الفصل 110: 110
110
الفصل مائة وعشر
سقطت وثائق الموافقة من بين يديها على الأرض وفي الطرف الآخر من مجال رؤيتها، وقع بصرها على الخبر الذي يعلن خطبة الآنسة بيوشيل.
“هل أنتِ بخير؟”
راح صوت أحد موظفي الإدارة يطنّ في أذنيها.
كانت تعلم أنها إن أرادت ألا تنجرّ إلى أحاديث الناس، فعليها أن تستجمع رباطة جأشها، لكن جسدها لم يطعها. نهضت بصعوبة، مترنحة في خطواتها، إلا أنها استطاعت، لحسن الحظ، أن تمشي.
ولم تعد تتذكر حتى كيف عادت. جلست أخيرًا في مكانها، ثم رفعت كأس الماء وارتشفتها دفعة واحدة، حتى إنها لم تترك لنفسها فرصة لتلتقط أنفاسها.
لقد كانت تعرف بهذا الأمر منذ البداية فما الذي صدمها إلى هذا الحد؟ ترى ما الذي كانت تتوقعه أصلًا؟
بعقل بارد خمدت حرارته، بدأت أفكارها المبعثرة عن ذلك الرجل تنتظم بسرعة.
***
“يا تُرى، من الذي نشر هذا الخبر؟”
وُضعت قصاصة من الصحيفة الخاصة التي وُزِّعت قبل قليل أمام كاسيان. تلك الصحف الجريئة التي اعتادت نشر أخبار غير مؤكدة، وضعت هذه المرة خبر خطبة عائلتي بلانشيت وبيريوت في صدر صفحاتها. لم تتضمن أي موعد، ولا حتى اسم كبير الكهنة الذي سيقيم المراسم، ومع ذلك كُتب الخبر وكأنه حقيقة محسومة.
ومع أنهم لم يجرؤوا على نشر خبر مؤكد من دون موافقة آل بلانشيت، فقد تحصّنوا بعبارة “وفقًا لمصدر مجهول” وكأنها درع يحميهم.
رمى كاسيان الصحيفة على الطاولة.
طق.
“الأمر واضح.”
رمش تيوبه بدهشة قبل أن يتمّ عبارته.
“واضح… تقصد أنك تعرف من يقف خلفه؟”
ثم سأل بحذر:
“لا تقل… إنها الآنسة بيوشيل؟”
لم يتحرك كاسيان قيد أنملة وكان صمته كافيًا للإجابة.
إذن وراء هذه الأخبار تقف الآنسة بيوشيل وعائلة بيريوت.
“في الحقيقة، مهما بلغت جرأة تلك الصحف، فمن المستحيل أن تنشر أخبارًا تخص آل بلانشيت من دون جهة تقف وراءها، ومع ذلك، أليس هذا خبرًا جيدًا؟ يبدو أن الآنسة بيوشيل ما زالت تكنّ لك مشاعر صادقة.”
كان تيوبه يجد تصرفات الآنسة بيوشيل غريبة بعض الشيء.
كيف يمكنها أن تتشبث بهذا القدر بسيد لا يبدي لها أي اهتمام؟
حتى لو كانت تطمح لأن تصبح دوقة بلانشيت، فأي نبيلة أخرى كانت ستنسحب حفاظًا على كرامتها.
فلا سبب يدفعها لأن تذل نفسها أمام آل بلانشيت، أو أمام سيده الذي لا يكلف نفسه حتى عناء لقائها.
ومع ذلك ها هي تذهب إلى حد تسريب خبر الخطبة بنفسها.
لم يستطع أن يفهم لماذا تقدم على مخاطرة كهذه لكن، مهما يكن لم يكن هناك اتحاد أنسب من اتحاد عائلتي بيريوت وبلانشيت.
وبالنسبة لسيده، فهذه نهاية جيدة أما تلك السيدة صاحبة الوجه الصافي، كثيرة التعابير، لكنها تبدو في الوقت نفسه خالية من المشاعر فسوف تختفي أخيرًا من حياة سيده.
وربما عندها سيخسر ذلك البريق الذي ظهر لأول مرة في عينيه
لكنه سيعود وريثًا مثاليًا، ويقود آل بلانشيت كما يليق بهم.
