مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 104: 104نحو 8 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 104: 104

104

الفصل مائة وأربعة 

كان كل شيء في تصرفات ذلك الرجل مختلفًا عما اعتادت عليه حتى صوت أنفاسه بدا وكأنه تغيّر. 

كان في عينيه أثرٌ من اللين، أما البرودة التي كانت تحيط به دائمًا فقد استحالت إلى دفءٍ يشبه أوائل الربيع. 

‘لا بد أن هذا كله كذب.’ 

وإلا فلن يكون لأي شيء مما يحدث الآن أي معنى. 

لقد كان دائمًا رجلًا لا يمنح أحدًا شيئًا، ولا يقدم سوى الحد الأدنى الذي يضطر إليه. ومن المرجح أن كل ما يفعله الآن ليس سوى قناع آخر من الأكاذيب تمامًا مثلها هي. 

التي عاشت متنكرة في هيئة لا تشبه حقيقتها، كدمية صُنعت من مشاعر عديمة اللون لكن سواء كان صادقًا أم لا، لم يكن ذلك هو المهم، مهما كان الدافع الغريب الذي جعله يمنحها دواء والدتها فالنتيجة وحدها هي ما كان يعنيها. 

ومع ذلك كلما مضت الساعات واقترب الليل، أصبح من المستحيل ألا تغرق في الأسئلة. 

‘هل هذه حقًا عقوبة الخائن؟’ 

لا إعدام، ولا نفي، ولا حتى سجن، بل هذا فقط؟ 

ومن الطبيعي أن تشك فيه مرة بعد أخرى، فكلما ازداد لطفًا ازداد شكها فلا أحد يسامح ببساطة شخصًا خانه وحاول قتله إلا إذا كان أحمق أما ذلك الرجل فلم يكن أحمقًا قط، بل كان من النوع الذي يسحق كل تهديد بأقصى درجات القسوة والكفاءة. 

هكذا كانت سمعته دائمًا، وهكذا وصفه الجميع في كل الروايات التي سمعتها عنه، ولهذا السبب جاءت إلى هنا وهي مستعدة للموت. 

ولم يكن يحق لها حتى الاعتراض لو بصق في وجهها وسألها كيف تجرأت على العودة بعدما حاولت خداعه، لكن بدلًا من ذلك تصرف وكأن شيئًا لم يحدث. 

بدأ خاطر مرعب يتسلل إلى ذهنها. 

‘ربما العقوبة التي أعدها لها أسوأ من الموت.’ 

ربما يريد أن يمنحها أملًا زائفًا ثم يعذبها به ببطء حتى تنهار من الداخل، كان قادرًا على فعل شيء كهذا دون أدنى تردد. 

وفي أي لحظة قد يعود إلى بروده السابق ويلقي بها بعيدًا ولن يستغرب أحد ذلك. 

لم تهدأ مخاوفها إلا عندما غادر الغرفة أخيرًا فقد بدا أنه لم يغيّر رأيه، كان هادئًا، ثابتًا، لم يتراجع. 

وامتزج الارتياح بالحيرة داخلها، تاركًا قلبها غارقًا في ارتباك صامت. 

حدقت طويلًا في الباب الذي خرج منه وفجأة عاد إلى ذاكرتها تلك القبلة الرقيقة التي طبعها على شفتيها، حتى وهي في طريق العودة إلى مقر إقامتها كانت لا تزال تشعر بحرارة شفتيه. 

صحيح أنه لم يكن عنيفًا معها في الماضي أيضًا لكن هذه المرة كان مختلفًا، في السابق كان يشبه نارًا تصطدم بالفولاذ أما الآن فأشبه بنسيم ربيعي يذيب آخر بقايا الشتاء ولهذا ازدادت حيرتها أكثر. 

‘لماذا يتصرف هكذا؟’ 

وقفت عند زاوية شارع هادئة خارج المبنى. 

