الفصل 106: 106
106
الفصل مائة وستة
【لقد أثار هذا المشروع اهتمامي.
أود مقابلتك لمناقشة إمكانية تقديم الدعم المالي له.
يُرجى إرسال ردّك مرفقًا بظرف إلى قسم معالجة البريد.】
لعل هذا هو الشعور الذي ينتاب أرضًا أنهكها الجفاف طويلًا، حين تهطل عليها أمطار هادئة أخيرًا.
مهما أعدت قراءة الرسالة، بدت كلمات المرسِل واثقة، وكأن التمويل قد حُسم بالفعل، ما إن وقعت عيناي على كلمة «الراعي» حتى ارتجفت أطراف جفني. لكن ذلك الأمل الخاطف سرعان ما انطفأ، لا، بل الحقيقة أنني أجبرت نفسي على التخلي عنه فلم تكن هذه المرة الأولى، سبق أن أبدى أكثر من شخص اهتمامه بدعم مشروعنا ثم انهار كل شيء في النهاية. أن يرتفع الأمل في داخلك ثم يتحطم مرة بعد أخرى كان نوعًا من التعذيب بل إنني كنت أحيانًا أظن أنه لو لم يولد الأمل أصلًا لكان الأمر أرحم. ذلك الخوف الذي تعلمته عبر التجارب كان يسحق أي بصيص رجاء يحاول أن ينبت داخلي ومع ذلك لم يكن الأمل قد اختفى حقًا فلو كانت المشاعر البشرية بهذه البساطة لما كان هذا القدر من الألم موجودًا، وبينما كانت تلك الأفكار تتزاحم في رأسي انتبهت إلى الرجل الجالس بجواري.
‘مشرفي…’
هل رأى الرسالة؟ لا بد أنه رآها.
ألقيت نظرة جانبية فوجدت عينيه معلقتين بها.
‘كان ينبغي أن أقرأها وحدي.’
مرت الفكرة في ذهني بصمت، وبينما كنت عاجزة عن اتخاذ قرار قطع صوته الصمت.
“دعيني أتولى هذا الأمر. أنتِ فقط أكملي ما كنتِ تعملين عليه.”
“ماذا؟ لكن…”
ترددت فاشتدت نظراته قليلًا.
“من الواضح أنها مجرد قمامة مزحة من شخص يملك وقتًا أكثر مما ينبغي. تخلصي منها أو افعلي بها ما تشائين.”
عندها فقط بدأت ألاحظ ما كان غريبًا في الرسالة.
لم يكن على الظرف أي كتابة، لا ختم، ولا شعار، ولا حتى طابع بسيط يدل على الجهة المرسلة وفوق ذلك كان الظرف أسود قاتمًا، وكأنه تعمد أن يحمل رسالة بحد ذاته.
‘هل يمكن أن تكون مزحة فعلًا كما قال؟ لكن من الذي يجرؤ على إرسال مزحة كهذه إلى موظف حكومي؟’
وبينما كنت أغرق في التفكير عاد ذهني مرة أخرى إلى الليدي بيوشيل.
‘هل يمكن أن تصل إلى هذا الحد؟ هل هي حقًا من فعلت هذا؟’
اختلط الارتباك بالشك في رأسي، فمعظم تهديداتها السابقة كانت تتم دائمًا عبر استهداف الأشخاص المحيطين بي. ومع ذلك إن كانت هذه الرسالة آخر خيط أمل أملكه فلم أستطع أن ألقيها في القمامة كما طلب مشرفي.
طال ترددي فالتقت عيناي بعينيه الثابتتين، ورأيت فيهما رجاءً يائسًا لم أره من قبل. كانت يده الممسكة بالرسالة ترتجف قليلًا رغم محاولته المحافظة على هدوء ملامحه.
لم يكن قادرًا على رمي هذه الرسالة مهما حدث وكان ذلك مفهومًا فقد أمضى حياته كلها يبحث عن الشخص الذي افترق عنه دون تفسير، وبالنسبة إليه قد تكون هذه الرسالة كل شيء.
حين قال لي أن أتخلص منها فما كان يقصده في الحقيقة هو أنه سيتولى ذلك بنفسه إذا اضطر الأمر.
وكعادته كانت كلماته الخشنة تخفي اهتمامًا صادقًا بي.
لقد رآني أبكي قبل قليل دموعًا يغمرها الشعور بالذنب ومن الطبيعي أن يصبح أكثر حرصًا عليّ بعد ذلك ولهذا كان ينبغي أن أتماسك لكن في النهاية انهمرت دموعي من جديد بلا حول مني.
ولم أعد أملك الشجاعة لأصرّ على الذهاب بنفسي للبحث عن صاحب الرسالة، سلمتها إليه وكأنها انتُزعت مني ومنذ تلك اللحظة لم يبق أمامي سوى الانتظار.
