الفصل 113: 113
113
الفصل مائة وثلاثة عشر
على الرغم من الأوضاع المضطربة، استمرت الحياة اليومية لسكان الإمبراطورية كعادتها، دون أن تتغير كثيرًا.
وكما يقول أحد الأمثال الشائعة في الإمبراطورية:
“حتى في أتون الحرب، يولد الحب ويولد الأطفال.”
وكان كاسيان، من بين الجميع، أحد أكثر الأشخاص ثباتًا ورباطة جأش. أغمض عينيه بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة.
مرت أمام عينيه، كصورة باهتة، هيئة تلك المرأة وهي ترمش بعينيها غير مصدقة. هي التي بادرت أولًا بالاعتراف بحبها ثم تفاجأت عندما رد عليها بالمثل.
أليس كل عاشق ينتظر سماع الإجابة التي تناسب اعترافه؟
كانت المرأة التي ترتدي قناعًا زائفًا تخفي مشاعرها دائمًا، لكن جسدها هذه المرة كان صادقًا على غير عادته.
ارتجاف أنفاسها، وحرارة زفيرها النابض بالحياة كل ذلك كان يستحيل عليها إخفاؤه.
احتجازها بين ذراعيه كل ذلك الوقت دون أن يتركها كان تصرفًا اندفاعيًا إلى حد بعيد.
فقد قرر أن يؤدي دور الرجل اللطيف ثم وجد نفسه يعود إلى نقطة البداية، وهو أمر لم يكن ضمن خططه.
لكن عندما تنظر إليه بتلك العينين المفعمتين بالرغبة، وتهمس بأنها تحبه كيف له ألا يفعل؟
بل حتى لو لم يحدث ذلك، لكان انتهى إلى النتيجة نفسها.
فهي تهرب خلف قناعها بينما هو يواصل إحكام قيوده حولها.
إنها لعبة لا يُعرف فيها المنتصر حتى يحين اليوم الذي ينتهي فيه كل شيء ولذلك كانت ممتعة على نحوٍ لا بأس به.
صحيح أنه هو من فك القيود التي كان من الأفضل ألا يحررها أصلًا ثم عاد ليقيدها من جديد بيديه.
تصرف أحمق، بلا شك.
لكن إن كان حماقة لن يكررها مرتين في حياته فلا بأس أن يعيشها مرة واحدة فالاستثناءات وحدها هي التي تضفي الإثارة على حياة رتيبة.
***
حدق تيوبه بسيده مذهولًا. لأول مرة يراه يحتسي القهوة بدلًا من السيجار لم يسبق له أن رأى هذا الوجه من قائده.
وسأل بحذر:
“هل تحمل لها حقًا مشاعر في قلبك؟”
انفرجت الجفون المطبقة ببطء وتألقت العينان الحمراوان اللتان كانتا مختبئتين خلفهما. نظر كاسيان إلى تيوبه، الذي لم يستطع إخفاء قلقه، ثم ابتسم ابتسامة هادئة.
“وما معنى ذلك أصلًا؟”
اتسعت عينا تيوبه.
“هل تسألني الآن كيف يعرف الإنسان أنه يحب؟”
كان سؤالًا لا يصدق أنه خرج من فم سيده، الذي يشيد الجميع بعبقريته لكن تيوبه أقنع نفسه سريعًا بأن السؤال لا بد أن يحمل بعدًا فلسفيًا وبصفته فارسًا كان من واجبه أن يجيب عن سؤال سيده غير أن هذا السؤال كان بالغ الصعوبة.
‘ولِمَ يسألني عن الحب تحديدًا وأنا لم أجربه ولو مرة واحدة؟’
بعد تفكير طويل، قال أخيرًا:
“لم أمر بهذه التجربة، لذلك لا أعرف يقينًا لكنني قرأت عنها.”
احتسى كاسيان قهوته بهدوء وكأنه يقول له: تابع.
قال تيوبه:
“يقال إن الحب يشبه الحمى يأتي إلى الإنسان دون أن يشعر.”
ظل كاسيان صامتًا.
“وبعد أن يأتي يستمر في العودة.”
صمت آخر
. “ومهما حاولت طرده فإنه يعود إليك من جديد. همم… الآن بعدما قلتها، يبدو الأمر مخيفًا قليلًا.”
ارتجف تيوبه متظاهرًا بالخوف لكن ما إن لمح الابتسامة المرسومة على شفتي سيده حتى ازداد ارتعاشه.
