مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 108: 108نحو 8 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 108: 108

108

الفصل مائة وثمانية 

نهض الرجل من مقعده ومدّ يده بأدب نحو المشرف ذي الملامح الصارمة. 

“يبدو أنني تأخرت في تقديم نفسي. أنا كاسيان دي بلانشيت.” 

ورغم أنه اكتفى بالوقوف فحسب، فإن قامته الشاهقة وهيبته وحدهما كانتا كفيلتين ببث الرهبة. 

حدّق المشرف إليه بصمت، دون أن يصافح اليد الممدودة، قبل أن يقبض عليها أخيرًا على مضض وأضاف الرجل، مبتسمًا ابتسامة هادئة: 

“سمعت أنك كنت صديقًا قديمًا لوالدي.” 

تصلبت ملامح المشرف في لحظة. 

“كان ذلك منذ زمن بعيد. وإن كنت تقدم هذا الدعم بسبب تلك العلاقة فمن الأفضل أن تتراجع الآن.” 

‘صديق قديم.’ 

مهما كانت طبيعة ما حدث بينهما في الماضي، فمن الواضح أن المشرف لم يكن يحمل أي مشاعر طيبة تجاه الأمر. ويبدو أن ذلك لم يغب عن الرجل أيضًا، إذ أومأ برأسه إيماءة خفيفة. 

“أفهم.” 

ثم تابع بهدوء: 

“لكن كما قلت، هذا الدعم أقدمه من أجل نفسي. ولا علاقة له بوالدي، لذا آمل ألا يكون هناك أي سوء فهم.” 

كانت كلماته رقيقة، حتى ليصحّ وصفه فعلًا بأنه الوريث الرحيم والنبيل لعائلة بلانشيت. 

“إذن هذا يطمئنني.” 

انحنى المشرف بصمت، ثم استدار وغادر. 

كان السير خلفه أشبه بالفرار، رغم أن قدميها ظلتا تتحركان ببطء. 

وطوال الطريق كانت تشعر بنظرات الرجل الحادة تخترق ظهرها. 

ولم تتحرر من ذلك الإحساس إلا بعد أن أُغلق الباب خلفهما. 

عندها فقط خرج زفير طويل من صدرها. 

***

حتى وصلا إلى العربة ظل المشرف يحدق مرارًا في بطاقة التعريف، ثم يرفع بصره إلى الفراغ، لم يتنهد لكن ملامحه كانت توحي وكأنه فعل. 

ومن استخدام كاسيان لصيغة الماضي، أمكنها أن تخمّن بصورة غامضة أن العلاقة بين والد الرجل والمشرف لم تعد كما كانت. 

قالت بهدوء: 

“سيدي أرجوك لا تقلق.” 

“ومتى قلت إنني قلق؟! همف… همف.” 

سرعان ما استعاد المشرف ملامحه المعتادة، إلا أن المرارة التي ارتسمت على وجهه لم تختفِ تمامًا ومع ذلك كان ما حدث يُعد نجاحًا باهرًا، ففي النهاية تكفّل الرجل بتمويل المشروع، بل وأعدّ العقد بنفسه ولم يعد هناك ما يدعو للقلق عندها فقط ارتخت أعصابها أخيرًا، ورفعت رأسها نحو السماء، كان الأفق صافيًا. 

وفوقه، كانت الشمس تتوهج بلون يشبه تمامًا حمرة عيني الرجل. 

وعادت كلماته، التي قال فيها إنه يفعل ذلك بدافع الإحسان وحده، تتردد في ذهنها كالسحب العابرة لكن تلك الكلمات لم تكن تشبهه أبدًا فهو ليس من النوع الذي يتصرف بدافع العاطفة أو اللطف المجرد، بل لو قال إنه يساعدهما لأن المشرف صديق قديم لدوق بلانشيت لكان ذلك أكثر إقناعًا بكثير. 

ومهما فكرت بقيت كلماته عصيّة على الفهم. 

〈”هناك شخص يعني لي الكثير. وأنا أحاول العثور عليه.”〉 

تذكرت نظرته وهو يقولها. 

تلك العينان اللتان ظلتا معلقتين بها وحدها وحتى ذلك الاضطراب الخافت فيهما وكأنهما تحاولان الإمساك بها قبل أن تفلت. 

***

وقف كاسيان مستندًا إلى النافذة يراقب بصمت المرأة وهي تغادر. 

لم تغب عن ذهنه صورة المشرف المتحفز الذي يشك في كل شيء، من الألف إلى الياء ولا المرأة الواقفة إلى جواره، وهي تعبث بأصابعها في قلق ظاهر. 

