مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 115: 115نحو 8 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 115: 115

115

الفصل مائة وخمسة عشر 

فتحت جفنيها بصعوبة، لتقع عيناها على سقفٍ فخم يفيض بعراقة الطراز. كان آخر ما تتذكره أنها كانت محمولة بين ذراعي ذلك الرجل وهو ينقلها إلى مكانٍ ما أما ما حدث بعد ذلك، فلم يبقَ منه شيء في ذاكرتها. يبدو أنها فقدت وعيها تمامًا. 

نهضت ببطء، فإذا بالغرفة التي تستلقي فيها لا تقل فخامة عن سقفها. شعار آل بلانشيت المنقوش على الجدران الأربعة، والثريا الكريستالية المتدلية من السقف، والغطاء الوثير الذي كان يلامس ظهرها ورغم أن ألوان المكان تبدلت من الأزرق الذي اعتادته إلى درجات ذهبية تناسب الفصل، إلا أنها أدركت فورًا أنه 

فندق ماريوت. أدارت رأسها نحو النافذة. في الخارج، بدت الشوارع مألوفة كما هي دائمًا؛ عربات تجرها الخيول، ومارة يعبرون الطريق، بينما كانت أشعة الغروب تصبغ المدينة بلونها القاني. 

‘آه… هل بقيت هنا يومًا كاملًا؟ وفاقدة الوعي طوال ذلك الوقت؟’ 

لو كان الأمر قبل فترة، لما استطاعت حتى تخيله فشعرت للحظة بتأنيب الضمير. 

‘هل أصبحت مطمئنة أكثر مما ينبغي؟’ 

فذلك الرجل لم يكن يومًا شخصًا يمكن وصفه بالأمان. 

فكيف استطاعت أن تستسلم لهذا القدر من الاطمئنان؟ 

لكن في الأمس كانت متوترة إلى حدٍ غير طبيعي. 

كان جسدها كله متصلبًا، حتى إنها فقدت الإحساس بكل شيء. 

وفي تلك الحالة ظهر أمامها ولذلك ربما خُدعت بذلك الشعور. 

ففي سوق سلاير كان هو الشخص الوحيد الذي شعرت بالأمان إلى جانبه لقد أدركت بغريزتها أنه منقذها. 

وكما في الليالي التي كان مجرد لمساته فيها توقظ جميع حواسها فقد أعاد إليها حضوره الإحساس بالواقع لكن المشاعر التي انتابتها بالأمس كانت مختلفة عن كل ما شعرت به من قبل ولهذا السبب نامت بين ذراعيه وسلمت نفسها إليه حتى أوصلها إلى هذا المكان. 

ارتسمت صورته في ذهنها كتموجات الماء. 

صدره العريض المتين الذي احتواها، وذراعاه اللتان حملتاها بسهولة، وهو يظهر مغطى بدماء الآخرين ثم ينظر إليها بعينيه الهادئتين كعادته، ويغضب منها دون أن تفهم السبب، لأنه وجدها في ذلك المكان. 

هزت رأسها محاولة طرد صورته ثم نزلت من السرير لم يكن له أثر. 

رتبت الغطاء بعناية ثم التقطت بدلته التي كان قد ألقاها بإهمال، وعدلتها وعلقتها على الشماعة وحين خرجت من الغرفة كان فارس تعرفه يقف في انتظارها. 

انحنى لها باحترام، ثم قال، وكأنه يفسر غياب سيده: 

“سيدي اضطر إلى المغادرة بسبب أمرٍ عاجل.” 

‘أمر عاجل… هل يتعلق بما حدث في سوق سلاير؟ أم أنه ذهب لمقابلة الآنسة بيوشيل؟’ 

هل كشف من يقف وراء الحادث؟ 

بل لا، هو على الأرجح كان يعرف الفاعل منذ البداية. 

وحتى لو عرف فالأمر في العادة لا يعنيه بل إن إنقاذها نفسه كان بالنسبة إليه حدثًا خارجًا عن كل ما خطط له. قال الفارس: 

“اسمحي لي أن أوصلكِ.” 

سارت خلفه ومع كل خطوة بدأت حرارة أفكارها تهدأ كأن عقلها، الذي احترق حتى كاد يتلف، عاد أخيرًا إلى حالته الطبيعية. وبعد أن اجتازا الرواق وصعدا إلى منصة الانتقال السحري، تحدث الفارس بصوت منخفض: 

“لقد دُمِّر سوق سلاير بالكامل، لذلك لن تضطري إلى القلق بشأنه بعد الآن.” 

