مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 107: 107نحو 8 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 107: 107

107

الفصل مائة وسبعة 

جلستُ أمامه، أحدق في المرأة الشاحبة الجالسة قبالتي. 

إلى جوارها جلس رجل بدا أنه رئيسها في العمل، يرمقني بنظرات حادة لا تخلو من الريبة. كانت عيناه تمتلئان بالحذر والشك. 

لقد جئت إلى هنا بنية حسنة لكن الجو الذي استقبلني لم يكن مرحبًا على الإطلاق. 

ومع ذلك لم يكن لي أن ألوم أحدًا سوى نفسي فأنا من اخترت أن أصل إلى هذه المرحلة وكما قال تيوبه لقد كان فعلًا أحمقًا. 

قال لي إن هذا التصرف لا يشبهني وإنه لا يليق بي وكان محقًا تمامًا، منذ اللحظة التي أخفقت فيها في استخدام هذه المرأة للإطاحة بالكونت ألتِن بدأ كل شيء ينهار. 

ومنذ أن التقيت بها لم يسر أي شيء كما خططت له. 

تحول كل شيء إلى فوضى وانحرف عن مساره لكن طيّ صفحة ممزقة مرة أخرى لن يغيّر شكلها. 

ووجودي هنا لم يكن سوى نتيجة أخرى من النتائج التي لم يكن بالإمكان توقعها، والتي تسببت بها هذه المرأة، بل بدأ كل ذلك منذ اللحظة التي قلت لها فيها افعلي ما تشائين. 

لا، حتى قبل ذلك. 

منذ أن سرنا معًا على ذلك الشاطئ الذي غمرته أشعة الشمس. 

وسواء أعجبني ذلك أم لا كان عليّ الاعتراف، لقد أصبحت هذه المرأة أكبر متغير في حياتي. اجتاحت عالمي الهادئ كموجة باردة، ولا تزال تعبث بأفكاري ومشاعري، بلا نظام ولا توقع ولكي أمنع هذا الخطر من التفاقم لم يبق أمامي سوى خيارين إما أن أتركها تختفي كما تريد أو أن أبقيها إلى جانبي إلى الأبد. 

الكلمات التي قلتها لها حين أخبرتها أن القرار قرارها لم تكن سوى كذبة لأنه إن اختفت فلن تفعل سوى أنها ستحتل مساحة أكبر داخل قلبي وحتى تُستنزف مشاعري بالكامل لن أسمح لها بالرحيل وكما هي عادتي أنا لا أفرط أبدًا فيما أعجز عن السيطرة عليه. 

فالدم الملوث الذي يجري في عروق آل بلانشيت لا يتخلى عما وضع يده عليه، منذ البداية كان اختيارها قد حُسم بقراري أنا. 

***

وضع تيوبه ملفًا مرتبًا بعناية فوق الطاولة وقال بهدوء: 

“هذا هو العقد… يُرجى الاطلاع عليه.” 

أخذت العقد بلا تفكير ولا أزال عاجزًا عن استيعاب ما يجري. 

‘كيف انتهى الأمر إلى هذا؟ ولماذا يقف أمامي الآن؟’ 

لم يكن أي شيء منطقيًا. 

كانت أفكاري عاصفةً هوجاء تدور بلا توقف. 

لماذا جاء بنفسه ليسلمني هذا العقد؟ 

ما زلت أسمع صوته البارد في الماضي حين سألني: 

〈”ولِمَ ينبغي لي أن أساعدكِ؟” 〉 

أما الآن فكأن ذلك الماضي لم يوجد قط. 

كان ينظر إليّ بهدوء وكأن كل شيء طبيعي. 

وقبل أن أستوعب ما يحدث مدّ مشرفي يده، وأخذ العقد من بين يدي ثم بدأ يقرأه بدقة أما ذلك الرجل فلم يرفع عينيه عني. 

كانت نظراته تنساب فوق ملامحي ببطء. 

هادئة، يصعب قراءتها، ومع ذلك كانت تثقل أنفاسي. 

‘هل كان كل ما فعله مؤخرًا من لطف ومن نبرة هادئة 

مجرد تمهيد لهذه اللحظة؟ هل رفعني فقط ليراني أسقط؟ هل كان يريد أن يستمتع بمشهد انهياري؟’ 

كلما استرجعت ما حدث ازداد تصرفه غرابة، خصوصًا بعد أن حاولت قتله. إن كان يخطط منذ البداية لأقسى أنواع الانتقام فلعل هذه هي اللحظة التي انتظرها. 