***
كعادتي كنت أقلب الأوراق وأراجع الملفات وأوقع الموافقات لكن تركيزي كان قد تلاشى تمامًا. لم أعد أستوعب كلمة واحدة مما أمامي، كان ذهني يعود إلى تلك الرسالة مرارًا وتكرارًا.
بدت عقارب الساعة أعلى صوتًا من أي وقت مضى وازداد قلقي مع كل دقيقة، ورغم أن وقتًا قصيرًا فقط قد مر فإن الأفكار السوداء ملأت رأسي.
‘ماذا لو كان الراعي المجهول مجرد شخص يعمل بأوامر الليدي بيوشيل؟ وماذا لو كان الأمر فخًا آخر… ووقع فيه مشرفي؟ وماذا لو كنت أنا، مرة أخرى، سببًا في جر الجميع إلى الهلاك؟’
لم يكن الأمر مجرد قلق، بل بعد كل ما حدث كانت هذه احتمالات واردة للغاية.
شعرت وكأن الماء يرتفع حتى حلقي وأصبح التنفس صعبًا وكان قلبي يخفق بعنف حتى آلمني.
‘يجب أن أعيش، يجب أن أواصل السير.
على أحد جدران مبنى الإدارة كانت هناك لوحة بحر.
تذكرت أن ذلك البحر هو المكان الذي زاره مشرفي يومًا مع الشخص الذي ظل يبحث عنه. ومجرد النظر إلى اللوحة أعاد إلى ذاكرتي آخر لحظة جمعتني بذلك الرجل.
كدت أرى البحر الممتد خلفها وأسمع ارتطام الأمواج بالشاطئ وفجأة راودتني فكرة خطيرة.
‘ربما كل ما أريده هو أن أغرق في ذلك البحر الهادئ، لعلني هناك أجد السلام أخيرًا.’
***
بعد عودتي إلى السكن اطمأننت على حالة أمي ثم عدت إلى العمل لكن طوال الوقت ظل صدري مشدودًا بالقلق.
مشرفي لم يعد إطلاقًا في اليوم السابق وكان كل شيء يبدو خاطئًا، لقد غادر المبنى في وقت متأخر. لعلّه سلّم الرسالة ثم عاد إلى منزله مباشرة، لا بد أن الأمر كذلك لكن قلبي لم يهدأ.
ما إن دخلت المكتب حتى رأيت الأنوار مضاءة.
في الآونة الأخيرة لم يكن يصل قبلي أبدًا أما اليوم فكان جالسًا بالفعل خلف مكتبه وحين رآني نهض فورًا وكأنه كان ينتظرني.
كانت خطواته وهو يقترب مترددة على نحو غريب.
‘لابد أن شيئًا قد حدث.’
لكن ملامحه كانت مبهمة فلو كانت الرسالة مجرد مزحة لما ظهر بذلك الوجه، بدت عليه مسحة خجل ومزيج من التردد.
فسألته بسرعة:
“كيف سار الأمر؟”
ابتلعت ريقي بتوتر لكنه ظل صامتًا مطرقًا برأسه نحو الأرض.
بدا وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة وظل ساكنًا برهة يجمع شجاعته ثم رفع رأسه أخيرًا، وكانت ملامحه أغرب من أن تُقرأ.
‘يا ترى ماذا سيقول؟’
في العادة كان مشرفي نادرًا ما يُظهر أي انفعال، مهما كانت الظروف فقد أمضى سنوات طويلة في الإدارة حتى إن أحدًا لم يتذكر يومًا أنه رأى تعبير وجهه يتغير.
‘فلماذا الآن؟’
بلغ قلقي ذروته وشعرت بأن قلبي يغرق تحت ثقله.
وعندها دوّى صوته الأجش إلى جواري.
“وصل ردّ من الجهة الراعية.”
‘رد؟ هل قال رد؟’
إذًا لم تكن مزحة.
“رد…؟”
خرجت الكلمة من شفتي بصعوبة.
كانت ترتجف حتى إنني لم أستطع إكمال جملة كاملة.
وحين رآني على تلك الحال تابع حديثه بسرعة، وكأنه حسم أمره.
“طلبوا أن تأتي معي.”
أربكتني جدية كلماته.
وفي لحظة انفرج ذلك التوتر الذي كان يخنقني.
“هذا هو الشرط؟ إذا ذهبت فسنحصل على التمويل؟”
ارتجف صوتي من شدة الحماس.
“حقًا…؟”
هز رأسه بتردد.
“هذا ما كُتب في الرسالة لكن لا يزال هناك شيء مريب.”
