مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 109: 109نحو 8 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 109: 109

109

الفصل مائة وتسعة 

“أ… أنا حقًا أعتذر عمّا بدر مني من كلمات قاسية في ذلك اليوم.” 

“لا، الخطأ خطئي أنا. أنا من تسبب في انقطاع التمويل.” 

“مع ذلك…” 

***

كان الجو هادئًا كما اعتاد أن يكون، والطريق المؤدي إلى الخارج يفيض بالجمال أما المشرف، فلم يمسّ قطرة كحول منذ مدة، وكانت عيناه، المنهمكتان في العمل، تتقدان بالحيوية أكثر من أي وقت مضى ومنذ أن كرّس نفسه للمشروع، بدا وكأنه نسي تمامًا تلك الحادثة المحرجة المتعلقة ببطاقة التعريف واللورد بلانشيت، وهو أمر أراحها كثيرًا. 

كل شيء كان يسير في مسار مثالي إلى حد بدا معه وكأنه معجزة. 

حتى الليدي بيوشيل، على الأرجح، لن تتمكن من قلب هذا الواقع بعد الآن. كان كل يوم يبدو كقطعة أحجية اكتملت أخيرًا. 

نعم كل شيء كان يُحل بسلاسة يصعب تصديقها ولهذا كان ينبغي لها أن تكون سعيدة. ومع ذلك ظل قلبها ينقبض دون وعي، كلما عادت إليها تلك الهواجس الغامضة التي لا تفارقها. 

‘لماذا قرر ذلك الرجل تمويل المشروع؟ ومن هو الشخص الذي قال إنه يحبه؟ وماذا قصد بقوله إنه سيعثر عليه؟ ولماذا كان ينظر إليّ بتلك الطريقة؟’ 

كانت تلك الأفكار الرمادية عديمة الشكل تتشابك في رأسها بلا نهاية، حتى أوشكت أن تصيبها بالدوار وفوقها كانت كلمات موظفي الإدارة التي سمعتها سابقًا تتردد في أذنيها. 

شائعات تقول إن الرجل أرسل الزهور إلى الليدي بيوشيل وأنه التقاها وأن موعد خطبتهما بات قريبًا. 

لم يكن رجلًا تحتاج إلى مراقبته ولا شخصًا يحق لها أن تتدخل في شؤونه كانت العلاقة بينهما مجرد علاقة عابرة فما الذي سيتغير مهما فكرت فيه؟ 

في النهاية سترحل هي وسيتزوج هو من الليدي بيوشيل، ويؤسس معها عائلة جديدة وسيصبح الوريث الجدير بقيادة آل بلانشيت 

أما هي فسيسير كل منهما في طريق مختلف تمامًا وبعد أشهر قليلة سيغدوان شخصين لن يلتقيا مرة أخرى ولهذا السبب تحديدًا كانت كل تصرفاته تترك في قلبها سؤالًا واحدًا. 

‘لماذا؟’ 

في الحقيقة كان الأمر الأغرب للغاية. هو، تحديدًا. 

فالرجل الذي عرفته كان عقلانيًا إلى حد البرود لا يفعل شيئًا لا يخضع للحساب وكانت شخصيته القديمة، حين كان يطالب بسبب واضح لكل شيء بوجه جامد أقرب إلى صورته الحقيقية. 

وبالطبع فإن الوضع الحالي أفضل لها بكثير ومع ذلك كلما فكرت في هذا التغيير المفاجئ شعرت بمرارة تخنق حلقها، ربما لأنه بات يمسك بمصيرها كله وربما لم يكن ما يفعله سوى مزحة صغيرة. 

نعم يمكنها ببساطة أن تعتبر تصرفاته الغريبة مجرد عبث لا أكثر. 

‘لا تفكري كثيرًا.’ 

بالنسبة إليه لعل كل هذا لا يعني شيئًا أصلًا وربما كان مجرد هدية وداع أخيرة. 

***

قادتها خطواتها المعتادة إلى الحديقة الواقعة خلف المبنى الرئيسي لبرج السحرة وهناك كانت الأزهار أكثر ازدهارًا وعناية مما كانت عليه من قبل. وأثناء سيرها بين الممرات، محاولة طرد تلك المشاعر عن قلبها لامس أذنها صوت مألوف. 

“هل تعرفين هذه الزهرة؟” 

استدارت فرأت هايل واقفًا بين الأزهار. 