‘أتراني أحاول شراء قلبها أيضًا؟ هل كان ذلك فعلًا أنانيًا إلى هذا الحد؟ أم أنه غاية في مراعاة مشاعرها؟’ 

آه… كلما فكّر في الأمر ازداد اقتناعًا بأنه توصل إلى أكثر الاستنتاجات حماقة وتزداد حماقته كلما تذكر عينيها الزمرديتين المذعورتين. 

في الحقيقة لم يكن ينبغي له أن يهتم بقلبها أصلًا، فالقلب يمكن شراؤه بسهولة مذهلة. بقليل من الدواء وبشيء من المال يمكن شراؤه بكل بساطة. ومع ذلك فإن تحرير ذلك القلب من قيوده هو أكثر الأفعال سخرية، أن تفك بيديك الطوق الذي كان ينبغي أن يبقيها أسيرة ثم تنتظر منها أن تتوسل إليك وتبكي عندما يحين الوقت يا له من غباء مطلق. 

لكن لأنكِ كنتِ جميلة جدًا وأنت تبنين قصورًا من الرمل أمام الأمواج، ولأنني انخدعت بابتسامتكِ حتى وإن كانت زائفة 

في تلك اللعبة التي سميتها «صراحة أم تحدي»، ولأن ما اشتريته لم يكن قلبًا بل مجرد قشرة فارغة، 

ها أنا أقف هنا مرة أخرى كالأحمق أتطوع لأكون راعي مشروعكِ ولا يوجد أحمق يفوقني. 

وقفت مجددًا عند مفترق طرق لا أجد له تفسيرًا وفتحت الباب أمام زيارات تلك المرأة مرة أخرى. وبعد أن طرقت أبواب قلبها التي لا تُحصى ها أنا أقف الآن أمام الباب الأخير وفي النهاية وصلت إلى هنا وفتحته بيدي، وما زلت أحمل في داخلي أملًا. 

أملًا يشبه الوهم بأن اختياركِ رغم كل شيء قد يكون أنا. 

‘أحقًا… أصبحتُ غارقًا في الأوهام؟’ 

لقد نسيت تمامًا أن تلك المرأة كادت تطعنني في ظهري وها أنا أعود إلى نقطة البداية فالناس لا يتغيرون. كما تذبل الأزهار التي ازدهرت في الربيع حالما يحل الشتاء وكأنها لم تزهر يومًا، 

وكما يعود الشتاء كل عام يعود البشر دائمًا إلى أصل طباعهم 

أما تلك المرأة التي لم تستطع امتلاك كل شيء فقد ظلت تحاول، بكل ما أوتيت من قوة أن تطعنني في ظهري. 

والآن وقد أصبح كل شيء بين يديكِ… 

‘يا ترى أي اختيار ستتخذينه هذه المرة؟’ 

قطع صوت تيوبه الصمت الثقيل. 

“لماذا تساعدها؟” 

أجابه كاسيان دون أن يلتفت: 

“بماذا تقصد؟” 

“بصراحة لم أتوقع أبدًا أنك ستتكفل فعلًا بتمويل المشروع. 

ألم تكن تريد إبقاء تلك المرأة إلى جانبك؟” 

“…”

ولما اعتبر تيوبه صمته اعترافًا تابع: 

“سمعت أن المشروع سينتهي قريبًا بمجرد حل مشكلة التمويل.” 

“هذا خبر جيد بالنسبة لهم.” 

“ليس هذا وقت التعليقات الهادئة يا سيدي، فما إن ينتهي المشروع وتمنحها دواء والدتها أيضًا…” 

توقف عن الكلام ولم يستطع إكمال الجملة. 

أطلق كاسيان ضحكة ساخرة خافتة. 

“حتى أنت تظن ذلك؟” 

“عفوًا؟” 

“تظن أنها ستختفي فور انتهاء مهمتها.” 

“هذا…” 

أخذت عينا تيوبه تتحركان في ارتباك، وعند زاوية فم كاسيان ظهرت ابتسامة باهتة. أنزل يده التي كانت تدير فنجان الشاي ووضعه على الطاولة بصوت حاد. 

طَق. 

ومنذ تلك اللحظة اختفت كل المشاعر من وجهه. 

ولم يعد يُقرأ عليه شيء وأدرك تيوبه أنه تجاوز حدوده فأطبق فمه. 

واكتفى بالنظر إلى سيده بصمت أما كاسيان فأطلق ضحكة ساخرة أخرى وأشعل سيجارة كعادته ثم تمتم: 

“إذن هكذا يبدو الأمر.” 

ارتسمت على شفتيه ابتسامة مائلة. 

قال تيوبه وهو يراقبه بقلق: 

“الأمر فقط… أن هذا القرار لا يشبه قراراتك المعتادة.” 

رفع كاسيان مجموعة الوثائق المصادق عليها ثم استخرج من بينها العقد البسيط. كانت البنود المرتبة بعناية تنعكس فوق عينيه الحمراوين، بنودًا تميل كلها إلى طرف واحد. 