‘دُمِّر بالكامل…؟’ 

حين تذكرت رائحة الدم، وصليل السيوف الذي ملأ المكان وجدت الأمر منطقيًا. 

فآل بلانشيت لن يعدّوا القضاء على سوق عبيد غير شرعي أمرًا يستحق الذكر لكن سؤالًا واحدًا بقي يطاردها. 

‘لماذا فعل ذلك؟’ 

آل بلانشيت لا يتحركون دون مصلحة وخاصة وريثه كاسيان دي بلانشيت فهذا كان دأبه دائمًا. ولا شك أن سوق سلاير كان متشابك المصالح مع عدد كبير من كبار النبلاء ولم يكن لديه سبب يدفعه إلى معاداتهم. 

أفاقت من شرودها عندما لاحظت أن الفارس ينظر إليها منتظرًا ردها فقالت على عجل: 

“آه… نعم.” 

ثم واصل سيره أما هي فعادت تغرق في أفكارها. 

‘هل ذهب إلى هناك بدافع العدالة؟’ 

لا أم كان وراء الأمر سبب آخر؟ 

وسرعان ما وجدت الإجابة. 

آل بلانشيت لا يتحركون بدافع العدالة المجردة وخاصة ذلك الرجل فهو لا يتدخل إلا من أجل شخص يعدّه من خاصته. 

شعرت وكأن عقلها، الذي هدأ لتوه، عاد يغلي من جديد. 

واستمرت قدماها في السير آليًا لكن السؤال الذي ظل يتضخم في داخلها خرج أخيرًا من شفتيها. 

“لماذا ذهب سيدي إلى سوق سلاير؟” 

كانت تشعر، في أعماقها، بأنها لا ينبغي أن تعرف الإجابة ومع ذلك لم تستطع منع نفسها من السؤال. 

توقف الفارس فجأة واستدار إليها ثم سألها بدهشة: 

“حقًا… ألا تعرفين؟” 

كانت نظرته معقدة لم تفهم معناها لكنها أدركت أنه يخفي شيئًا. 

ظل مترددًا للحظات، ثم قال: 

“لقد كان سيدي قلقًا عليكِ كثيرًا ليلة أمس.” 

“…!”

***

وبينما كانت تسير شاردة، تستعيد تصرفات ذلك الرجل التي عجزت عن فهمها وصلت إلى نهاية الرواق ومن الجهة المقابلة، كانت امرأة تسير ببطء بدت، من النظرة الأولى، سيدة نبيلة. 

كانت في منتصف العمر، ترتدي ثيابًا فاخرة، وقد رفعت شعرها بتاج مرصع، فيما كانت هيبتها وحدها كافية لتلفت الأنظار. 

لم تكن يوريسييل تحفظ وجوه جميع النبلاء لكن هالة تلك المرأة كانت كافية لتخبرها أنها تنتمي إلى إحدى أعرق الأسر. 

وكان يقف بجانبها موظف في الفندق، يبدو شديد الارتباك. 

‘إحدى الضيفات؟’ 

في الحقيقة لم يسبق لها أن رأت أحدًا هنا. 

وبحسب ما تعلمه، فإن منصة الانتقال التي استخدمتها لا تؤدي إلا إلى الجناح الخاص الذي كانت تقيم فيه وكانت تظن أن ذلك الجناح لا يستقبل الضيوف لكن حين فكرت في الأمر، بدا من الغريب أصلًا أن يظل ذلك الجناح الفخم فارغًا طوال الوقت. 

كان من الطبيعي أن يستقبل ضيوفًا. 

لم يكن الرواق واسعًا ولذلك كان لا بد أن تمر بمحاذاة المرأة. 

خفضت رأسها، وأسرعت قليلًا حتى تعبر دون لفت الانتباه. 

لكن كلما اقتربت ازدادت ملامح المرأة وضوحًا وفجأة انتابها شعور غريب بالألفة. 

‘يا للعجب… أين يمكن أن أكون قد رأيت سيدة نبيلة كهذه؟’ 

ورغم استحالة ذلك ظل ذلك الإحساس يزداد قوة. 

نبيلة عظيمة تستخدم أفخم جناح في الفندق وموظفون يقفون أمامها بكل هذا التوتر وفجأة مرت في ذهنها صورة قديمة. 

