الفصل 111: 111
111
الفصل مائة وإحدى عشر
“أنا… لا بد أنني سمعت خطأ… أليس كذلك؟”
كانت بيوشيل واثقة أن ما نطق به الرجل قبل لحظات لا بد أنه وصل إلى مسامعها على نحو خاطئ لكن ما جاءها كان إعلانًا أشد وضوحًا.
“لقد سمعتِ جيدًا.”
نظر إليها كاسيان، وهي غارقة في ذهولها، ثم أردف بهدوء حاسم، كأنه يدق آخر مسمار في القضية.
“لن تكون هناك خطوبة بيني وبينكِ، آنسة بيوشيل.”
رفع أحد حاجبيه قليلًا، ثم أخرج صحيفة من الخزانة وألقاها على الطاولة. كانت الصفحة تعرض بوضوح أخبار العلاقة العاطفية والخطوبة المزعومة بينهما وبالطبع لم تكن بيوشيل بحاجة إلى النظر فيها فكل عنوان فيها تقريبًا كان قد مرّ بين يديها، واختارته بنفسها.
قالت وهي تنظر إلى الصحيفة:
“حتى بعد كل ما كُتب هنا ما زلت تقول هذا؟”
ضغط كاسيان بأصابعه على صدغه بلامبالاة.
“وماذا في ذلك؟”
“…عفوًا؟”
“هل تريدين أن أُقيم حفل زفاف فقط لأن الناس تداولوا شائعة؟”
عضّت بيوشيل شفتيها.
في العادة كانت أغلب الأسر النبيلة تُسارع إلى الزواج لتفادي القيل والقال لكن كاسيان بدا وكأنه لا يكترث لذلك قيد أنملة.
كانت عيناه الحمراوان الداكنتان أكثر برودة من المعتاد.
وزاوية فمه المرتفعة قليلًا بدت وكأنها تسخر منها صراحة.
تنفست بيوشيل ببطء محاولة استعادة رباطة جأشها.
“إذا لم يتم الزواج بعد كل هذه الضجة فلن تسلم أنت أيضًا من الفضيحة.”
ابتسم كاسيان ابتسامة خفيفة.
“أشكركِ على اهتمامكِ بسمعتي، آنسة بيوشيل لكن…”
مالت عيناه الحمراوان نحو الصحيفة بدلًا من النظر إليها مباشرة
ثم قال بلطف مخيف:
“أظن أنكِ أولى بالقلق على سمعتكِ أنتِ.”
ارتجف جسدها.
كانت الجملة في ظاهرها عادية لكنها خرجت من فمه بثقل جعلها أشبه بالحكم.
‘سمعتي…؟’
في لحظة، مرّت في ذهنها وجوه الفرسان الذين تقاسمت معهم فراشها في الماضي، حتى وقت قريب كانت تستدعي رجالًا جدداً إلى غرفتها بين الحين والآخر لكن كيف عرف؟
لم يكن لديها دليل إلا أن حدسها أخبرها بشيء واحد.
هذا الرجل يعرف كل شيء.
وحين فكرت بالأمر لم يكن مستغربًا فهو كاسيان دي بلانشيت، وريث آل بلانشيت. وإذا انتهى هذا اللقاء بطردها فلعلها لن تتمكن من رؤيته مرة أخرى أبدًا.
أدركت بسرعة أن إظهار الضعف أمامه سيكون أنفع من التحدي وقالت بصوت خافت:
“إذا فسخت هذه الخطوبة كما تريد فستكون الفضيحة من نصيبي أنا أكثر منك. لا تقل إنك لا تعلم ذلك.”
رفع كاسيان كأسه بهدوء.
“لهذا كان ينبغي أن تفعلي فقط ما تستطيعين تحمّل عواقبه.”
ارتسمت ابتسامة باردة على شفتيه واشتعل القلق في داخلها.
‘ما الذي يقصده؟ تحمل العواقب لأي شيء؟’
كانت كلماته مبهمة على نحو مرعب.
لم تستطع أن تعرف إلى أي مدى وصلت معلوماته.
“ما… معنى أن أتحمل عواقب ما فعلت؟”
أشار بنظره إلى عنوان الصحيفة أما تحت الطاولة فكانت قبضتها ترتجف بعنف ومع ذلك ظل وجهها ثابتًا حتى قال:
“إن أردتِ يمكنني أن أترك تلك الرواية تنتشر.”
ابتسم ابتسامة كسولة ذات سحر خطير.
“أن الآنسة بيوشيل كانت مهووسة بي إلى حد أنها دبّرت هذه المسرحية ونشرت أخبارًا كاذبة.”