كان هذا العقد صفقة خاسرة بكل المقاييس، عقدًا يفتقر إلى أي حسابات للربح وساذجًا إلى حد يبعث على السخرية. 

فالعقود ينبغي أن تخفي الحسابات الدقيقة خلف قناع اللطف 

أما هذه البنود فلم تكن تصلح حتى لأن تُسمى صدقة. 

ومع ذلك كان لا بد أن يعرف، أي اختيار ستتخذه المرأة التي أصبحت تملك كل شيء وإلى أي نهاية ستنتهي هذه العلاقة التي لم يتبقَّ من عمرها سوى بضعة أشهر. 

قال وهو يقلب القلم بين أصابعه. 

“أحيانًا يفعل الناس أشياء بلا جدوى، أشياء عديمة الفائدة تمامًا.” 

ارتفع صوت نقر القلم في الغرفة ثم قال: 

“أتدري لماذا يفعل الإنسان شيئًا يعرف مسبقًا أنه سيندم عليه؟” 

سأل تيوبه: 

“…ولماذا؟” 

ارتفعت العينان القرمزيتان ببطء واهتزت داخلهما ظلال مضطربة، ولسبب لا يعرفه شعر تيوبه أن سيده يعيش حياته لأول مرة وكأن كل النظرات التي كانت في عينيه سابقًا كانت ميتة 

أما الآن فقد أصبحت أكثر إشراقًا من أي وقت مضى. 

قال كاسيان: 

“لأن الرغبة تفيض في قلبه. ولأن عينيه يعميهما الهوى حتى لا يعود يرى شيئًا.” 

ابتسم تيوبه بمرارة. 

“أليس هذا هو الوقت الذي ينبغي لي أن أمنعك فيه؟” 

ابتسم كاسيان برفق. 

“من كان يُصغي للنصيحة فلم تكن عيناه قد أعمتهما الرغبة بعد.” 

ثم أدار بصره بعيدًا عن تيوبه، الذي ظل يحدق فيه في حيرة 

ونظر عبر النافذة إلى البعيد. 

أما العقد الذي كان يمسكه فقد تجعد تمامًا بين أصابعه. 

نعم، في النهاية لم يكن هذا الكرم السخيف إلا فعلًا يخفي نوايا حالكة السواد، ما أشبهه فعلًا بدماء آل بلانشيت النبيلة والملوثة في آنٍ واحد ولم يعد يملك إلا الاعتراف بذلك. 

هل سأله المشرف لماذا يقدم له كل هذا الكرم؟ 

حين قال إن الإحسان المشروط ليس إحسانًا حقيقيًا كان صادقًا 

في تلك اللحظة على الأقل، لكن حين يفكر في الأمر الآن يدرك أنه كان يكذب فهذا العقد العبثي ليس إحسانًا أصلًا، إنه وثيقة تخفي سمًا أسود في هيئة معروف. 

كل شيء سيتغير وسينهار بناءً على الجواب الذي سيكشفه هذا العقد عن قلبكِ. 

ومع ذلك ألا أستحق بهذه الشروط ذلك القدر من الإجابة؟ 

هل كنت بالنسبة إليكِ مجرد عاشق عابر كأحد الفصول؟ 

أم كنت الشخص الذي سيبقى فصلًا خالدًا في حياتكِ؟ 

‘على الأقل يجب أن أعرف ذلك…’ 

‘قبل أن أمنحك الإجابة التي تستحقينها.’ 

***

لقد غيّر العقد كل شيء، صفّق نائب مدير برج السحرة فور اطلاعه على قيمة التمويل، لكن ما إن وقعت عيناه على اسم الجهة الراعية حتى اتسعتا دهشة ثم ألقى بنفسه بكل حماس في المشروع. 

وبدأ برج السحرة يتحرك بسرعة غير مسبوقة. 

كان اسم بلانشيت وحده كافيًا لإحداث هذا الزلزال فالكل راح يعمل ليل نهار طمعًا في لفت انتباه الدوق القادم بلا منازع. 

تقدمت المواعيد باستمرار، وانطلق المشروع نحو الاكتمال بسرعة مذهلة أما نائب المدير الذي لم يكن يكف سابقًا عن التذمر بسبب نقص التمويل فقد أصبح الآن يستقبل التقارير بوجه بشوش. 

قال وهو يتصفح التقرير: 

“حقًا مهما قرأته يبقى تقريرًا متقنًا لا تشوبه شائبة.” 

تردد قليلًا أمام هذا التغير المفاجئ في معاملته ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وانحنى باحترام. 

“شكرًا جزيلًا.” 

وبدا نائب المدير محرجًا بعض الشيء فحنى رأسه وأضاف بخبث خفيف:

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.