‘لا… سيدي ليس على ما يرام. يبدو حقًا وكأنه مصاب بحمى.’
راقب رد فعله بحذر، ثم أضاف بصوت منخفض:
“ويقال أيضًا إنك تتألم عندما يتألم الطرف الآخر وتغضب من أجله وكأنك شخص وُسم بطابعٍ لا يمكن محوه.”
ارتفعت إحدى زاويتي فم كاسيان ابتسامةً ساخرة.
‘سأتألم بقدر ألمها…؟ إن كان هذا هو الحب فلا أدري.’
هو الذي يريد أن يتحول إلى دودة سامة تنخر قلبها وتحرقه حتى يتفحم عقابًا لها. هل يمكن أن يسمى ذلك حبًا؟
أم أن ما يفعله ليس سوى مسرحية انتقام طفولية؟
مع أنه كان هو نفسه من جرحها بيديه.
وفوق تلك الأفكار المرة تسللت إلى ذهنه أنفاسها المرتجفة.
كلما همست بأنها تحبه كان شيء ما يهتز في أعماقه حتى الجذور.
ترى أكان ذلك قلبه؟ أم مجرد غريزة؟
***
ومع مرور الأيام كانت الأوضاع في وادي نورتنس تتدهور بسرعة. وتوالت التقارير العاجلة التي تؤكد أن الاضطرابات ستتحول قريبًا إلى حرب شاملة أما القصر الإمبراطوري فبدأ يتحرك على عجل، فأرسل عددًا كبيرًا من مسؤولي وزارة الخارجية ضمن بعثات دبلوماسية عاجلة وكعادته كان تيوبه يرفع إلى كاسيان تقارير عن كل ما يحدث وبين تلك التقارير كان يذكر أيضًا أخبار تلك السيدة.
ظل سيده هادئ الملامح كما هو دائمًا حتى عندما كان يسمع أخبارها لم يظهر على وجهه أدنى تغير.
وفي الحقيقة لم يكن في حياتها ما يستحق الذكر.
كانت يوريسييل، وكأنها فقدت عقلها في العمل، لا تفعل سوى التنقل بين مقر إقامتها، ومبنى الإدارة، وبرج السحر.
كانت أول من يصل إلى العمل وآخر من يغادره بل حتى لقاءاتها بذلك الرجل ذي الشعر الفضي قد اختفت تمامًا.
وهكذا لم يعد في حياتها أي شيء غير اعتيادي.
وحين أوشك التقرير على الانتهاء وضع تيوبه رسالة جديدة أمام كاسيان، كما اعتاد دائمًا وقال:
“هذه المرة وصلت أيضًا رسالة منها.”
رمقه كاسيان بنظرة سريعة ثم بدأ يقلب الرسائل واحدة تلو الأخرى دون أن يفتحها حتى توقفت يده عند رسالة لا تحمل أي ختم ففتحها أولًا وانسابت الورقة بين أصابعه بهدوء.
وامتلأ بصره بذلك الخط الأنيق الذي يشبه صاحبته.
【شكرًا لك على كل ما قدمتمه لي حتى الآن. وداعًا.】
لم تكن هناك تلك الرسائل الطويلة التي اعتادت كتابتها أحيانًا بل جملة واحدة فقط تكثفت فيها كل مشاعر امرأة أنهكها التعب.
كانت جملة لا تحتاج سوى ثوانٍ لقراءتها ومع ذلك قرأها كاسيان مرارًا وتكرارًا. لم يكن فيها أي لبس لقد كانت رسالة وداع.
كان الأمر يثير السخرية فهذه المرأة قد تضحي بحياتها لكنها لن تتخلى أبدًا عن حياة والدتها.
وهذه المرأة لا تبعث إليه رسالة أبدًا إلا عندما تكون بحاجة إلى طلبٍ منه.
برزت العروق فوق قبضته بقوة ونهض فورًا.
التقط سيفه ثم غادر المكان دون أن يتردد.
تفاجأ تيوبه بحركته المفاجئة لكنه أسرع للحاق به.
وما إن لمح السيف المعلق عند خاصرته حتى شحب وجهه.
كان فك كاسيان المطبق بإحكام يوحي بأنه مستعد لقتل أحدهم في أي لحظة.
‘هل ستكون الليلة… ليلة مجزرة؟’
أغمض تيوبه عينيه بقوة.
