية، حيث بدأت الفوارق الطبقية تتلاشى تدريجيًا، كان أصحاب الأراضي الواسعة يملكون قيمة توازي ثرواتهم وهايل، فوق ذلك، كان وسيمًا للغاية لذلك لا بد أن هناك الكثير من النساء اللواتي أُعجبن به تمامًا كما كانت فتيات القرية يعشقنه هنا. والآن، بعد أن صقلته العاصمة، فلا بد أن النساء اللواتي يلتففن حوله أصبحن أكثر رقيًا أيضًا.
“هذا النوع من الفتيات ليس ذوقي.”
إذًا، هن موجودات فعلًا فتيات جميلات متعلقات به وربما كن من طبقة اجتماعية قريبة من طبقته.
مجرد مواصلة هذا الحديث كانت كفيلة بأن تصيبني بالصداع
فأنا أعرف مسبقًا إلى أين ستقود إجابته. الرسائل الكثيرة المكدسة في مخزن منزلنا كانت كافية لإخباري بذلك. سيدور ويدور في الحديث عن إعجابه بي وفي النهاية، لن أتمكن من منحه أي جواب.
لأن الخوف ما زال يحتل مساحة أكبر في داخلي من الشجاعة.
هايل، الابن الوحيد المكلف بحماية مزرعة الخيول، سينتهي به الأمر يومًا إلى اتباع رغبات والديه. الجميع يفعلون ذلك في النهاية.
ولو اختارني أنا فسيضطر للتخلي عن أشياء كثيرة جدًا.
ابن مطيع يصغي دائمًا لأبويه، وكل الدعم الذي ناله بسببهما، وأحصنته التي يحبها وغيرها الكثير لذلك تجاهلت سؤاله العقيم عن ذوقه في النساء.
“حسنًا، اكتشف ذوقك بنفسك. أنا مشغولة.”
لوحت له بيدي وغادرت المكان بسرعة قبل أن يتمكن من الإمساك بي فقد تأخرت فعلًا أكثر مما ينبغي وأهدرت وقتًا طويلًا في فرحة لقائنا غير المتوقعة. وفي كل مرة التفت فيها للخلف، كنت أرى وجهه البعيد يزداد تقلصًا وامتعاضًا.
***
وفوق القصر البعيد تحركت الظلال. واحد… اثنان…
وحين أحصيتها، أدركت أنها النافذة الواقعة في الطابق الذي يقيم فيه كاسيان دي بلانشيت.
‘هل كان يراقب حديثي مع هايل طوال ذلك الوقت؟’
تعلقت عيناي بالنافذة المغلقة بإحكام.
حسنًا، الأمر لا يهمني على أي حال.
***
وكما هو متوقع، ضجت القرية بأحاديث عودة هايل وكاسيان.
تقريبًا عُشر الأحاديث كان عن هايل أما التسعة أعشار المتبقية فكانت عن كاسيان. في الماضي، كان الكبار يتحدثون عن هايل وحده بلا توقف لذا كان هذا التغير مذهلًا. لقد أظهر بوضوح مدى الأثر الذي تركه كاسيان في أذهان الناس وكما توقعت، لم يكفوا عن مدحه.
“آل بلانشيت يتمتعون بهيبة تختلف عن الجميع فعلًا.”
“كيف يمكن لشخص أن يدفع كل هذا المال ثم يعامل العاملين معه بكل هذه اللطافة؟”
“بل إنه أرسل كبير خدمه بنفسه بدل أن يكتفي بإصدار أمر! يا له من شاب نبيل.”
حتى صاحب متجر الأسماك في ليوردين، الذي خسر عاملته فجأة، كان يبتسم من الأذن إلى الأذن وكلما تسرب خبر المبلغ الذي حصل عليه، ازداد الناس انبهارًا وارتفعت سمعة كاسيان أكثر فأكثر أما اللورد ألفونس، الذي تلقى هزيمة معنوية غير مفهومة بسبب تصرفات كاسيان، فقد أصبح هدفًا لانتقادات الأهالي.
وفي النهاية كانوا يلتفتون إليّ جميعًا ويسألون:
“هل حقًا السيد الشاب من آل بلانشيت وسيم كما يقولون؟”
“أليس لطيفًا معك أيضًا؟”
“ما نوع الأعمال التي يطلب منك القيام بها؟”
ولأن أحدًا لم يكن يعرف بعد بمرضه الميؤوس منه، بقيت الأسئلة في هذا الإطار فقط. كنت أفهم تمامًا سبب فضولهم فهم لطالما اعتبروا آل بلانشيت كائنات تنتمي إلى عالم آخر.
لكن الآن، بعد أن نزل أحدهم من السماء ولمس حياتهم اليومية وجدوا الأمر مسليًا للغاية أما أولئك الذين كانت عيونهم تتلألأ بالحماس، فكانوا يبحثون عن أي صلة تربطهم بذلك السيد الشاب. وكان لدي جواب جاهز لكل تلك الأسئلة كنت أريد أن أقول:
“نعم، إنه وسيم لكنه أيضًا شخص سيئ الحظ ويكلفني بأعمال أصعب من أي شخص آخر وبالنسبة له، فإن عامية مثلي لا تُعامل حتى كإنسانة لذلك توقفوا عن أحلام الأمير الساحر هذه فأمثال هؤلاء لا وجود لهم في هذا العالم.”
