الفصل 105: 105
105
الفصل مائة وخمسة
‘بماذا يفكر هذا الرجل بحق السماء؟’
بعد أن تحريت الأمر، علمت أن عمه، الكونت ألتِن، لم يُطرد رسميًا من عائلة بلانشيت، بل انتهت القضية بهدوء بعدما أُبعد عن مقر العائلة لا أكثر. لم أكن أعرف السبب الحقيقي، لكنني استطعت أن أستنتج أمرًا واحدًا.
والده، الدوق ديفيرون، ربُّ أسرة بلانشيت، رجل طيب القلب لكنه متردد وضعيف الحسم. حتى في الماضي، عندما كاد يفقد حياته بسبب الكونت ألتِن، كان رد فعله على القدر نفسه من التهاون، ولو كانت الفضيحة أكبر من أن تتحملها العائلة وأرادت طمسها فبحلول الآن، كان ينبغي للكونت ألتِن أن يدفع حياته ثمنًا لما اقترفه ذلك وحده كان سيكون العقاب المستحق.
ومع ذلك سُمح له بالعيش وليس لذلك سوى تفسير واحد
لكن هذا الرجل مختلف.
لو كان له إخوة لما تردد في القضاء عليهم بلا رحمة. وكان من الطبيعي تمامًا أن يطيح بعمه أيضًا، بل كان يستطيع أن يستغلني لتحقيق ذلك حتى لو انتهى الأمر بموتي فأنا على يقين بأنه كان سيمضي في خطته دون أدنى تردد ومع ذلك لم يفعل.
مهما أطلت النظر إليه أعجز عن قراءة التعبير المرتسم على وجهه.
كان جانب وجهه يدخل مجال بصري بهدوء، ساكنًا، عصيًا على الفهم وكأنه شعر بنظراتي أدار رأسه نحوي ببطء.
وقبل أن تلتقي أعيننا مباشرة أشحت بنظري على عجل.
كلما انعكست صورتي كاملة داخل عينيه الحمراوين أشعر وكأن الهواء يختفي من رئتي، وكأن صدري يحترق.
وهذه هي الطريقة الوحيدة لتجنب ذلك، لكن حتى وأنا أشيح بوجهي لم أستطع أن أبتعد عنه تمامًا.
كنت لا أزال أشعر بنظرته ترتطم برفق بجانب وجهي.
مرّت نسمة باردة فخلع معطفه ووضعه على كتفيّ، ثم رتبه حولي بعناية وكأنه يخشى أن يتركني للبرد.
سألته بصوت خافت:
“لماذا أبقيتني على قيد الحياة؟”
اجتاح الهواء البارد قرص الشمس الآخذ في المغيب وتطاير شعري أمام وجهي واحمرّ العالم للحظة ثم انقشع الشعر، فعادت صورة الغروب إلى عيني حينها تبعني صوته الهادئ.
“سيكون كذبًا لو قلت إنني لم أرغب يومًا في قتلكِ.”
“إذًا لماذا؟”
“أنا أخبركِ منذ البداية ألا تختفي. هذا ما كنت أقوله لكِ بكل ما أملك، ألم يكن ذلك واضحًا؟”
كان صوته منخفضًا، تغمره مسحة من الحزن الصامت.
لم يحمل أي حدّة بل كان الهدوء ذاته الذي اعتدت سماعه منه
ولهذا حين نظرت إلى وجهه بدا مختلفًا عن كل مرة.
ارتعشت في عينيه لمعة خفيفة داعبتها الريح، وكانت زوايا شفتيه ترتفع قليلًا كما لو أنه يحبني حقًا، وللحظة واحدة كدت أصدقه.
مرّ داخلي شعور خافت بالذنب كهبّة ربيع عابرة.
كانت تلك أول مرة أشعر فيها بشيء كهذا تجاهه، لكن وكما هي طبيعة الريح لم يلبث ذلك الشعور أن مضى.
فكرة أنه قد يهتم لأمري لم تكن سوى تموج سطحي عابر شيء زائف وضحل ليس أكثر.
ما زال يحتفظ بين يديه بكل ما أحتاج إليه ولا يمنحني منه شيئًا
فأي سبب يدفعني لأكنّ له مشاعر؟
في الحقيقة لم يكن أمامي سوى التفكير بهذه الطريقة كي أستطيع الاستمرار، حتى الآن كان عليّ أن أقنع نفسي بأن هذه اللحظة ستمضي وبأنني سأنسى كل شيء ما إن تنتهي.
حين أدرت رأسي رأيت الموج يتكسر إلى زبد.
كانت الموجة التي لامست الشاطئ قبل لحظة قد اختفت بالفعل.
‘نعم، ابتسامته وكلماته ستتلاشى هي الأخرى. تمامًا كالزبد الممتد أمامي. وستختفي من حياتي دون أن تترك وراءها أي أثر.’
