الفصل 114: 114
114
الفصل مائة وأربعة عشر
كلما ازدادت الأدلة وضوحًا، ازداد عقلها تشوشًا. وبينما كان العرق البارد يتصبب من جسدها كالمطر، ظلت العربة تندفع بلا توقف. تشبثت بوعيها المتلاشي بصعوبة، واستمرت في الصراخ مرارًا وتكرارًا فلم يكن بوسعها فعل شيء آخر.
لكن، في لحظة ما، ابتلعت الهتافات الخارجية صرخاتها المستغيثة.
كانت العربة قد بدأت تخفف سرعتها، وأخذت تشق طريقها وسط حشود الناس.
‘لو أن أحدًا فقط… سمع صوتي…’
رفعت رأسها بعينين امتلأتا بالأمل، واقتربت غريزيًا من شق صغير في نافذة العربة حيث تسلل الضجيج.
ومن خلال ذلك الشق، وقعت عيناها على المشهد في الخارج.
أشخاص مكبلو الأيدي بالحبال ومنصة مرتفعة أشبه بمسرح وجموع تهتف وهي تحدق فيهم.
وخلف ذلك المشهد المريب، استوقفتها لافتة كُتبت عليها كلمات واضحة.
“سوق سلاير…”
حدقت في اللافتة طويلًا، غير مصدقة ما تقرأه.
‘مستحيل…’
كان سوق سلاير مزادًا سريًا تُباع فيه قديمًا نخبة المجرمين من رعايا الإمبراطورية، إضافة إلى أسرى الحرب الأجانب.
ومع انحسار الحروب والاضطرابات في السنوات الأخيرة، تحول إلى سوق غير قانونية لبيع العبيد الذين يُجلبون خلسة، حتى باتت السلطات تلاحقه قانونيًا ولذلك كانت تظن أنه اختفى منذ زمن.
أما أن يكون هذا المكان قائمًا بهذه الجرأة فكان أمرًا صادمًا.
لكن الأكثر صدمة أنها هي نفسها أصبحت هنا.
‘من الذي فعل هذا بي…؟’
تألقت في ذهنها هيئة الخط الذي كُتبت به الرسالة.
خط ذلك الرجل.
‘لا تقل لي… هل كان هو؟’
بدأ قلبها يخفق بجنون فقد كانت همسته التي قال فيها “أُحِبُكِ.” لا تزال حية في أذنيها، وكأنها قيلت قبل لحظات.
‘أكان ينوي فعل هذا منذ البداية؟’
ذلك القلق الذي ظل ينهش قلبها بصمت، مختبئًا في أعماقها وجد أخيرًا فرصة ليكشف عن شكله الحقيقي.
ومنذ اللحظة التي اكتشف فيها أنها حاولت قتله ربما كان يخطط لإيصالها إلى هذا المصير ولأنها كانت تشك حتى في اعترافه بالحب أصبحت كل ذكرياتها معه مشوهة ومقلوبة.
لكن تلك الأفكار سرعان ما طغت عليها أفكار أثقل منها.
الرجل الذي همس لها بالحب والرجل نفسه الذي رفض أن يتركها من بين ذراعيه، ونبضات القلب التي لامست قلبها، وأنفاسه وحرارة جسده، وصوته الحنون وهو يقول إنه يحبها، وفوق وعيها المشوش، طفا سؤال جديد.
‘هل أرسلني حقًا إلى سوق سلاير؟’
هل كان بيت بلانشيت بحاجة أصلًا إلى تلويث أيديهم للتخلص من شخص مثلها؟
لو أرادوا التخلص منها لفعلوا ذلك بطرق أسهل بكثير.
وهنا استعاد عقلها شيئًا من صفائه، وأشار إلى شخص آخر.
‘الآنسة بيوشيل.’
ارتسم وجه الشابة البارد في ذهنها وكذلك صوتها الجامد وهي تقول:
〈”كانت تلك آخر رحمة أمنحكِ إياها.”〉
كانت تتوقع أن تنتقم منها لأنها واصلت لقاء ذلك الرجل رغم تحذيرها لكنها لم تتخيل أبدًا أن يكون انتقامها بهذه الصورة ولا بهذه السرعة ثم إن بيوشيل كانت تعلم كل شيء منذ اليوم الذي سلمتها فيه ظرف النقود. ولا بد أنها استمرت في مراقبتها منذ ذلك الحين.
ولا شك أنها عرفت أيضًا أنها لم تتوقف عن لقاء ذلك الرجل.
بل وأكثر من ذلك فكل الفخاخ التي نصبتها لها لإخضاعها بعد ذلك أفسدها ذلك الرجل بيديه ومن المستحيل أن تكون بيوشيل قد غفلت عن ذلك.