أردت أن أكشف لهم وجه السيد الشاب الحقيقي لكن عندما حاولت النطق بذلك علقت الكلمات في حلقي كشوكة لأنني، بعد حديثي مع هايل، اكتشفت أن كاسيان كان في الحقيقة شخصًا صالحًا خلال السنوات التي لم أعرفه فيها ثم إن الأمر مضحك أصلًا ما الذي أفعله وأنا أفكر بكل هذا؟ مهما قلت لهم فلن يصدقوني فالناس لا يرون ولا يصدقون إلا ما يرغبون في تصديقه.
وطالما أن كاسيان لا يؤذي أهل القرية فسيظل في أعينهم شخصًا صالحًا إلى الأبد ولم يكن لدي سبب حقيقي لتحطيم آمالهم فحتى الأوهام الكاذبة قد تمنح حياة الناس الرتيبة شيئًا من التسلية.
لذلك قلت فقط:
“حسنًا… إنه كما ترونه تمامًا.”
كانت تلك أكثر إجابة إيجابية استطعت تقديمها ورغم كل التفكير الذي سبقها، بدت إجابتي فاترة على نحو يثير السخرية فما تبقى في داخلي من روح التمرد منعني من التحدث عنه بلطف.
تنهد الكبار بخيبة أمل وهم يتمتمون:
“يا للملل.”
لكنهم واصلوا نسج خيالاتهم.
“إذا كانت فتاة عنيدة مثلك تقول إنه كما نراه، فكم لا بد أن يكون رائعًا فعلًا؟”
بل إن بعضهم أبدى غيرته لأن السيد الشاب اختارني للعمل إلى جانبه وأنا أواصل هز رأسي يمنة ويسرة، حتى حان وقت الانتقال إلى عملي التالي.
***
وخلال فترة الاستراحة القصيرة، تمكنت أخيرًا من العثور على مكان عمل أمي الجديد وكان العثور عليه سهلًا للغاية فالقرية كلها صغيرة كراحة اليد. وبعد المحاولة الثالثة، اكتشفت مكان عملها السري لكنني قررت تأجيل مواجهتها فقد منحها أصحاب العمل بضعة أيام من الراحة كي تستعيد عافيتها.
حين عدت إلى المنزل في المساء، وجدتها نائمة بعمق. حتى أمي، التي اعتادت النوم المتقطع، كانت تغط في نوم هادئ من شدة الإرهاق ولأنها لم تذهب إلى العمل اليوم، فمن المرجح أنها لم تسمع شيئًا. ربما كانت الشخص الوحيد في القرية الذي لا يعرف بعودة هايل أو بأحاديث كاسيان.
ولسبب ما، شعرت أن ذلك أمر يدعو للارتياح وفي الوقت نفسه أشعرني بالقلق لأنها ستسمع عاجلًا أم آجلًا.
وحينها هل ستعود تلك النظرة المليئة بالأمل إلى عينيها مجددًا؟
تلك النظرة نفسها التي كانت تنظر بها إلى هايل قديمًا.
***
وسط ليلة متشابكة بالأفكار، حل الصباح مجددًا وانطلقت كعادتي، والوشاح الذي لفّته أمي حول عنقي ما يزال يرافقني. وحين تجاوزت البوابة الرئيسية للقصر ووصلت إلى النافورة، لمحت ظل كاسيان يتحرك خلف النافذة.
‘هل سيكون هناك مجددًا، يحدق بي بتلك النظرة المخيفة؟’
‘لا يعقل أنه ما زال غاضبًا بسبب حديثي مع هايل بالأمس…’
لا، هذا مستحيل. لماذا قد يحتفظ أصلًا بشيء كهذا في ذاكرته؟
في نظر بلانشيت المتعالي، أنا على الأرجح مجرد نملة مزعجة ومع ذلك كلما اقتربت من باب غرفة كاسيان، أخذ نبضي يتسارع أكثر فأكثر. وأخيرًا، دفعت الباب ودخلت.
كان هناك، مستندًا إلى رأس السرير تمامًا كما في أول يوم رأيته فيه لكن كان هناك شيء مختلف. ساقاه متيبستان كما لو كان يعاني ألمًا شديدًا، وشفتاه مطبقتان بقوة، تكتمان أنينًا، وشعره مبعثر، وقبضتاه مشدودتان ومع اقترابي أكثر، بدأت أرى قطرات العرق الباردة المتناثرة على وجهه أما بشرته الشاحبة أصلًا، فقد بدت الآن شبه شفافة وكانت الذراع التي تمسك بحافة السرير مشدودة إلى حد بروز أوتارها. وفي اللحظة التي وقعت فيها عيناه القرمزيتان عليّ ومضت داخلهما لمحة من الخجل كأنه ضُبط متلبسًا بشيء مهين.
ثم قال:
“اخرجي.”
تجاهلت أمره وهرعت نحوه وعندها فقط رمقني بنظرة قاتلة.
كانت عيناه ممتلئتين بعدائية شرسة إلى درجة أنه لو كان البصر يقتل لكنت متُّ عشرات المرات بالفعل.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.