***
جلست داخل العربة.
وكان اهتزازها المنتظم يهدئ أفكاري شيئًا فشيئًا.
منذ ذلك اليوم لم يعاملني الرجل إلا بكل هدوء ولطف.
صرنا نتبادل أحاديث طبيعية ونتناول وجبات لا أستحقها.
وعندما كان يوصلني إلى خلف الساحة كنت أرى العناية الكامنة في كل تصرف يقوم به.
صوته الهادئ ولمساته المليئة بالاهتمام كل ذلك لم يكن يبدو حقيقيًا بالنسبة لي، كان تغيرًا أعجز عن تصديقه.
وبالطبع كنت قد سمعت الكثير عن قصص الحب التي يعيشها أبناء النبلاء لكنني لست واحدة من أولئك النبيلات بل إنني بدأت أتساءل أحيانًا…
‘هل أخطأ وظن أنني شخص آخر؟’
لكن لم يكن لدي متسع من الوقت لأغرق في هذه الفوضى العاطفية، وكعادتي ما إن أسرعت في طريقي إلى العمل حتى اختفت كل أفكاري عنه دون أثر.
كان عليّ أن أعرف ماذا سأفعل اليوم.
ومن الذي يجب أن أتواصل معه وكم رسالة رفض تنتظرني.
حتى مجرد التفكير في ذلك كان يجعل التنفس صعبًا.
ويثقل صدري.
وبينما كنت أستدير بسرعة عند أحد الممرات رأيت عددًا من الموظفين يتجمعون وهم يتهامسون حول شيء ما.
لم يكن فضولهم أمرًا غريبًا فهم دائمًا مولعون بأخبار الآخرين.
لكن توقفت خطواتي فور سماعي اسمًا مألوفًا.
“هل سمعتم؟ يقولون إن وريث آل بلانشيت مفتون تمامًا بالليدي بيوشيل.”
“سمعت أنهما يلتقيان سرًا.”
“يا للرومانسية، مع أنه نادرًا ما يحضر المناسبات الاجتماعية.”
“وقيل إن الفيكونت كاسيان أرسل إليها باقة زهور.”
وفي اللحظة التالية وقعت عيناي على عناوين الصحف.
وكأنها جاءت لتؤكد كلامهم.
「حب الفيكونت كاسيان لليدي بيوشيل أقوى مما كان متوقعًا.
هل تصبح الليدي بيوشيل دوقة بلانشيت قريبًا؟
تحالف مرتقب بين آل بيريوت وآل بلانشيت.」
وتجددت الهمسات من جديد.
“لكن هناك أمر غريب، ابن عمي يعمل في محل للزهور، وقال إن الزهور التي طلبتها عائلة بلانشيت كانت أزهار القطيفة.”
القطيفة، زهرة ترمز إلى ألم الفراق. وفي المجتمع الأرستقراطي تُستخدم غالبًا للدلالة على الرفض أو إنهاء العلاقة.
“لا بد أنهم أخطأوا. لماذا يقابلها بنفسه إذا كان يريد رفضها؟ أو ربما الفرسان الذين ذهبوا لإحضار الزهور اختاروها لأنها جميلة فقط.”
“صحيح. الرجال قد يهملون مثل هذه التفاصيل.”
مرت تلك الهمسات بجانبي كريح عابرة وسرعان ما صمتت المرأة التي أثارت الشك أولًا وعاد الحديث إلى نهايته المعتادة.
قصة حب مثالية، رجل يعشق امرأة.
لطالما انجذب الناس إلى النهايات السعيدة.
وربما كان من الطبيعي أن يظن الجميع أنه لا توجد امرأة تليق به أكثر من الليدي بيوشيل حتى أنا كنت أتوقع هذه النهاية.
ورغم أنني لم أستطع أن أباركها فلم يكن هناك ما يدعو للدهشة.
على الأقل هذا ما ظللت أقنع نفسي به، لكن لسبب لا أعرفه هوى قلبي فجأة.
هل لأن الرجل الذي يعاملني بهذه الرقة ويقول لي تلك الكلمات كان يرسل الزهور سرًا إلى امرأة أخرى؟
أم لأنني كنت أخشى أن يُستغنى عني؟
أيًا كان السبب كنت أعلم جيدًا أنه لا يحق لي أن أشعر بهذا.
ومع ذلك تحرك شيء داخلي، شيء غريب لم أختبره من قبل.
ولحسن الحظ ما إن دخلت مبنى الإدارة حتى تبددت تلك المشاعر الملتوية تمامًا، وفي الطاولة الوسطى رأيت مشرفي نائمًا.