كانت الأوراق اليابسة تتدحرج عند قدميها وهي تصدر خشخشة خافتة، لفها برد الليل وأعاد إليها شيئًا من صفاء عقلها. 

ما زالت لا تعرف ما الذي غيّره لكن شيئًا واحدًا أصبح واضحًا. 

لم يعد بحاجة إلى شهادتها فمنذ ذلك اليوم لم يذكرها ولو مرة واحدة. 

تذكرت ملامحه عندما سخِر من عرضها، حين قالت إنها ستشهد لصالحه، أجابها بثقة مطلقة: 

〈”إن فعلتِ فسوف تموتين.”〉 

ومع ذلك كان في عينيه آنذاك شيء غريب فهو رجل لن يهتم لو اختفت من الوجود، إذًا لماذا نظر إليها بتلك الطريقة؟ 

بالطبع لم يكن ذلك بدافع القلق عليها، هي ليست ساذجة إلى هذا الحد، وربما كان قد حسم بالفعل مصير الكونت ألتِن ورأى أن شهادتها لم تعد ذات قيمة وهذا يعني أن القيمة الوحيدة المتبقية لها الآن هي مقدار ما تستطيع إثباته بنفسها في الوقت الذي بقي لها. 

كان الاعتماد على مزاج رجل يتغير في كل لحظة أمرًا خانقًا. 

ومع ذلك فهو أفضل من لا شيء فعلى الأقل ما زالت تملك فرصة ولأول مرة منذ زمن لم يعد أسوأ الاحتمالات هو الوحيد الذي ينتظرها، مهما كانت نواياه فقد أُلقيت النرد بالفعل. 

لقد منحها فرصة أخرى، وحتى لو كانت مجرد خدعة أخرى فلم يعد أمامها سوى اغتنامها. الآن لم يعد وقت الالتفات إلى الوراء فالجواب لم يكن يومًا خلفها بل كان دائمًا أمامها. 

***

لم يكن كاذبًا حين قال إنه يريد رؤيتها كثيرًا فاللقاءات التي كانت تتم مرتين في الأسبوع أصبحت أكثر وتكرارًا، وأحيانًا كان يستدعيها دون سابق إنذار لكن لم يعودا يلتقيان في فندق ماريوت 

بل أصبح ينتظرها داخل عربة تقف خلف الساحة ثم تنطلق بهما العربة بعيدًا عن قلب العاصمة إلى أماكن هادئة ونائية. 

في البداية لم تستطع فهم مقصده، كان قلقها يعميها حتى إنها لم تلحظ المناظر التي تمر بجوارها، كل ما كانت تفعله أن تتبعه، تنزل من العربة حين ينزل، تبتسم إذا ابتسم. 

وتجيب عن أسئلته قدر استطاعتها، وأحيانًا كان يطيل النظر إليها 

ثم يخلع معطفه بصمت ويضعه فوق كتفيها. 

وبعد تكرار تلك النزهات مرات عديدة بدأت أخيرًا تنتبه إلى العالم من حولها كانت الأماكن التي يأخذها إليها هادئة دائمًا تمامًا كما هو الحال اليوم فالناس هناك كانوا منشغلين بحياتهم الخاصة إلى درجة أنهم لا يلتفتون إليهما وخلفهما امتد منظر يأسر الأنفاس. 

سهول واسعة وجروف شاهقة تنحدر نحو الأسفل، وبيوت بيضاء صغيرة تعلوها أسقف حمراء، وكأن أحدهم وضعها هناك بعناية، بل وحتى البحر الأزرق كانت أمواجه البيضاء تلامس اليابسة في الأفق، كان المشهد أشبه بلوحة فنية حتى إنها تساءلت… 

‘هل يوجد حقًا مكان كهذا داخل الإمبراطورية؟’ 

ولأنها لم تكن قادرة على الالتفات إلى المناظر في السابق فلا بد أن جميع الأماكن التي أخذها إليها كانت جميلة كهذا المكان. 

في تلك الأماكن الهادئة كان يترجل من العربة إلى جوارها. 

