الفصل 112: 112
112
الفصل مائة واثنا عشر
ارتفع صوت أحد الباحثين وهو يصرخ بانفعال، فتجمد الجميع في أماكنهم وحدقوا إليه.
“ما الذي حدث؟”
أجاب الباحث وهو يلهث، حتى إنه لم يجد وقتًا لالتقاط أنفاسه.
“وصلنا للتو خبرٌ عن اندلاع اضطرابات عند الحدود الشمالية لوادي نورتنس.”
ما إن ذُكر اسم مملكة نورتنس حتى اتجهت إليها الأسماع والأنظار بصورة تلقائية فهي المملكة التي يمر عبرها الطريق التجاري الذي تُنقل من خلاله عقاقير ليبيرو الخاصة بوالدتها ولأن إمبراطورية هارت، المنتج الوحيد لمكونات ليبيرو، على عداءٍ شديد مع إمبراطورية ليسيتيوم بانتيون، فقد كان الاستيراد المباشر مستحيلًا، ولم يكن هناك مفر من المرور عبر نورتنس.
‘إذا اندلعت اضطرابات هناك فماذا سيحدث لذلك الدواء؟’
بدأ قلبها يخفق بعنف.
وفوق تلك الفوضى، طفا وجه ذلك الرجل في ذهنها.
لو كان هو ذلك الرجل الذي اعتاد أن ينظر إلى العالم من علٍ فلا بد أنه خزّن ما يكفي من ذلك الدواء بهذه الفكرة حاولت تهدئة قلبها المضطرب.
وفي الحقيقة، لم تكن مثل هذه الاضطرابات أمرًا غير متوقع فقد حدث مرارًا في الماضي أن تعطلت حركة التبادل التجاري، ثم حُلّت الأزمة عبر المفاوضات الدبلوماسية. وذلك الرجل الذي يستعد لكل شيء مسبقًا لا بد أنه توقع احتمالًا كهذا أيضًا.
قال أحد الباحثين بعدم اكتراث:
“أليست مثل هذه المناوشات تتكرر باستمرار؟”
لكن الباحث الذي جاء بالخبر عدّل نظارته بعصبية وقال:
“هذه المرة انهار الخط الحدودي بالكامل، ولذلك لن تصل شحنات الـريف.”
“الريف؟”
كان الريف المادة الخام الأساسية في مشروع جهاز التتبع.
وفي لحظة واحدة خيّم الصمت الثقيل على المكان. لقد ظن الجميع أنهم باتوا على مشارف النهاية فكيف يحدث هذا الآن؟
مجرد احتمال توقف المشروع، بعد أن أوشك على الاكتمال، كان كافيًا ليغرق الجميع في الكآبة.
“إذن ماذا سنفعل؟ لا يوجد بديل للريف.”
“علينا أن نراقب الوضع أولًا.”
“لكن التقارير تقول إن الوضع خطير وربما تستمر الحرب سنوات…”
ومع ازدياد الأخبار تشاؤمًا، اسودت ملامح المشرف، وكذلك البارونة باوروبين الجالسة في الوسط وفي الأرجاء، تعالت همهمات الباحثين لكن لم يكن في تلك الأحاديث سوى أخبار يائسة، ولم يلمح أحد فيها بصيص أمل.
‘حرب…؟’
‘وفوق ذلك مع مملكة نورتنس، طريق التجارة الوحيد…؟’
وقفت في مكانها شاردة ثم عاد اسم ذلك الرجل يتردد على مسامعها.
“ألا ينبغي أن نتواصل مع راعي المشروع أولًا؟”
“وما الذي يستطيع الدوق كاسيان فعله في وضع كهذا؟”
“مع ذلك، أقصد أنه ينبغي على الأقل أن نبلغه بما حدث.”
بدأت الأنظار تتجه نحوها شيئًا فشيئًا فهي من كانت تبحث باستمرار عن الراعي، ومن الطبيعي أن يستنتجوا أنها هي من جلبت ذلك الرجل ولم تنصرف تلك النظرات عنها إلا عندما دوّى صوت المشرف وهو ينظم الأمور.
أعلن أن الاجتماع انتهى لهذا اليوم، وعندها بدأ الباحثون يغادرون واحدًا تلو الآخر أما نائب المدير، فظل يراقب الوضع بوجهٍ قاتم، ثم خرج أخيرًا مع المشرف ومرّ إلى سمعها صوته وهو يسأل بحدة:
“ماذا سنفعل إذا تعذر الحصول على الريف؟”
وما إن غادر الجميع حتى خيم الصمت على المكان.
وقفت وحدها في القاعة الخالية وشعرت وكأن الأرض تحت قدميها تنهار كأن العالم وضعها فوق منصة اختبار، وراح يلهو بمصيرها.
وكما توقع الباحثون لم يكن أحد يعلم متى ستنتهي هذه الحرب.