عندها فقط بدأت أنا أيضًا أشعر بأن الأمر غريب، ففي مشروع بهذا الحجم كان من الطبيعي أن يرغب الراعي في مقابلة المسؤول عنه لكن المسجل رسميًا بوصفه مدير المشروع كان مشرفي فينسنت وبحسب المنصب والصلاحيات فهو المشرف الرئيسي
أما أنا فلست سوى مساعدة تتولى أعمالًا ثانوية، بل إن معظم الناس خارج الإدارة لا يعرفون اسمي أصلًا.
‘فلماذا طلبوا أنا تحديدًا؟ هل تكون الليدي بيوشيل فعلًا؟ هل هذه طريقتها الجديدة لإيذاء من حولي؟’
لقد عقدت العزم على إنهاء كل شيء قبل موعد زفافها.
فلماذا حتى ذلك أصبح يبدو مستحيلًا؟
‘هل أذهب إليها وأتوسل؟ أرجوها ألا تزج بالآخرين في الأمر؟’ هل أبرم معها صفقة مهما كانت مهينة؟’
مجرد التفكير في ذلك جعل الدنيا تسود أمام عيني.
كانت المصائب تتبعني دائمًا وكأن ذلك هو الطبيعي.
وقفت في مكاني عاجزة عن قول أي شيء، ولم أستعد وعيي إلا عندما ناداني مشرفي.
“يوريسييل؟ هل أنتِ بخير؟”
“نعم… أنا بخير.”
عندها أخبرني أنني لست مضطرة لمرافقته وأنه سيذهب وحده ثم تناول معطفه لكن وقبل أن يخرج من الباب استفقت فجأة.
“لا أرجوك. دعني أذهب معك.”
إن لم يكن الشخص الذي ينتظرنا تابعًا لليدي بيوشيل بل شخصًا يعرفني صدفة أو مهتمًا بالمشروع بصدق فإن تفويت هذا اللقاء قد يعني خسارة كل شيء فالتمويل يعتمد في النهاية على انطباع الراعي
ولا داعي لإثارة استيائه دون سبب.
ظل مشرفي يكرر أن نوايا الراعي تبدو مريبة لكن في النهاية لم يستطع ثني عزيمتي.
***
ركبنا العربة معًا، واهتزت بنا فوق الطريق حتى توقفت أمام مبنى مألوف.
‘فندق ماريوت؟’
كان مبنى ضخمًا يبهر الأبصار، ذلك النوع من الأماكن الذي يجعلني أتوتر تلقائيًا لأنه يذكرني بذلك الرجل.
وتسللت إلى رأسي فكرة جنونية.
‘أيمكن أن يكون هذا المكان أيضًا جزءًا من خطة الليدي بيوشيل؟’
لم يكن هناك سبب منطقي لهذا القلق فالماريوت مجرد فندق
لكنني سمعت أن طوابقه السفلية وبعض أجنحته الخاصة مخصصة لكبار الأثرياء والضيوف المميزين.
استقبلنا أحد الموظفين وأخبرنا أنه سيرشدنا إلى صالة استقبال الضيوف فسرنا خلفه.
زرت فندق ماريوت مرات كثيرة لكن هذه أول مرة أصل فيها إلى هذا الجزء منه.
حتى ردهة الطابق الأول بدت مختلفة تمامًا عما أتذكره ومع ذلك احتفظت بالفخامة المبالغ فيها نفسها التي كانت تذكرني به.
بعد صف طويل من التماثيل الباهظة ظهرت أمامنا مقهى واسعة
لكنها كانت خالية تمامًا لم يكن فيها شخص واحد. كنت أتوقع أن تكون مزدحمة في مثل هذا الوقت لكنني أقنعت نفسي أنها مجرد مصادفة فلو لم أفعل لأصبح كل تفصيل صغير وقودًا لمخاوفي.
كان الانتظار كأنني أجلس فوق الأشواك.
رغم أن المقعد الوثير الذي جلست عليه كان شديد النعومة فإن أفكاري كانت متشابكة بصورة لا تُحتمل.
أحضر الموظف، ببدلته الأنيقة أكوابًا من الشاي الساخن.
ظل مشرفي يكرر ألا أقلق لكن وجهه نفسه كان مليئًا بالتوتر.
وصلنا باكرًا لذلك بقي بعض الوقت قبل الموعد وبدأت حرارة الشاي على الطاولة تبرد تدريجيًا ثم وقبل أن نتوقع دبّت حركة هادئة في المكان، بدا أن الراعي قد وصل.
نهضت أنا ومشرفي في الوقت نفسه.
وتردد وقع الأحذية المصقولة فوق الأرض.
استدرت ببطء فرأيت شخصًا مألوفًا يتقدم نحونا وما إن تبيّن لي وجهه حتى تجمد جسدي كله.
‘…لماذا أنت هنا؟’
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.