امتد القلق من صدري حتى أطراف أصابعي، أخفيت يدي المرتجفتين داخل أكمامي وظللت جامدة في مكاني وفجأة شدّ مشرفي العقد بكلتا يديه. 

صار تنفسه ثقيلاً ومتقطعًا، وظلت عيناه معلقتين بالأوراق ممتلئتين بشيء لم أستطع فهمه. 

وبينما كنت على وشك الغرق في اليأس أعاد العقد إليّ وقال: 

“ينبغي أن تطّلعي عليه أنتِ أيضًا.” 

لم أستطع الكلام وأضاف: 

“أريد أن أتأكد أنني لم أتوهم ما قرأته.” 

حين نظرت إلى عينيه وجدتهما ترتجفان قليلًا. 

‘ما الذي كُتب في هذا العقد؟ وأي لعبة جديدة هذه؟’ 

وبنوع من الاستسلام خفضت بصري إلى الأوراق. 

بدأت يدي ترتعش بلا إرادة، وأكثر ما كنت أكرهه أن يراها ترتجف، لم أرد أن أصبح وسيلة أخرى لتسليته. 

أخذت عدة أنفاس عميقة ثم أجبرت نفسي على القراءة وعندها رأيت الكلمات ولم أصدق عيني. 

‘سيموّل المشروع بالكامل؟! ومن دون أي شرط؟!’ 

أعدت قراءة السطور مرة تلو الأخرى، معتقدة أنني أسأت الفهم 

لكن العقد كان ينص على ذلك بوضوح. 

التفت إلى مشرفي فوجدت على وجهه صدمة تفوق صدمتي. 

نظر إليّ، وكانت تلك النظرة وحدها كافية لأدرك أنه قرأ الشيء نفسه وأنه مذهول مثلي تمامًا ثم التفت نحو الرجل الجالس أمامنا. 

وسأله: 

“هل تقصد أنك ستتكفل فعلًا بتمويل مشروعنا بالكامل؟” 

جلس الرجل بهدوء، كتمثال بجعة سوداء أنيقة. ووضع فنجان الشاي برفق على الطاولة ثم ابتسم ابتسامة هادئة. 

“صحيح.” 

“تقصد التمويل الكامل حتى انتهاء المشروع؟” 

أومأ برأسه ببطء. 

وبقي وجهه هادئًا ومهذبًا كما هو دائمًا وإن احتفظ ببرودته الخاصة. 

وحين نظرت مجددًا إلى مشرفي رأيت في عينيه شرارة حماس قوية كان يحاول إخفاءها بكل ما أوتي من قوة لكن ليست كل المشاعر قابلة للإخفاء بالإرادة وحدها. 

ورغم محافظته على رباطة جأشه طوال هذا الوقت لم أستطع إلا أن أتخيل كم عانى في الخفاء فثقل قلبي تعاطفًا معه. 

أما يده الممسكة بالعقد فكانت ترتجف قليلًا. 

وبعد صمت بدا طويلًا أومأ الرجل برأسه إلى شخص يقف خلفه 

عندها فقط انتبهت إلى الرجل الواقف بجواره. 

كان هو المساعد نفسه الذي رأيته في المرة السابقة وكعادته تحرك بسرعة ودقة ووضع قلمًا في يد مشرفي، أمسك مشرفي بالقلم لكنه تردد وذلك لم يكن يشبهه أبدًا، خصوصًا لرجل أمضى سنوات طويلة يبحث عن ممول. 

كانت عيناه الحادتان تبحثان عن المنطق، لا عن المشاعر. 

ثم قال بصوت هادئ، لكنه ثقيل: 

“حقًا… لا توجد أي شروط؟” 

مددت يدي وشددت بخفة على كم معطفه لكنه بقي ثابتًا وقد فهمت السبب، فهو رجل يؤمن بأن اللطف الحقيقي لا يأتي مجانًا أبدًا. 

إنها نظرة باردة لكنها واقعية باستثناء ما يتعلق بذلك الشخص كان دائمًا يرفض الانسياق وراء العواطف. 

نظر إليه الرجل باهتمام خفيف ثم أجاب: 

“إن وُجدت شروط فلن يعود ذلك إحسانًا.” 

وكأن شيئًا ارتخى داخل مشرفي فلانت ملامحه قليلًا لكن حذره لم يختفِ تمامًا فسأل مجددًا: 

“إذن أود أن أعرف لماذا طلبت تحديدًا حضور مساعدتي اليوم.” 