بأصابع مرتجفة تناولت الجريدة التي تركها أحدهم، وبدأت تقرأ العناوين في أسفل الصفحة وكلما قرأت أكثر أصبح الاستنتاج أكثر وضوحًا. ما لم تخضع مملكة نورتنس بالكامل فلن تنتهي هذه الفوضى. أي إنها، كما قال أحد الباحثين قبل قليل، قد تستمر سنوات. ولو تأجل مشروع جهاز التتبع سنوات فلن يكون أمامهم سوى إيقافه وبحلول ذلك الوقت ستكون والدتها قد فارقت الحياة.
ابيضّ كل شيء أمام عينيها وعاد وجه الرجل يلوح في ذهنها.
ذلك الشخص الذي كان يمسك دومًا، وببساطة مدهشة، بالإجابة التي كانت تتوق إليها أكثر من أي شيء ومنذ ذلك الحين
كلما وصلت إلى طريقٍ مسدود، تسلل حضوره إلى أعماق عقلها دون إرادة منها. ومنذ تلك اللحظة لم تستطع التركيز على أي شيء.
كل تفكيرها انحصر في رسالة قد يرسلها إليها لكن في الوقت الذي كانت تحتاج إليه أكثر من أي وقت لم تصلها منه رسالة واحدة.
وكأن القدر يتعمد السخرية منها.
وفي النهاية قادتها قدماها إليه دون أن تشعر.
***
حين أصبحت أمامه فعلًا لم تعرف كيف تبدأ الحديث أما هو فابتسم بهدوء، غير مدرك لاضطرابها.
وُضعت أكواب الشاي أمامهما واحدًا تلو الآخر.
رفع كوبه برشاقة وارتشف منه ثم قال:
“يبدو أن اندلاع الحرب ليس أمرًا سيئًا.”
اخترقت عيناه الحمراوان نظراتها ببطء.
“فقد جعلَكِ تأتين إليّ بنفسكِ.”
كان يجلس بكل تلك الأريحية حتى إن المرء قد يشك أنه هو من أشعل هذه الحرب. وخاصة تلك الابتسامة الملتوية على شفتيه.
كيف يستطيع أن يبتسم هكذا بينما قد تندلع حرب في أي لحظة؟
لكن وهي تنظر إليه يبتسم بدأت تستعيد إحساسها بالواقع.
في النهاية كانت هي من جاءت إليه. هي نفسها التي كانت تفكر دائمًا في كيفية الهرب من هذا الرجل الشيطاني لكن ما إن حوصرت حتى وجدت نفسها جالسة أمامه.
كانت لا تعرف لماذا يعاملها بهذه اللطافة وكانت تخاف من ذلك.
ومع هذا لم تتردد في استغلاله بل وحتى الآن كانت تشعر بالارتياح لأنه يبدو في مزاج جيد ولعله يسخر منها بسبب ذلك أيضًا.
ظل ينظر إليها مبتسمًا وانعكس وجهها داخل عينيه الحمراوين المتماوجتين.
تحركت عيناه ببطء من وجهها إلى عنقها ثم إلى أصابعها.
وكانت نظرته لزجة بصورة لا تحتمل ولذلك كانت تشعر وكأن كل موضع تقع عليه عيناه يشتعل حرارة.
مرر أصابعه الطويلة على كأس الشاي برفق كما لو أن تلك الأصابع تمر فوق جسدها هي ثم أعاد الكأس إلى الطاولة بأناقة.
وقال بهدوء:
“لا داعي للقلق.”
عقد ساقًا فوق الأخرى وأضاف بلا مبالاة:
“الريف وكذلك الدواء كلاهما مؤمن بالكامل.”
وفي لحظة هدأت العاصفة التي كانت تعصف داخلها.
واستبدلها شعور جارِف بالارتياح.
بكلمة واحدة منه انقلب عالمها رأسًا على عقب.
صحيح، كلما فكرت بالأمر وجدت أنه، رغم قسوته، كان دائمًا منقذها في اللحظات الحاسمة.
وحين أدركت ذلك من جديد وقعت عيناها على ابتسامته التي لم تغادر شفتيه. لقد كان يعلم أنها ستأتي ويعلم ما الذي ستقوله.
فهل تعمد هذه المرة ألا يرسل إليها أي رسالة فقط ليستمتع برؤيتها وهي تأتي إليه بنفسها؟ وليجلس أمامها بذلك الكبرياء ويسخر منها؟
لكن ابتسامته اليوم كانت مختلفة.
لقد رأت تلك الزاوية المائلة من شفتيه مرات لا تحصى.
ولهذا استطاعت أن تجزم أن هذه كانت ابتسامة حقيقية.
‘لماذا؟ لماذا يتصرف وكأنه… يحبني حقًا؟’
بدأت تعيد التفكير في كلماته واحدة تلو الأخرى.
وكأنها بعثرت قطع أحجية كانت مركبة بإحكام، لترى تفاصيل لم تكن تراها من قبل.