ولو أرادت حقًا التخلص منها فأي طريقة أنسب من بيعها عبدةً، بحيث تختفي دون أن تترك خلفها أي أثر؟
إذا بيعت هنا فستُنقل بلا شك إلى بلاد بعيدة خلف البحار، لا تفهم لغتها ومن هناك لن يكون أمامها أي سبيل للعودة إلى الإمبراطورية أما سوق سلاير المعروف بإخفاء ضحاياه دون أي أثر فسيجعلها وكأنها لم توجد أصلًا.
بمعنى آخر إن بيعت اليوم فلن تطأ أرض الإمبراطورية مرة أخرى.
لم يخطر ببالها قط أنها قد تتعرض لشيء كهذا.
كانت تعتقد ببساطة أنها ستترك ذلك الرجل قبل زواجه وينتهي كل شيء لكن إذا بيعت الآن فماذا سيحدث لوالدتها؟
وبينما بقي جسدها المتجمد عاجزًا عن الحركة انفتح باب العربة.
ودخل رجال تبدو عليهم ملامح البلطجة لم يكونوا السائق ولا أي شخص رأته من قبل.
كانوا ضخام البنية، وسحبوها بعنف خارج العربة ثم اقتادوها إلى مكان ما، وألقوا على رأسها قطعة قماش سوداء كثيفة، وأحكموا القيود حول كاحليها ورغم استسلام عقلها إلا أن جسدها قاوم غريزيًا لكن كلما اشتدت مقاومتها اشتدت القيود حول قدميها وازدادت أيديهم خشونة.
اقتادوها إلى مكان لم يكن يدخله أدنى شعاع من الضوء.
غرق بصرها في الظلام واجتاحها خوف مرعب، حتى أخذ جسدها يرتجف بلا إرادة.
ألقوها أرضًا كما تُلقى الأمتعة ولم تستطع أن ترى سوى أطراف أحذيتهم من تحت القماش الذي غطى وجهها وفجأة دوّى صوت ارتطام عنيف.
طاخ!
‘ما هذا الصوت؟’
أنصتت جيدًا وسرعان ما ترددت في المكان أصوات احتكاك السيوف لكنها لم تكن ترى شيئًا.
فالقماش الذي يغطي وجهها حجب عنها كل شيء وذلك جعل خوفها يتضاعف. انكمشت على نفسها وهي ترتجف. ولم يمض وقت طويل حتى مد أحدهم يده ونزع القماش عن وجهها.
تسلل الضوء فجأة إلى عينيها وبعد أن اعتادت عليه بصعوبة ظهر أمامها وجه تعرفه جيدًا.
كاسيان دي بلانشيت.
كان وجهه ملطخًا بالدماء وتصلبت ملامحه على غير عادتها
لكن لم يكن هناك شك إنه هو.
ازدادت بقع الدم الداكنة وضوحًا فوق بشرته الشاحبة أما عيناه القرمزيتان فبدتا بلون الدم نفسه.
وقف ينظر إليها، تغلفه تلك الهالة الخطيرة والآسرة.
كان منقذها القاسي.
إلا إذا كانت قد فقدت عقلها، وأصبحت ترى الأوهام.
همست بصوت متحشرج:
“كيف… جئت إلى هنا؟”
خرج صوتها متشققًا وبالكاد يُسمع.
كانت تريد أن تسأله عشرات الأسئلة.
ماذا حدث؟ وكيف وصل إلى هنا؟
لكن الكلمات اختلطت داخل حلقها، ولم تستطع صياغة أي منها.
أما هو فلم يتردد لحظة. أخرج سيفه وقطع الحبال التي كانت تشد ذراعيها بإحكام بحركة احترافية.
كان لطيفًا معها إلى حد جعل دموعها تنهمر.
قبل لحظات فقط كانت تشك بأنه من دبر كل هذا.
ويا لسخافة الأمر فالذي بدا غاضبًا حقًا كان هو.
جثا على ركبة واحدة ثم خلع سترته، وأحكمها حول جسدها بعناية. كانت يداه رقيقتين بصورة لا تناسب مظهره.
رفع رأسه حتى أصبحت عيناه الحمراوان في مستوى عينيها.
وكانت لا ترى فيهما سوى انعكاس صورتها.
قال بغضب مكتوم:
“هل فقدتِ صوابكِ؟ تخرجين وحدكِ إلى مكان كهذا في جوف الليل، ومن دون ذرة خوف؟”
كان صوته مليئًا بالغضب لكن نظرته كانت على النقيض تمامًا.
ولسبب لا تفهمه غمرها شعور عارم بالأمان.