كانت رائحة الكحول تملأ المكان وعلى الطاولة الجانبية تناثرت عدة زجاجات فارغة، بدا أنه غلبه النوم هناك.
لم يكن يومًا رجلًا يسمح لنفسه بالانهيار هكذا.
ورؤيته بتلك الهيئة أثقلت صدري بالذنب.
وفي اللحظة نفسها اختفت كل أفكاري عن ذلك الرجل وكأنها لم تكن موجودة أصلًا.
كيف استطعت أن أنشغل بمشاعر تافهة كهذه بينما ما زالت هذه المشكلة الخطيرة دون حل؟
شعرت بالخجل من نفسي بل بالاشمئزاز أيضًا، بينما كنت أقابل ذلك الرجل من أجل عملي كان مشرفي يتحمل كل هذا الألم وحده، وبعد أن رأيت الليدي باوروبين تتخلى عن البحث عن ابنتها بسببي وبعد أن شاهدت مشرفي ينهار أمام عيني تجرأت مع ذلك على التفكير في أمور كهذه.
***
جلست إلى مكتبي، ودفنت نفسي داخل أفكار باردة موصدة ثم بدأت أقلب الأوراق، أختم المعاملات، وأرتب الملفات، مرة بعد أخرى، وكالعادة كانت النهاية كومة جديدة من رسائل الرفض.
لقد أرسلت طلبات دعم إلى عدد لا يُحصى من الجهات حتى إنني لم أعد أجد شخصًا آخر أراسله. ومع ذلك مهما قرأت تلك الرسائل لم أعتد عليها يومًا، حتى بعدما رأيتها آلاف المرات كانت تضغط على صدري في كل مرة.
ماذا سأقول لمشرفي عندما يستيقظ؟
لا بد أن أتصرف وكأن شيئًا لم يحدث كما أفعل دائمًا.
ظللت أكرر هذا القرار داخلي وأبنيه كقلعة رملية هشة.
تكفي نسمة واحدة لتهدمها، وبعد أن رميت جانبًا عدة رسائل يائسة أخرى وصلت إلى الرسالة الأخيرة، لم يكن على ظرفها أي ختم.
ولهذا لم أشعر بأي أمل هذه المرة أيضًا.
تنهدت ومددت يدي لأفتحها، وفي تلك اللحظة تحرك مشرفي واستفاق، بدا عليه الحرج وكأنه يخجل من أن يراني وهو بهذه الحالة، تمتم بأنه سيعود إلى مقر إقامته ثم مضى بخطوات طويلة.
وأثناء مروره بجانبي نظر إلى الرسالة التي في يدي ثم ابتسم ابتسامة باهتة، متعبة وقال:
“لا ترهقي نفسك أكثر من اللازم ستنهارين إذا استمررتِ هكذا.”
كان صوته الخشن المعتاد يحمل دفئًا هادئًا، ولهذا أصبح النظر إلى وجهه أصعب، كان يبتسم رغم أنه مستنزف تمامًا.
شخص مثلي لم يقدم له شيئًا في المقابل، لا بد أنني أصبحت عديمة الفائدة بالنسبة إليه ومع أنه يعرف أن كل ما حدث كان بسببي فهو ما زال انهمرت دموعي بلا توقف. ومن خلال رؤيتي الضبابية رأيت مشرفي ينظر إليّ بقلق ومع ذلك ها أنا أبكي مجددًا وأفكر في نفسي وحدها وأحاول غسل شعوري بالذنب بالدموع.
‘كم هو أمر مقزز…’
وزادني ذلك التفكير بؤسًا فازدادت دموعي انهمارًا.
“أنا آسفة… أيها المشرف.”
وكعادته الخشنة ألقى منديلًا فوق الطاولة.
لم تكن يده ناعمة كأيدي النبلاء التي رأيتها من قبل، بل كانت خشنة تغطيها آثار العمل الشاق. لم أستطع أن أنظر إليها.
خفضت رأسي وكررت بصوت خافت، وكأنني أحدث نفسي.
“أنا آسفة حقًا… أيها المشرف.”
وربما كان منظري وأنا أبكي مؤلمًا إلى هذا الحد.
لأن صوت خطواته، الذي كان قد ابتعد بالفعل عاد من جديد.
ومن خلال دموعي رأيته يضع أمامي كأسًا من الماء ثم قال بصوت هادئ:
“توقفي عن البكاء فليس هذا خطأكِ.”
لكن إدراكي أنني سببت له مزيدًا من المتاعب بانهياري جعلني أشعر بسوء أكبر فمسحت دموعي على عجل وحين بدأت رؤيتي تستعيد وضوحها أخيرًا وقعت عيناي على شيء لم أصدق وجوده.
الكلمات المكتوبة على الرسالة الأخيرة جمدت يدي في مكانها.
وبدأت ترتجف بلا سيطرة.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.