‘أرجو ألا يكون المقصود بذلك السيف… هي. مهما يكن، فقد كانت يومًا المرأة التي احتلت قلبه لن يفعل ذلك، أليس كذلك؟’
لكن تيوبه كان يعلم جيدًا أن سيده لا يطلق هذه الهالة المخيفة إلا عندما يتعلق الأمر بها.
ابتلع ريقه بصعوبة وظل يحدق في ملامح كاسيان الجامدة، الباردة إلى حد القسوة.
***
الساعة التاسعة مساءً في المكان المعتاد.
بعد انتهائها من العشاء أنهت يوريسييل زينتها على عجل. اختارت عقدًا بسيطًا ثم ارتدت أحد الفساتين التي اشتراها لها ذلك الرجل.
كانت خطواتها أسرع من المعتاد فالرسالة وصلتها على نحو مفاجئ، ولم يبقَ على الموعد سوى وقت قصير وباستحضارها لقاءاتهما السابقة وجدت أن الموعد هذه المرة متأخر على غير العادة.
لكن نزوات ذلك الرجل لم تكن أمرًا جديدًا فعادةً ما كان يستدعيها إلى فندق ماريوت مع بداية المساء. ورغم غرابة الأمر فلم يكن مستغربًا لابد أنها مجرد نزوة أخرى من نزواته.
واصلت السير مسرعة حتى وصلت إلى الجهة الخلفية من الساحة.
كان الوقت متأخرًا ولم يكن هناك شخص واحد في المكان.
ولو بالغ أحدهم قليلًا لقال إنه لا توجد حتى نملة واحدة.
كان الجو باردًا وموحشًا على نحو يبعث القشعريرة.
وفي الحقيقة حتى نهارًا لم يكن هذا المكان يشهد وجود الناس.
ولهذا اختاره ذلك الرجل منذ البداية.
إذ من الذي يحدد موعدًا في ركنٍ معزول كهذا؟
على أي حال هي أيضًا كانت تفضل الأماكن الخالية.
لذلك لم يزعجها الأمر لكن عربة بلانشيت، التي كانت تصل دائمًا قبلها، تأخرت اليوم على غير عادتها.
وقفت تنتظر وحدها وكان البرد يخترق جسدها شيئًا فشيئًا.
رفعت سترتها لتقي وجهها من الرياح الباردة وضمت ذراعيها إلى جسدها فشعرت ببعض الدفء وفجأة تردد صوته في أذنها.
〈”أنا أيضًا أُحِبُكِ.”〉
اختلطت مشاعرها عندما تذكرت الرجل الذي همس لها بتلك الكلمات وخُيل إليها أن عينيه الحمراوين تحدقان فيها من بين أطياف الذكرى.
‘ماذا لو… ماذا لو كان يحبني حقًا؟’
وبينما كانت تغرق في تلك الأفكار التي لا جواب لها اقترب صوت عجلات عربة. ظهرت العربة شيئًا فشيئًا لكنها كانت
مختلفة، أبسط بكثير من عربة بلانشيت المعتادة.
ومع ذلك لم يثر الأمر شكوكها.
صعدت إليها وما إن جلست حتى أُغلق الباب خلفها.
‘أين هو؟’
حينها فقط بدأت تلاحظ الأمور الغريبة لم يكن في الداخل أي شعار لبلانشيت وسلكت العربة طريقً امختلفًا أما الفارس الذي اعتادت رؤيته فلم يكن موجودًا وقبل أن تصعد كان السائق قد أخبرها أن تنتظر قليلًا لكن ما إن جلست حتى انطلقت العربة مباشرة.
في اللحظة التي أدركت فيها ما يجري صرخت:
“إلى أين تأخذونني؟! أوقفوا العربة!”
لكنها اندفعت بأقصى سرعتها. اجتاحها خوفٌ عارم وانطلقت منها صرخة غريزية.
“أنقذوني!”
غير أن صرخاتها لم تستطع اختراق نوافذ العربة المحكمة الإغلاق.
وعادت إليها كصدى يائس.
حاولت فتح النافذة لكنها كانت مثبتة بإحكام، فلم تتحرك قيد أنملة ولم يبقَ أمامها سوى أن تضرب جدران العربة بكل قوتها وظلت تصرخ بلا توقف.
“دعوني أنزل!”
لكن كلما ارتفع صوتها ازدادت سرعة العربة أكثر وبدأت قطع الأحجية الغريبة التي تجاهلتها قبل قليل تترابط في ذهنها.
‘لا… هل اختُطفت؟’
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.