هل سبق أن شعرت بالراحة أمام هذا الرجل؟
هي التي كانت دائمًا متوترة بحضوره لم يحدث أن استرخت هكذا من قبل. كم هو أمر مضحك.
كان وجهه مغطى بالدم أكثر من أي وقت مضى ومع ذلك وجدت نفسها تشعر براحة أكبر وهي تنظر إليه.
دفء غريب انتشر في قلبها وأخذ جسدها المرتجف يهدأ شيئًا فشيئًا وقالت بصوت خافت:
“أنا آسفة… وصلتني رسالة، وظننت أنها منك.”
تجهمت ملامحه بوضوح.
هل كان يوبخها في نفسه لأنها وقعت في خدعة بهذه السذاجة؟
هذا يشبهه أو ربما لم يعجبه صوتها الذي بحّ من كثرة الصراخ.
دون أن يقول شيئًا آخر حملها بين ذراعيه.
ومن تلك المسافة القريبة، التي امتزجت فيها أنفاسهما
همس بصوت هادئ:
“أغمضي عينيكِ.”
ومع خطواته الثابتة كانت تشعر بجسدها يتمايل في الهواء لكن كلما تغير المشهد حولها كانت رائحة الدم تزداد كثافة فعاد التوتر يشد جسدها أما هو فكان ينظر إليها بهدوء تام.
هدوء لا يصدق أنه لرجل ارتكب مذبحة قبل لحظات.
ثم رفع يده وحجب بها عينيها حتى لا ترى أي شيء.
***
ما إن خرجت إلى الخارج حتى فقدت المرأة وعيها، وكأن كل توترها انهار دفعة واحدة.
نامت فوق كتفه بطمأنينة أثارت حتى السخرية.
دوى طرق خفيف على نافذة العربة مرتين فتحها كاسيان دون تردد وظهر تيوبه من الخارج.
وحين رأى سيده، والمرأة المسندة إلى كتفه اتسعت عيناه للحظة.
لكن ما إن التقت عيناه بنظرة كاسيان الباردة حتى أفاق من ذهوله وأبعد نظره عنها.
قال باحترام:
“ألقينا القبض على صاحب المزاد، وحصلنا أيضًا على قائمة الأسماء.”
ناول الأوراق إلى كاسيان ثم أطلق زفرة خافتة وهو يفكر في الجهة التي تقف خلف كل هذا إذا انكشف الأمر فلن يبقى أي مجال لاستمرار زواج آل بيريوت وآل بلانشيت لكن حتى لو فسخ سيده خطبته من الآنسة بيوشيل فقد تتكرر مثل هذه الحوادث مرة أخرى.
‘فماذا ينوي أن يفعل حينها؟’
إلا أن تيوبه سرعان ما صرف هذه الأفكار فهذا ليس من شأنه.
وقال:
“وكما توقعت… فإن الآنسة بيوشيل هي من تقف وراء الأمر.”
أومأ كاسيان برأسه دون أن تتغير ملامحه. لم يكن التقرير مفاجئًا.
فمنذ اللحظة التي قرأ فيها تلك الرسالة السخيفة.
“وداعًا.”
كان قد خمن الحقيقة. لم يكن التقرير سوى أمر يثير اشمئزازه.
فمنذ أن علم بأنها ذهبت لمقابلة بيوشيل كان يدرك أن شيئًا سيحدث. ظرف النقود الذي مُد إليها وارتجافها يومها كل ذلك رسم أمامه صورة واضح وكان يمكن للجميع أن ينال نهاية سعيدة لو توقفت بيوشيل عند ذلك الحد لكن يا لغباء ابنة آل بيريوت.
لقد وسعت رقعة اللعبة بيديها.
استعاد في ذهنه وجه يوريسييل الشاحب، وكاحليها المثقلين بالأغلال، وفستانها الممزق والمتسخ، وجروحها التي لطخت وجهها بالدم، وأنفاسها المضطربة وهي بين ذراعيه، وجسدها النحيل المرتجف.
كراك…
انطبقت أصابع كاسيان بقوة حتى تجعدت الرسالة في يده.
التقط قلم الريشة وكتب شيئًا بسرعة ثم ناول الرسالة إلى تيوبه.
وقال:
“أرسلها إلى آل بيريوت.”
اشتعل بريق خطير في عينيه الحمراوين وكان وجهه الملطخ بالدم، وفكه المطبق بإحكام ينذران بعاصفة على وشك الانفجار.
انحنى تيوبه بسرعة.
“كما تأمر.”
ابتلع ريقه ثم استدار وغادر على عجل. لقد كان تدمير سوق سلاير مجرد البداية أما ما سيأتي بعد ذلك فلم يبدأ بعد.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.