كان سؤالًا منطقيًا، فمنذ وصول الرسالة التي طلبت حضوري وهو يتساءل عن السبب، خصوصًا أنه لا يعلم شيئًا عن الماضي الذي يجمعني بهذا الرجل وللإنصاف حتى أنا لم أفهم سبب تغيره المفاجئ. 

حول الرجل نظره نحوي وانزلقت عيناه الحمراوان، كالياقوت على جسدي من أعلى إلى أسفل ثم قال: 

“أردت فقط أن أراها. وأن أعرف مقدار الشغف الذي تحمله.” 

وانحنت عيناه بابتسامة مرحة وهو ينظر إليّ لكن إجابته المبهمة لم تفعل سوى زيادة شكوك مشرفي. 

“ما زلت أود معرفة سبب هذا الكرم الكبير.” 

جفّ حلقي. 

‘بماذا سيجيب؟ هل سيتحدث عني؟ وإن فعل فكيف سيصف علاقتنا؟’ 

في الحقيقة حتى أنا لم أكن أستطيع تعريف طبيعة العلاقة التي تربطني به ومع ذلك لولا وجودي فما السبب الذي يدفعه للمجيء إلى هنا وعرض كل هذه المساعدة؟ 

اختلطت مشاعري حتى تحولت إلى ضباب رمادي كثيف. 

كلما ثبتت عيناه الحمراوان عليّ ازداد ضيق صدري وظلت أعيننا متشابكة دون أن يشيح أحدنا بنظره. 

عقد ساقًا فوق الأخرى ووضع فنجان الشاي برفق على الطاولة 

ثم قال: 

“فلنقل إن لدينا الهدف نفسه.” 

كرر مشرفي بدهشة: 

“الهدف نفسه؟” 

اخترقتني نظراته بهدوء. 

ألقت أهدابه الطويلة ظلالًا تحت عينيه، وخلفها تلألأت حدقتاه القرمزيتان كالشمس وكما في كل مرة رأيت انعكاسي واضحًا داخلهما ثم قال: 

“هناك شخص يعني لي الكثير. وأنا أحاول العثور عليه.” 

كانت نظراته ثابتة إلى حد شعرت معه أنه يرى أعماق روحي. 

استقرت كلماته في ذهني واحدة تلو الأخرى. 

‘شخص يعني له الكثير، شخص يبحث عنه. هل لديه حقًا شخص كهذا؟’ 

عندها فقط لاحظت شيئًا مختلفًا في عينيه، نورًا لم يكن موجودًا من قبل وكان ذلك البريق الثابت موجهًا نحوي وحدي منذ البداية وحتى النهاية وفجأة أصبحت أنفاسي ثقيلة فأشحت بوجهي لكن وصلني صوته الناعم قريبًا من أذني. 

“حتى أولئك الذين يهربون ينبغي أن يفهموا قلب من بقي ينتظر.” 

كان صوته هادئًا ومنخفضًا، ذلك النوع من الأصوات المصقول للمجاملات الرسمية لكنه حمل وقارًا خافتًا ومسحة من التواضع. 

ورغم أنني أدرت وجهي ظللت أشعر بعينيه تستقران على جانب وجهي، كلما حاولت الهروب من حضوره ازداد ثقله. 

حتى خُيّل إليّ أنه يوجه كل تلك الكلمات إليّ وحدي وكأن كل ما قاله لي سابقًا من أن أرحل وأن أفعل ما أشاء. 

لم يكن سوى كذب، ولو على سبيل المستحيل إن كان هذا الرجل يحبني حقًا ولا ينوي أبدًا أن يتركني أرحل. ورغم أنني أعلم أن الأمر ليس كذلك لم أستطع منع تلك الفكرة من أن تتجذر في داخلي، عندها وصلني صوت مشرفي وأعادني إلى الواقع. 

“أفهم.” 

قالها بهدوء، ولحسن الحظ بددت نبرته ذلك التوتر الخانق. 

ثم أومأ برأسه وأضاف: 

“إذن سنبذل قصارى جهدنا حتى لا نخيب ظنك.” 

وبعد توقيع العقد نهض الرجل وكان يحمل بطاقة أعمال صغيرة. وقال: 

“اعتبارًا من اليوم يمكنكم إرسال أي مراسلات إلى هذا العنوان.” 

وبينما كان مساعده يرافقنا إلى الخارج بلطف ظل مشرفي يحدق طويلًا في البطاقة ثم توقفت عيناه عند اسم واحد. 

بلانشيت. 

ولأول مرة منذ زمن طويل رأيت ملامحه تتجمد تمامًا ثم قال بصوت خافت ارتجف قليلًا: 

“إذًا أنت تنتمي إلى عائلة بلانشيت…”

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.