ذلك هو قدره وواجب لا يستطيع التهرب منه.
ولهذا كان إنهاء كل شيء الآن هو القرار الأكثر عقلانية.
وسيده، الذي لا يحكمه سوى العقل لابد أنه سيختار هذا الطريق
لكن كان وجه سيده يضيء بنور لم يره عليه من قبل.
نور يشبه زهرة تتفتح بكامل إشراقها.
وفي هذه اللحظة بالذات ظهر ذلك البريق.
ابتلع تيوبه ريقه بصعوبة وفي تلك اللحظة، دخل أحد الفرسان على عجل وبإشارة خفيفة من كاسيان، خرج تيوبه معه.
ولم يمض وقت طويل حتى عاد بوجه مثقل ثم وقف أمامه وقال:
“الآنسة بيوشيل جاءت لزيارتك. ما الذي تأمر به؟”
***
رغم أن صاحبة الموعد امرأة تستعد لخطبتها فإن برودة قاتمة كانت تملأ الغرفة وأكواب الشاي الموضوعة بينهما أخذت تبرد سريعًا.
ارتشفت بيوشيل رشفة من قهوتها، ثم حدقت بكاسيان بصمت.
كالعادة كانت ملامحه مستقيمة، متقنة، وكأنها منحوتة بيد فنان
لكن كان فيها عيب واحد أنه لم يكن يرى فيها انعكاسها داخل عينيه الحمراوين.
في الماضي، ظنت أنه مجرد رجل بارد لكن منذ أن عرفت أن السبب هو تلك المرأة بات مذاق القهوة في فمها أكثر مرارة.
وضعت الفنجان بقوة.
طق.
ورفعت عينيها لتلتقي بوجه كاسيان الخالي من أي انفعال.
كانت أول من كسر الصمت.
“مر وقت طويل… يسعدني أن أراك مجددًا.”
في العادة، حتى المجاملات الشكلية تقتضي ردًا مثل: “وأنا أيضًا.”
لكن لم يصدر عنه حتى ذلك. اكتفى بإيماءة مهذبة قصيرة.
كانت حركة راقية ومحترمة لكنها حملت في داخلها برودًا يشي بتجاهل الطرف الآخر.
في التقارير التي وصلتها عن لقائه بتلك المرأة لم يكن هذا هو الوجه الذي أظهره فهو كان يبتسم لها.
أمسكت بيوشيل غضبها، ورسمت على شفتيها ابتسامة مشرقة.
على أي حال في النهاية، سيكون مقعد الدوقة لها وسيكون المكان بجانبه لها أيضًا.
“هل كنت بخير؟”
ظل كاسيان يحتسي الشاي بوجه هادئ.
أما هي، فتابعت حديثها وكأنها تخاطب نفسها.
“إنه فصل يسهل جدًا أن يخطئ فيه المرء بين الأجواء وبين الحب، أليس كذلك؟”
حتى وهو يحتسي الشاي ظل جميلًا بصورة كاملة، رغم بروده.
كل الرجال الذين قابلتهم من قبل إما كانوا وسيمي المظهر لكنهم متدنّو المكانة أو أصحاب مكانة، لكنهم ضعفاء البنية بعدما تربوا في قصور مترفة أما هو فكان مختلفًا. جسد قوي ووسامة رجولية آسرة وهيبة أرستقراطية طبيعية.
في كل مرة تراه، كانت تزداد يقينًا أن ذوقها لم يخطئ.
نعم، كان رجلًا يستحق أن تمتلكه.
المشكلة الوحيدة أن قلب هذا الرجل كان مع امرأة أخرى.
“والطقس أيضًا مثالي للمواعدة.”
ابتسامة مائلة ارتسمت على شفتي كاسيان. فارتجفت بيوشيل دون وعي ثم قال بصوت بارد:
“إذن ما الذي تريدين قوله؟”
لم تحمل نبرته أي شعور وكأنه يؤدي مهمة روتينية لا أكثر.
تجعد طرف عين بيوشيل للحظة لكنها استعادت هدوءها سريعًا.
فالخطبة لم تُعقد بعد ولم يكن لديها بعد أي حق في تقييده.