ولأنهما لم يلتقيا منذ مدة اجتاحها شعور غريب بالحرج. 

لا، ربما لم يكن السبب طول الغياب فلم يمضِ وقت طويل في الحقيقة بل لأن آخر مرة رأته فيها كانت عندما شاهدت ظهره وهو يغادر فندق ماريوت. 

هل كان هايل يعلم؟ لا بد أنه كان يعلم كل شيء. 

ولعل ذلك هو السبب الذي جعله يتجنبها عمدًا منذ ذلك اليوم. 

فبعد تلك الحادثة لم تعد تراه في برج السحرة. وكان شخص آخر يتولى إرشادها في كل مرة، بدلًا من هايل الذي كان يهرع لمساعدتها في السابق. 

كان شعورها بأن هايل يعرف أسرارها مريرًا من جهة ومريحًا من جهة أخرى ورغم لقائهما بعد غياب ظل هايل يحدق في الأزهار دون أن ينظر إليها ولو مرة واحدة. 

قالت: 

“لا… لم أرَ هذا النوع من الزهور من قبل.” 

كانت زهرة ذات بتلات صفراء كبيرة تتفتح إلى الخارج كأنها خرجت من إحدى الحكايات الخيالية. 

قال هايل بهدوء: 

“يقال إن أحد الملوك أهدى هذه الزهرة إلى ملكته منذ زمن بعيد.” 

عادت إلى ذهنها ذكرى باهتة، قصة سمعتها ذات يوم في قسم الأرشيف، عن مملكة بعيدة. 

ابتسمت بخفة. 

“يا لها من قصة رومانسية.” 

لكن هايل اكتفى بابتسامة مرة ولم يرفع عينيه عن الزهرة. 

“قيل إن ذلك الملك كان يتمنى امرأة لا تنظر إلا إليه وحده ولذلك صُنعت هذه الزهرة.” 

كان صوته جادًا بصورة غريبة، حتى إنها لم تجد فرصة لمقاطعته فاكتفت بالنظر إلى الزهرة بصمت وأضاف: 

“وحين ازداد الطلب عليها بدأ برج السحرة بإنتاجها أيضًا، لكن بعكس القصص الخيالية فهي لا تستطيع ملاحقة شخص واحد إلى الأبد. أقصى مدة لبقائها ثلاث سنوات تقريبًا.” 

حينها فقط رفع هايل عينيه إليها. 

“يبدو أن مثل تلك القصص لا توجد إلا في الحكايات.” 

انعكس وجهها في عينيه الزرقاوين الباردتين متموجًا كصورة فوق سطح الماء ثم قال فجأة: 

“ذلك الرجل سيخطب قريبًا.” 

كان لافتًا أنه قال ذلك الرجل ولم يقل السيد الشاب كما اعتاد. 

وبدت عيناه باهتتين. 

ظنت للحظة أنها شعرت بالارتياح لكن تبين أن ذلك لم يكن سوى وهم صنعته بنفسها. فقالت بهدوء: 

“وماذا في ذلك؟” 

تجمد هايل. 

“ماذا… تقصدين؟” 

“سواء خُطب أم لا فذلك لا علاقة له بي.” 

تشققت نظرة هايل الزرقاء كبحيرة جف ماؤها بعد سنوات من القحط. 

وكانت الصدمة المرتسمة في عينيه تغرس جرحًا عميقًا في قلبها. 

نعم لقد أصبحت كعود ثقاب احترق وانطفأ، لا فائدة منه لأنها صارت قادرة على سماع مثل تلك الكلمات دون أن تشعر بشيء. 

‘إذن… يكفي.’ 

قالت بصوت خافت: 

“اعتنِ بنفسك يا هايل.” 

ثم غادرت الحديقة وكأنها تهرب، وشعرت بنظرات هايل الزرقاء تلاحقها طويلًا من خلفها لكنها لم تجرؤ على الالتفات. 

كانت تظن أن علاقة كُتب لها الانتهاء لا تستحق الحزن لكن حين انتهت فعلًا اجتاحها فراغ لا تستطيع وصفه. 

***

وما إن عادت حتى انهار جسدها قبل أن تتمكن حتى من التقاط أنفاسها. وبعد أن ظلت بين اليقظة والإغماء لبعض الوقت وقع بصرها على ظرف أسود خالٍ من أي ختم. كان من ذلك الرجل. 

ارتجفت أصابعها غريزيًا وهي تمزق الظرف. 