‘قال إن كل شيء مؤمن…’
أما مستلزمات المشروع، فمن الطبيعي أن يؤمنها لأنها لا تخصها وحدها لكن الدواء أيضًا هل يعقل أنه خزّن منه كمية تكفي؟
كان الجميع يتوقع أن الحرب، إذا اندلعت، قد تستمر سنوات.
ومع ذلك قال بثقة إنه لا داعي للقلق وهو لا يعلم أن والدتها لن تحتاج إلا لبضعة أشهر أخرى حتى تُشفى تمامًا.
فهل يكون قد خزّن كمية هائلة؟ ومع ذلك لم يمنحها إياها كلها.
فهل ما زال يحتفظ بها ليستخدمها وسيلة لإبقائها تحت سيطرته؟
لكن لماذا يفعل كل هذا؟
تكدست الأسئلة داخل رأسها حتى تحولت إلى كتلة واحدة…
ثم خرج أحدها من فمها دون وعي.
“هل أعددتَ مخزونًا يكفي لسنوات من ذلك الدواء؟”
هز رأسه قليلًا وقال بلا اهتمام:
“هناك طريق توزيع آخر، لذلك لا داعي لأن تقلقي.”
‘طريق توزيع آخر…؟’
كانت واثقة أن هذا الدواء لا يأتي إلا عبر مملكة نورتنس.
فهل توجد جهة أخرى لا تعلم عنها شيئًا؟
بدا الأمر غريبًا لكنها لم تفكر فيه طويلًا. فلا حاجة له لأن يكذب عليها بشأن أمر كهذا. لا بد أن هناك طريقًا آخر لا تعرفه فحسب.
قالت مبتسمة بارتياح:
“هذا مطمئن… الجميع كانوا قلقين جدًا.”
رفع حاجبه.
“الجميع؟”
“نعم. كانوا يخشون أن يؤدي توقف وصول الريف إلى تعطيل المشروع مرة أخرى. حقًا هذا يبعث على الارتياح. وشكرًا لك.”
ظل ينظر إليها بصمت بعينيه الحمراوين الصافيتين ولم تعرف ماذا تقول بعد. وبينما كانت تفكر في الاكتفاء بالتحية والمغادرة…
قطع هو الصمت أولًا.
“أتنوين الاكتفاء بالشكر بالكلمات؟”
“…ماذا؟”
“أعرف أنكِ جئت لأنكِ احتجتِ إليّ… لكنني لم أتوقع أن تقولي ما أردتِ قوله ثم تغادري هكذا.”
“آه…”
لم تستطع أن تعرف إن كان يمزح أم يتحدث بجدية لكن نظرته لم تهتز. كانت تظن أن الأمور مرت هذه المرة بسهولة لكن هذا الرجل لم يكن سهلًا أبدًا.
اقتربت منه بخطوات مترددة ثم وقفت أمامه. ارتفعت على أطراف أصابعها وطبعت قبلة على شفتيه. ورغم أنها أرادتها قبلة خالية من المشاعر إلا أن ارتجاف شفتيها فضحها أما هو فاحتجز شفتيها طويلًا وكأنه لن يترك فريسة وقعت بين أنيابه.
ومع امتداد تلك القبلة اجتاحت ذهنها الليالي الكثيرة التي قضتها معه فقشعر بدنها كله.
مجرد ملامسته كانت كافية لإيقاظ كل حواسها.
أنفاسه الساخنة وصوت تنفسه الهادئ والحرارة التي كانت تضطرب داخلها وخفقان قلبها كلها استعادت الحياة كما تتفتح زهرة في أول الربيع.
كان جسدها وكأنه وُسم بحيث لا يستجيب إلا له ولذلك فضح كل شيء بغض النظر عن إرادتها.
لكن هل كان الأمر حقًا بلا علاقة بمشاعرها؟
حتى قلبها الذي بدا وكأنه صار يحمل ختم هذا الرجل كان يخفق بعنف وبصوتٍ مرتجف لا تعرف حتى هي إن كان صادقًا أم كاذبًا همست:
“أُحِبُكَ.”
حتى هي نفسها انخدعت بتمثيلها. كان تمثيلًا متقنًا إلى حد الكمال.
وبدا أن تلك الكذبة المغلفة بهمسةٍ رقيقة قد خدعته تمامًا.
ارتفعت زاوية شفتيه في ابتسامة ناعمة وكان ذلك المنظر يسرق بصرها في كل مرة ثم التقت عيناه بعينيها فعادت إلى رشدها بصعوبة، ورسمت ابتسامة خفيفة كما اعتادت.
كانت تظن أن مجاراته في هذه المسرحية أمر سهل لكن كلما اقتربت النهاية أصبح الأمر أصعب.
وحين ارتسمت ابتسامة مشرقة على وجهها بدا أخيرًا راضيًا عنها ثم أطلق سراحها.
“وأنا أيضًا.”
يا لها من كلمات مستحيلة التصديق.
“…ماذا؟”
“أنا أيضًا أُحِبُكِ.”
وانحنت عيناه بابتسامة آسرة وكأنه يحاول إغواءها من جديد.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.