“سيدي الدوق الشاب!”
“من أجل مستقبلكِ ستكون تلك الرواية ألطف بكِ من أن يُقال إنكِ ارتبطتِ بي بعمق.”
نظر إليها مباشرة وهو ينقر بإصبعه على الطاولة.
“وبالطبع، بما أن آل بلانشيت هم من يفسخون الخطوبة، فلن أطالبكِ بأي مسؤولية.”
قال أكثر الكلمات قسوة بأدبٍ نبيل لا تشوبه شائبة وأضاف بابتسامته الرسمية:
“وسأتكفل أنا وحدي بكل الانتقادات.”
ثم وضع فنجان الشاي، وكأنه أنهى ما جاء من أجله.
راقبته بيوشيل وهو يشد حبل الجرس لاستدعاء الخدم.
وأخيرًا خرج السؤال الذي كانت تكبته.
“هل السبب… تلك المرأة؟”
في لحظة اشتعل نور مخيف في عيني كاسيان ورغم حمرة عينيه كان بردهما أشد من شتاء الشمال.
ارتجفت بيوشيل من شدة البرودة التي بثّها حضوره.
قالت وكأنها تصرخ:
“حتى لو أردت الاحتفاظ بها إلى جوارك فأنت بحاجة إلى امرأة مثلي.”
نظر إليها بهدوء بلا ذرة دفء.
“ربما أحتاج إلى شخص بجانبي لكن ذلك الشخص لن يكون أنتِ.”
في تلك اللحظة، انفتح الباب ودخل تيوبه، وقف يراقب المشهد بصمت. بيوشيل بقيت واقفة في مكانها أما كاسيان فلم يلتفت إليها حتى، وساد الغرفة صمت ثقيل وكان تجاهله الكامل لها أوضح إعلان بالطرد وقد فهمت ذلك جيدًا.
حتى قبل أن تأتي إلى هنا، لم تكن تتوقع أن يصل الأمر إلى هذا الحد كانت تظن أنه، مهما دلل تلك الفتاة، فلن تكون سوى عشيقة يخفيها كما يفعل معظم النبلاء لكن لماذا؟
لقد قال لتوّه إنه سيستبدلها بامرأة أخرى ومع ذلك بدت عيناه وكأنهما فقدتا صوابهما، فمجرد ذكر تلك المرأة كان كافيًا ليملأ الجو بالبرودة. إذًا هل ينوي حقًا الاحتفاظ بتلك الفتاة حتى النهاية؟ أيُعقل ذلك؟
خرجت من القاعة وهي تُدفع إليها دفعًا وفجأة ظهرت يوريسييل في ذهنها، تلك الفتاة التي لم تهتز حتى أمام أكياس المال.
كانت تبدو وكأن بها خللًا ما والآن بعد أن فكرت في الأمر لم تكن تبدو كامرأة عاشقة بل كانت جافة وخالية من الشغف.
ولو كانت حقًا بحاجة إلى المال لكانت طالبت بالمزيد أو حاولت العودة إليها.
توقفت بيوشيل فجأة أثناء سيرها.
“تلك الفتاة.”
استدار الفارس الذي كان يرافقها.
“نعم، سيدتي؟”
قالت دون تردد:
“هل هي من تذهب بنفسها لمقابلة الدوق الشاب كاسيان؟”
ارتسمت الدهشة على وجه تيوبه للحظة وبحكم أنه فارس نشأ على خدمة سيده تصلب وجهه غريزيًا ولم يفت ذلك على بيوشيل، صاحبة الخبرة الطويلة في المجتمع الأرستقراطي.
قال ببرود:
“لا أفهم ما تقصدينه.”
راقبت شفتيه الجامدتين.
‘إذًا هل ليست هي من تذهب إليه؟’
ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيها إذا كان الأمر كذلك فسيصبح كل شيء أسهل. إن لم توجد طريقة فسأصنعها بنفسي.
في النهاية ذلك الرجل سيكون ملكي.
تقدّم أحد الخدم وانحنى ليكون درجة تصعد عليها إلى العربة.
وقبل أن تركب أشارت إلى أحد فرسانها.
“أما بشأن تلك الفتاة…”
انحنى الفارس وأخذ يرفع تقريره.
“ما زالت تتنقل كعادتها بين مبنى الإدارة والسكن، لكنها في الآونة الأخيرة أصبحت تكثر من زيارة برج السحرة…”
وانتهى التقرير، كالعادة بذكر لقاءات كاسيان ويوريسييل.