امرأة تصعد إلى عربة بعد أن وطئت شخصًا تحت قدميها. 

اتسعت عيناها. 

‘الدوقة إليز دي بلانشيت…!’ 

العينان الحمراوان ونظرة العين التي تشبه كاسيان بصورة مدهشة أكدتا هويتها. لقد كانت دوقة بلانشيت. 

***

ما إن اجتازت إليز الرواق حتى تجمدت ملامحها كتمثال من الرخام. ولما لاحظ الموظف ذلك، أسرع يتحدث مرتبكًا، محاولًا تبرير الأمر، وراح يشرح لها ارتفاع أرباح الفندق وإيراداته خلال هذا الربع. فقد ظن أن الدوقة قد استاءت من خروج شخص من ذلك الجناح الذي لم يكن يستخدمه رسميًا سوى أفراد آل بلانشيت لكن إليز لم تكن تكترث لذلك فقد وصلتها تقارير كثيرة من قبل، تخبرها أن ابنها كان يسمح لتلك الفتاة باستخدام الجناح مرارًا ولذلك لم يكن الأمر مفاجئًا لها. صحيح أنها حين سمعت بذلك لأول مرة تفاجأت لأن ابنها، المعروف ببروده، أدخل فتاة مجهولة الأصل إلى جناحه لكنها لم تعتبر الأمر مشكلة كبيرة. 

فكم من أبناء الأسر النبيلة يحتفظون بامرأة يتسلون بها قبل الزواج؟ 

كان ذلك أمرًا مألوفًا بل وحتى بعد الزواج ظل كثير منهم يفعلون الشيء نفسه كما فعل زوجها لكن ابنها لن يصبح مثلهم. 

لقد عاش إلى جوارها، ورأى بعينيه ما عانته. 

ولذلك ظنت أنه لم يفعل سوى الاحتفاظ بامرأة لإشباع رغباته. 

ولهذا لم تعترض. سواء عندما علمت أنه يسمح لها بدخول الفندق باستمرار أو عندما سمعت أنه أصبح راعيها لكن ما حدث هذه المرة كان أمرًا مختلفًا تمامًا. 

“ماذا قلت؟ لقد دمّر سوق سلاير؟” 

“نعم، يا سيدتي. لقد أمر الدوق كاسيان بإحراقه بالكامل. ربما لأنه مكان قذر تنتشر فيه تجارة البشر والأعمال غير المشروعة.” 

“لا… ليس هذا السبب.” 

في تلك اللحظة تسلل شعور سيئ إلى قلب إليز فابنها لم يكن يومًا رجلًا يتحرك من أجل شعارات نبيلة. 

صحيح أن آل بلانشيت كانوا دائمًا يرفعون راية العدالة والخير لكن تلك الأعمال كانت تخفي وراءها أهدافًا أخرى في معظم الأحيان. 

تمامًا كما تفعل بقية الأسر النبيلة. وعلى عكس والده المتردد كان ابنها حاسمًا في كل شيء ولم يحد عن هذا النهج قط إلا في حالة واحدة عندما يُمسّ أحد المقربين منه بأذى. 

تذكرت كيف قطع أشجار آل بلانشيت العتيقة من أجل حماية مرضعته وكيف ألقى بنفسه لإنقاذ أحد فرسانه ولهذا كانت تصرفاته تقلقها دائمًا لكن ذلك الطفل الحاد الطباع هدأ مع مرور السنوات وبعد أن أصبح رجلًا لم يعد يتصرف باندفاع بل غدا وريثًا مهيبًا، يعترف الجميع بكفاءته ومع ذلك أحرق سوق سلاير. 

ورغم أن الأمر لن يسبب مشكلة كبيرة على الأقل في الوقت الحالي إلا أن إليز كانت تعلم جيدًا أن ما حدث ليس سوى شرارة. 

“قلتَ إنه أخرج تلك الفتاة يوريسييل من هناك؟” 

“نعم، يا سيدتي. توجه إليها مباشرة وأعادها بنفسه.” 

أغمضت إليز عينيها لحظة. ل 

م يخرج الأمر عن توقعاتها لقد وقع ابنها في حبها ولأول مرة في حياته أظهر مشاعر بهذا القدر من الاشتعال. لذلك سألت فجأة: 

“أين كاسيان الآن؟” 

“لقد ذهب لمقابلة الآنسة بيوشيل من آل بيريوت.”

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.