مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 116: 116نحو 8 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 116: 116

116

الفصل مائة وستة عشر 

أرخَت إليز التجعيدة الخفيفة بين حاجبيها، ثم أومأت برأسها ببطء. 

نعم مهما اشتعلت مشاعر ابنها، فلا بد أنه سيستعيد رشده في النهاية كما كان يفعل دائمًا. 

فالابن الذي عرفته إليز طوال حياتها كان فتىً خمدت فيه حرارة العواطف حتى ليخال المرء أنه فقد القدرة على الإحساس حتى عندما طُرح موضوع زواجه من الآنسة بيوشيل، لم يُبدِ أي اعتراض وليس بالضرورة أن تقوم الحياة الزوجية على حب ملتهب؛ فكثيرًا ما تكون المودة الهادئة أكثر نفعًا واستقرارًا. 

ففي عالم النبلاء، يكفي أن يحفظ الزوجان مكانة أحدهما الآخر ليستمر زواجهما أعوامًا طويلة أما الجراح والألم اللذان يختبئان خلف تلك العلاقة فهما دائمًا من نصيب الطرف الأكثر تعلقًا. 

ولهذا كانت إليز تشفق على الآنسة بيوشيل فكلما نظرت إليها، شعرت وكأنها ترى انعكاس ماضيها هي. 

لكن، ومن ناحية أخرى، كانت ممتنة لأن الشخص الذي سيتألم ليس ابنها. إن كان في ذلك ما يجلب السعادة لابنها، فلا بأس بوجود امرأة يفرغ معها رغباته فما دام ذلك لا يهدم هذا السلام، فلا بد لكل إنسان من منفذ يصرف فيه شوائبه ولذلك، ما دام لن يفسد زواجه من بيوشيل بسبب تلك الفتاة، فهي لا تمانع أيًّا كان الأمر، بل كانت تتمنى سعادة ابنها ولهذا السبب تحديدًا جاءت إلى هنا لقد كان القلق هو من ساقها فهي تعلم أن الإنسان إذا احترقت مشاعره، قد يرتكب أخطاءً لا تُغتفر وكلما كان الخطأ أعظم، كان الطريق الذي يسلكه بلا عودة. 

ولسبب ما، كانت تشعر أن نظرة ابنها لا تشبه تردد والده، بل تشبه فتيل شمعة يشتعل بعنف ومنذ أن أحرق مزاد سلاير حتى الرماد، ثم أعاد تلك الفتاة إلى هذا الفندق مرة أخرى أدركت أن حرارة مشاعره بلغت لأول مرة مستوى غير مألوف ولو كانت تلك الحرارة قد تجاوزت بالفعل الحد الذي ينبغي لها ألا تتجاوزه. 

وضعت إليز يدها على رأسها أمام الفندق، وقد اعترتها تلك الفكرة المخيفة. لقد رأت بنفسها غير امرأة من سيدات النبلاء انتهت علاقتهن بأبنائهن بسبب مسائل كهذه وابنها إن زاد على أولئك فلن ينقص عنهم حتى وهي التي حملته في أحشائها، كانت تخشى مخالفة إرادته ففي عيني كاسيان الحمراوين القاسيتين شيء يجعل من يقف أمامه يشعر بذلك الخوف ومع هذا إن اضطرها الأمر، فلن تتردد في تلطيخ يديها بالدم فالتخلص من فتاة كهذه ليس بالأمر الصعب ولم يكن من الصعب عليها أن تستنتج أن بيوشيل هي العقل المدبر وراء حادثة الاختطاف فلا أحد يملك من الضغينة ما يدفعه إلى اختطاف تلك الفتاة سوى هي. 

ولو نجحت خطتها كما أرادت لكان ذلك أفضل لكن الآنسة بيوشيل كانت، كالعادة، متهورة فالضغط على المشاعر لا يزيدها إلا اشتعالًا وهكذا هي طبيعة البشر كلما مُنعوا من شيء، ازداد تعلقهم به. 

إنها تعرف جيدًا أن العلاقات التي يُقال لأصحابها “لا يجوز.” تتحول سريعًا في نظرهم إلى قصة حب مأساوية يستحقون الدفاع عنها. 

تمامًا كما حدث مع زوجها. ولهذا، وحتى لا تكرر الخطأ نفسه، مرّت بجانب يوريسييل وكأنها لم ترها لأنه لم يحن وقت تلطيخ يديها بالدم بعد وقبل كل شيء كانت تثق بابنها. 

كاسيان لن يخيب ظنها. 

إنها مجرد نزوة عابرة هكذا كانت تقنع نفسها ومع ذلك، بقي وجهها متجهمًا فمنذ اللحظة التي رأت فيها تلك الفتاة، أخذ شعور غريب يعتمل في صدرها ولم تكن تجهل مصدر ذلك الانزعاج. 