عربة تنتظر دائمًا خلف الساحة وفتاة تصعد إليها وهي تنظر حولها كأنها تهرب من أحد. كيف لم تلاحظ كل تلك الإشارات؟
هل كانت تهرب لأنها لا تجرؤ على استهدافه؟ أم لسبب آخر؟
لم تكن تعرف لكن شيئًا واحدًا كان مؤكدًا تلك الفتاة كانت تهرب من كاسيان باستمرار ومن المستحيل أن يكون كاسيان غافلًا عن ذلك.
قالت فجأة:
“متى يُقام سوق سلاير؟”
“بعد أسبوع، سيدتي.”
كان سوق سلاير سوقًا سريًا ضخمًا للرقيق، تابعًا لـليسيتيوم بانتيون، ومعروفًا بين كبار النبلاء أما بيوشيل فكانت من كبار زبائنه.
أومأت برأسها، ثم صعدت إلى العربة وأُغلق الباب برفق.
“انتظروا.”
بأمرها، اقترب عدد من الفرسان من نافذة العربة حدقت فيهم قليلًا ثم أشارت إلى أحدهم.
“أنت… هل أنت مستجد؟”
وقبل أن يجيب، تقدم قائد الفرسان وانحنى.
“أعتذر، سيدتي. لقد انضم إلينا حديثًا، ولا يزال يفتقر إلى الخبرة.”
انتقلت عيناها ببطء إلى الفارس الجديد. شعره القمحي لم يكن مميزًا لكن وجهه كلما تأملته أكثر، جذب نظرها.
عرفت رجالًا كثيرين مرّوا في حياتها ومع ذلك كان هذا الشاب يملك حضورًا لا يقل عن أي منهم. كان وجهه مشرقًا كشمس منتصف الصيف. مختلفًا تمامًا عن الرجل الذي قابلته قبل قليل.
لكن رغم مظهره الدافئ، كان يحيط به جو من الكآبة.
‘أشعر أنني رأيت هذا الوجه من قبل…’
وفجأة تذكرت الرجل ذا الشعر الفضي الذي ظهر في اللوحات مع تلك الفتاة كان يشبهه قليلًا لكن ذلك الرجل لم يكن أشقرًا.
عقدت حاجبيها لحظة ثم فقدت اهتمامها فهذا المستجد لم يكن بديلًا مناسبًا لها بعد.
مدّت يدها من نافذة العربة، واقتلعت زهرة مليئة بالأوراق.
وبينما كانت تفكر بخطة أثارت اهتمامها راحت تمزق بتلاتها واحدة تلو الأخرى.
تناثرت البتلات الممزقة داخل العربة التي بدأت تتحرك.
***
كان المقر الرئيسي لبرج السحرة يغمره الأمل أكثر من أي وقت مضى. بعد اجتياز جهاز التعقب الاختبار الثاني تقدّم المشروع بسرعة فاقت التوقعات.
دوّى التصفيق الحار في القاعة.
وكان موجّهًا إلى يوريسييل أما هايل فلم يعد موجودًا بينهم.
كان الأمر مؤلمًا لكنها أقنعت نفسها بأن هذا هو القرار الصحيح.
ورسمت ابتسامتها المعتادة وهي تتلقى التهاني من الباحثين.
“أنا لم أفعل شيئًا الفضل يعود إليكم جميعًا.”
وبعد تبادل كلمات المجاملة المعتادة خرجت إلى الخارج وأطلقت زفرة طويلة لأنها شعرت أخيرًا أن كل شيء يوشك على الانتهاء.
استعاد معلمها حيويته والفيكونتيسة باوروبين، التي شاركت في الاختبار الثاني، لم تكف عن شكرها.
وأخيرًا باتت تشعر أن اليوم الذي ستعثر فيه على والدها لم يعد بعيدًا لكن راودها خاطر بغيض.
الآن بعد أن أصبح ذلك الرجل موجودًا هل ما زالت بحاجة إلى والدها أصلًا؟
فقد وعدها بصوته الحنون أنه سيستمر في تزويدها بالدواء حتى النهاية لكنه يعاملها وكأنه سيمنحها العالم كله ثم يمتنع عن إعطائها كل شيء بالكامل.
أي نفسية يحملها هذا الرجل؟
كلما حاولت فهمه ازداد غموضًا.
ومع ذلك كان عزاءها الوحيد أن هذه الأيام الخانقة مؤقتة.
ولم يتبق منها إلا القليل.
وبينما كانت تمشي بهدوء وصلها صوت مذعور.
“لقد حدث أمر خطير!”
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.