وفي الداخل وجدت خطه الأنيق المرتب، الذي يشبهه تمامًا. 

وكعادته كانت الرسالة قصيرة لكنها حاسمة. 

ظلت تحدق في الكلمات وبدأ عقلها البارد يعمل من جديد. 

رغم أنها انفجرت في وجه هايل قبل قليل ففي الحقيقة كان غضبها موجهًا إلى نفسها. 

تمامًا كما يفعل من تنكشف أسراره، فيصرخ غاضبًا ليخفيها. 

انعكس وجهها على المرآة الموضوعة فوق الطاولة وكانت صورتها مائلة قليلًا أما وجهها الشاحب الخالي من اللون فلم يعد يبدو وكأنه وجهها. 

***

كان الرجل يزداد لطفًا وكمالًا مع مرور الأيام بعكس الماضي حين كان يكتفي بإلباسها الثياب الجميلة وإطعامها أفخر الأطعمة. صار الآن يسألها عمّا ترغب فيه، بصوت أكثر رقة من أي وقت مضى. 

وحين أخبرته أنها تتمنى زيارة قرية هادئة على شاطئ البحر اصطحبها إليها. 

وطوال نزهتهما وخلال ركوب القارب كان يكثر من سؤالها عن رأيها، ثم يتصرف وفقًا لما تقوله. وطوال ذلك لم تفارق وجهه تلك الابتسامة الهادئة المميزة. 

ابتسامة كلما رأتها ازداد ارتباكها. 

كان ينظر إليها بعاطفة صادقة إلى درجة يستحيل معها تصديق أنه سيعلن خطبته قريبًا. 

لا بد أن الليدي بيوشيل تعرف كل ذلك أيضًا ولابد أنها سمعت بالفعل أنه تكفل بتمويل مشروعها. 

كل ما انتزعه منها هذا الرجل يومًا أعاده إليها الآن بيديه. 

بل هل يصح أصلًا أن تقول إنه انتزعه منها؟ 

فهي، منذ البداية كانت المدينة له بكل شيء ومهما يكن فهو من يؤمن دواء والدتها ومنقذها الوحيد، ولذلك لم يكن لها أي حق في الشكوى. 

وفي كل مرة كانت تخشى أن تبرد يده فتشد على أصابعه أكثر. 

وتبتسم له بإشراق أكبر تمامًا كدمية أتقنت أداء دورها. 

***

‘لماذا تعاملني بهذه الطريقة؟ ألا ينبغي أن تتصرف كرجل على وشك الزواج؟ كوريث لعائلة بلانشيت؟’ 

لكن مثل هذه الكلمات المنطقية لم تعد تجد طريقها إلى عقلها. 

فلم يكن لديها ترف الالتفات إلى أي شيء آخر. 

ولحسن الحظ كلما انشغلت بالعمل اختفت أفكار الرجل بسرعة. 

خش… خش… 

كانت صفحات التقرير، التي يخطها قلمها، تصبح أكثر إتقانًا يومًا بعد يوم وكان ذلك ثمرة انغماسها الكامل في المشروع فكل صفحة كانت تحمل أمنية صادقة، أن تُنهي كل شيء قبل أن يغير الرجل رأيه مرة أخرى وقبل أن تحصل على كامل دواء والدتها. 

كانت أيامًا مؤلمة لكنها آلام يمكن احتمالها. لا بل في الحقيقة كانت مليئة بالنعم إلى درجة لا يصح معها حتى وصفها بالألم. 

فالمشرف استعاد ضحكته وشغفه والفيكونتيسة باوروبين 

استعادت الأمل وكلما عادت إلى منزلها كانت والدتها تستقبلها بابتسامة وكان ذلك يكفيها. 

وبعد أن أنهت التقرير الذي كان المشروع يقترب معه سريعًا من نهايته وقفت متجهة كعادتها إلى المبنى الرئيسي لكن الحديث الذي كانت تتمنى تجنبه وجدها أولًا. 

“هل سمعتِ؟ لقد تأكدت خطبة الليدي بيريوت ووريث آل بلانشيت.” 

“لم يكونوا يقولون إنها قد تُلغى؟ يبدو أنهم حددوا بالفعل موعد مراسم الخطبة.” 

“يا إلهي إذن كانت شائعة الزهور صحيحة منذ البداية.” 

“كنت أعلم ذلك منذ أن جاءت الليدي بيريوت إلى العاصمة، وأقامت فيها كل تلك المدة.”

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.