‘تلك الفتاة…’ 

نعم، لقد كانت تشبه، على نحو يصعب تفسيره، الحب الأول الذي ظل زوجها يبحث عنه لأكثر من عشر سنوات. 

صحيح أن ملامح تلك المرأة أصبحت باهتة بفعل الزمن، لكن ذلك الإحساس وحده ظل حاضرًا. 

غير أن إليز هزت رأسها سريعًا لتطرد تلك الفكرة. 

لقد مضى أكثر من عشر سنوات منذ اختفاء تلك المرأة. 

ولو كان زوجها، بل وحتى هي نفسها، لم يتمكنا من العثور عليها، فهل يُعقل أنها أنجبت ابنة وأصبحت تعيش بحرية في العاصمة؟ 

مستحيل، لا بد أن كل ذلك مجرد أوهام صنعها القلق. 

وعلى أي حال لن يقطع كاسيان خطبته من بيوشيل. 

وستمضي الأمور في مسارها الطبيعي. كانت واثقة، أكثر من أي شخص آخر، بأنها تعرف ابنها حق المعرفة. 

***

وصلت بيوشيل إلى المقهى في الموعد المحدد في الرسالة. جلست بوجه متجهم، ورفعت فنجان القهوة الذي برد منذ زمن إلى شفتيها لكنها لم تشعر بحرارته ولا ببرودته فحالها كانت أسوأ من أن تدرك ذلك. 

“لقد أُحرق مزاد سلايير بالكامل بأمر من الدوق كاسيان. وهو بنفسه من تولى نقل الآنسة.” 

تجهم وجهها وهي تستعيد التقرير. 

ذلك الرجل الذي لم تُرَ على وجهه يومًا ملامح الانفعال كان يتغير تمامًا كلما تعلق الأمر بتلك الفتاة. 

الرجل الذي بدا وكأنه لا يتحرك إلا بعقله ورغم أن ذلك الجانب منه كان ساحرًا إلا أن كون المرأة التي أيقظته ليست هي، كان يملأ قلبها بالذل والغضب بل إنه، فور انتهاء الأمر، أرسل إلى أسرة بيريوت إعلان فسخ الخطبة وكأنه يحقق معها في حادثة مزاد سلاير أي إنه يعرف أنها هي من أرسلت يوريسييل إلى هناك. 

أما رب أسرة بيريوت، ويسترنرود، فقد تلقى رسالة فسخ الخطبة بإهانة جارحة، وأعلن قبولها فورًا بدافع كبريائه. والشخص الوحيد الذي تشبث بالأمر وبكى وتوسل حتى يحصل على هذا اللقاء كانت بيوشيل نفسها أما أختها فلم تنظر إليها إلا بعينين تمتلئان بالاشمئزاز، وكأنها تقول: 

“كنت أعلم أن الأمر سينتهي هكذا.” 

وعندما تذكرت ذلك المشهد، قبضت على الفنجان بقوة حتى كادت تحطمه ثم اتجه كل ذلك الغضب نحو يوريسييل. 

‘لولا تلك الحقيرة…’ 

لما اضطرت إلى تنفيذ عملية الاختطاف ولما انهارت خطبتها من كاسيان إذن جذر كل هذه المصائب كان تلك المرأة. 

ومرت فترة طويلة، بينما بقي مقعد كاسيان فارغًا، وكأنه يتعمد تجاهلها. وبعد مرور ساعة تقريبًا، كان غضب بيوشيل قد بلغ ذروته عندها فقط ظهر كاسيان. 

ساد الصمت المكان الخالي إلا من فنجاني قهوة. 

وكانت عيناه الحمراوان تلمعان بلون قاتم، أشبه بالدم المتخثر. 

حتى الهواء بدا ثقيلًا يخنق الأنفاس وشعرت بيوشيل بأن حلقها قد جف وقالت بصوت حاولت أن تجعله ثابتًا: 

“لقد أرسلت وثيقة فسخ الخطبة.” 

لكن طرف صوتها ارتجف رغمًا عنها. 

فابتسامة كاسيان الساخرة لم تكن تشبه أي سخرية رأتها منه سابقًا. 

وعندما ارتسم الغضب على وجهه الذي اعتادت جموده أصبح حضوره مرعبًا. 

قال ببرود: 

“أظنني أخبرتكِ سابقًا. لنعتبر أمر الخطبة كأنه لم يكن.” 

“…”

“هل تعجزين عن الفهم؟ أم أنك لا ترغبين في الفهم أصلًا؟” 

انقبضت يد بيوشيل حتى انغرست أظافرها في راحة كفها. 