ثم إن الرجال كلما حاولت المرأة تقييدهم، ازدادوا رغبة في الهرب وهذا الرجل تحديدًا الذي قال يومًا إنه لا يبالي بما تفعله كان أول من سيفعل ذلك.
وبالفعل منذ ذلك اليوم، لم يقبل لقاءها ولو مرة واحدة.
أرسلت إليه رسلًا مرارًا بل جاءت بنفسها أكثر من مرة.
لكن كل محاولاتها انتهت بالفشل ولو قالت إن كرامتها لم تُجرح لكانت تكذب فهي حتى لم تستطع أن تقول ببساطة، هذا طبعه لأنه كان يلتقي بتلك المرأة بكل سهولة.
في البداية، ظنتها مجرد لعبة عابرة لكنها كانت مخطئة.
نظراته إليها كانت مختلفة بل إنه أصبح الراعي الرسمي لمشروعها.
هاه… في البداية لم تصدق لأن الأمر كان مضحكًا إلى حد السخرية. أن رجلاً عقلانيًا وباردًا إلى هذه الدرجة يحب أحدًا بهذا الشغف والأسوأ أن تكون تلك المرأة مجرد عامية.
لكن الآن لم يعد أمام بيوشيل إلا الاعتراف بالحقيقة.
الرجل الجالس أمامها واقع في حب تلك المرأة.
ولهذا ازدادت ابتسامتها إشراقًا وهي تقول:
“لابد أنك اطلعت على الأخبار. الناس يتحدثون كثيرًا عن علاقتنا.”
التوى وجه كاسيان قليلًا فرسمت بيوشيل ابتسامة هادئة في داخلها، كما توقعت، في النهاية مهما حدث سيختارها هي.
فالمرأة التي تليق بأن تقف إلى جوار وريث آل بلانشيت ليست امرأة قضى معها ليلة عابرة بل بيوشيل بيريوت.
حتى ذلك القلق الصغير الذي كان يساورها اختفى بمجرد أن رأت تعبير وجهه ثم سألت بابتسامة أخفت ما في قلبها:
“متى تنوي أن تحسم أمر خطبتنا؟”
وضعت فنجانها على الطاولة.
طق.
وكانت ابتسامتها المتفتحة تشبه وردة متألقة أما كاسيان فقد خطرت في ذهنه يوريسييل. تلك المرأة التي كانت ترتجف أمام وردة مليئة بالأشواك كزهرة ماغنوليا بيضاء نقية. لو كانت هي عندها فقط اعترف لنفسه بأنه كان جبانًا إلى حد ما.
‘لو قلت لكِ الآن إنني مستعد للتخلي عن كل شيء واختياركِ أنتِ يا ترى ماذا سيكون ردكِ؟’
ومن أجل سؤال واحد سخيف كهذا فتح الباب مرة أخرى.
باب الزيارة الأخيرة وقال بهدوء:
“لننهِ الأمر اليوم.”
ارتسمت على وجه بيوشيل ملامح دهشة خاطفة، ثم اختفت.
كانت تتوقع أن يتحدثا عن الخطبة منذ وافق على اللقاء لكنها لم تتوقع أن يقول منذ البداية إنه يريد حسم كل شيء اليوم.
صحيح أنها هي من فتحت الموضوع لكن، بالنظر إلى تصرفاته السابقة كانت هذه إجابة غير متوقعة.
‘هل تعرض لضغط من العائلة؟’
خطرت الفكرة في ذهنها للحظة ثم سخرت منها.
كاسيان هو الوريث الوحيد القادر على إدارة آل بلانشيت فعليًا.
بل وحتى لو لم يكن كذلك فمن ذا الذي يجرؤ أصلًا على الضغط على رجل مثله؟
في النهاية حتى هو لم يستطع مخالفة قوانين هذا العالم.
فوريث آل بلانشيت لا يمكن أن يرتبط بامرأة كتلك.
تخيلت نفسها وهي تغادر آل بيريوت أسرع مما توقعت، لتستعد لأن تصبح دوقة فارتسمت على شفتيها ابتسامة مزهرة لكن قال كاسيان بهدوء:
“اعتبارًا من اليوم سأعتبر أن كل ما دار بين آل بيريوت وآل بلانشيت بشأن الخطبة لم يكن موجودًا أصلًا.”
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.