وتذكرت تحذيره يومها بوضوح. ذلك التحذير الذي أخبرها فيه ألا يتدخل أي منهما في شؤون الآخر والآن فقط فهمت الحقيقة. 

ذلك الحديث عن فسخ الخطبة لم يكن مجرد تحذير كي لا تقترب من يوريسييل بل كان يعلم منذ البداية أنها التقت بها، وأنها هي من آذاها. وفي عينيه الحمراوين الجافتين، كانت نار غضب لم تُهذَّب بعد تشتعل بصمت أي إنه يعرف أنها هي من أرسل يوريسييل إلى مزاد سلاير. 

قال أخيرًا، وهو يضع فنجان القهوة على الطاولة: 

“أظن أن مواصلة هذا الحديث لم تعد ذات جدوى.” 

أخفت بيوشيل قبضتها المرتعشة تحت الطاولة، ثم قالت بصوت متزن قدر استطاعتها: 

“كنت أظنها مجرد لعبة تتسلى بها.” 

كانت ما تزال واثقة من أنه، في النهاية، سيختارها هي وأن غضبه الحالي ليس إلا عاصفة ستمر. وأضافت وهي تدير فنجانها ببطء، ثم ارتشفت منه رشفة صغيرة، محدقة في انعكاسه على سطح القهوة: 

“لقد لاحظت أن نظرك ظل معلقًا بها فترة طويلة فشعرت بالغيرة.” 

ثم رفعت عينيها إليه. 

“الجسد شيء والقلب شيء آخر، أليس كذلك؟ ما أريده هو قلبك أما أنت، فلم تكن مستعدًا إلا لمنحي جسدك.” 

حدقت في عينيه الساكنتين، وأدركت بحدسها أنها إن تركته الآن، فلن تستطيع استعادته أبدًا. 

وكانت تؤمن يقينًا أن هذا اللهيب الذي يحرق صدرها هو الحب. 

قالت برجاء: 

“سأنتظر… سأنتظر حتى تعود إلي. لذا دعنا نعتبر أوراق فسخ الخطبة كأنها…” 

“ستنتظرين؟” 

خرجت من كاسيان ضحكة ساخرة لم يحاول حتى إخفاءها. 

ثم انخفضت حرارة صوته حتى جمدت الهواء بينهما. 

“أرسلت لك وثيقة فسخ الخطبة وكان جوابكِ أنك ستنتظرين. يؤسفني أنك لا تفهمين شيئًا.” 

نبرته المستهزئة خدشت كبرياءها، فتجمد وجهها لكنها كانت تعلم أن تضخيم أخطاء الماضي لن يفيدها فقالت: 

“أعترف أنني أخطأت.” 

لقد انكشف ما كان ينبغي أن يبقى سرًا وذلك ذنبها. 

عضّت شفتها كعادتها، ثم رسمت ابتسامة هادئة. 

مهما يكن فالطرف الأضعف في هذه العلاقة كان هي. 

“لكن أي شخص مكاني كان سيرتكب الخطأ نفسه.” 

“…”

“لا داعي لأن نجعل الأمر أكثر تعقيدًا. فلنعتبر حديث فسخ الخطبة كأنه لم يحدث. ألن يكون ذلك أفضل لنا نحن الاثنين؟” 

ردد كاسيان ببطء: 

“أفضل لنا نحن الاثنين؟” 

ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة مشبعة بالازدراء. 

“لا أدري أأنتِ غبية أم وقحة إلى هذا الحد؟” 

ارتجفت جفون بيوشيل. 

لم تصدق أن تلك الكلمات خرجت من فم وريث آل بلانشيت. 

“ماذا… قلت؟” 

لكنها لم تتلقَّ جوابًا فقط تلك العينان الحمراوان اللتان كان يتراقص فيهما شيء لا يمكن وصفه

. ثم قال بصوت جاف: 

“أنا الآن أمنح الآنسة آخر قدر من الرحمة.” 

“رحمة…؟” 

خرج صوتها متيبسًا حتى هذه اللحظة، كانت تظن أن أوراق فسخ الخطبة ليست سوى وسيلة لتخويفها. 

وكانت مقتنعة بذلك تمامًا قبل أن تأتي إلى هنا. 

فمهما كانت مكانة يوريسييل في قلبه فهو لا يزال بحاجة إلى دوقة تحمل اسم بلانشيت ولن يجد أفضل منها، وهي المستعدة للتنازل. 

لكن النظرة التي واجهها منها كانت حادة كسيف مسلول ثم أتبعها بكلمات أكثر قسوة: 

“ما أقوله هو أن هذه آخر فرصة يمكن أن ينتهي فيها الأمر بفسخ الخطبة فقط.” 

فشهقت بيوشيل، واتسعت عيناها من الصدمة.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.