ويمشي بصمت ثم يمنحها ابتسامة خافتة ويمسك يدها. 

وكأنهما يؤديان دور عاشقين. 

واليوم لم يكن مختلفًا تمامًا مثل الأيام الكثيرة التي سبقته. 

يوم هادئ يشبه كل ما قبله أما بالنسبة لها فلم يكن سوى واجب تؤديه، لا موعدًا رومانسيًا. ورغم أنها كانت تحاول بكل ما أوتيت من قوة أن تركز عليه كانت أمواج القلق تتسلل إليها باستمرار. 

صحيح أن مشكلة دواء والدتها حُلّت، ولو مؤقتًا لكن ما زالت هناك مشكلات لا تُحصى تثقل كاهلها، ففي صباح اليوم نفسه كانت قد أرسلت عشرات الرسائل بحثًا عن ممول لمشروعها. وأعادت تقليب الملفات مرارًا وتكرارًا. 

ورغم أنها تعرف أن فرص النجاح ضئيلة فإنها لم تستطع أن تعترف بأن الأمر مستحيل، لم تستطع أن تقدم تقريرًا بالفشل ولذلك ظلت تكرر تلك المحاولات العقيمة بلا نهاية. 

وفي كل مرة تجلس أمامه كانت تتردد ألف مرة. 

‘هل أطلب مساعدته؟’ 

لكن كما في كل مرة كانت الكلمات تتوقف عند حافة حلقها. 

فهو يعرف كل شيء أصلًا، ولا تزال تتذكر تلك النظرة الباردة حين سألها سابقًا: 

〈”ولِمَ ينبغي لي أن أساعدكِ؟”〉 

ولو كان ينوي مساعدتها لفعل ذلك منذ البداية، لذلك لم يبق أمامها سوى أن تبتسم له برقة وتجيبه بلطف كلما تحدث. 

قالت وهي تتأمل الأفق: 

“هذا المكان جميل جدًا لم أرَ شيئًا يشبهه من قبل.” 

رأت من طرف عينها أنه يبتسم ثم استدار إليها ببطء، وكانت ابتسامة لم ترها عليه من قبل، مشرقة، ونقية. 

لم تكن تتصور يومًا أن ابتسامة كهذه يمكن أن تليق برجل مثله لكنها لائقت به على نحو مدهش. 

قال بهدوء: 

“أنتِ أجمل.” 

اتسعت عيناها. 

“ماذا؟” 

كررها دون تردد: 

“قلت إنكِ أجمل.” 

بدت ملامحه خالية تمامًا من تلك القسوة التي عرفتها عنه. 

“لا بد أنكِ سمعتِ هذا كثيرًا.” 

هزت رأسها بخفة. 

“ليس حقًا لم يجرؤ أحد من قبل على قول ذلك في وجهي. آه… لم أقصد أن…” 

توقفت مرتبكة وتساءلت إن كانت تجاوزت حدودها لكن يده التي تمسك يدها اشتدت قليلًا. 

رفعت رأسها فوجدته لا يزال يبتسم وهو ينظر إليها ثم قال: 

“يسعدني أن أكون أول من قالها لكِ.” 

ابتسمت هي أيضًا. 

“وأنا أيضًا سعيدة.” 

مال رأسه قليلًا. 

“وما الذي يسعدكِ؟” 

تبدلت ملامحه إلى شيء أكثر عبثًا لكن عينيه بقيتا ثابتتين عليها وكأنه ينتظر إجابة بعينها. 

وفي كل مرة يتصرف بهذا الشكل كانت تجد نفسها تنجرف معه، محاولة مجاراة إيقاعه. قالت بصوت خافت: 

“يسعدني أنه أنت.” 

ارتسمت على وجهه ابتسامة رقيقة، ابتسامة صبي يختبر الحب للمرة الأولى. 

‘كم يبدو هذا سخيفًا.’ 

لا يمكن أن يكون حقيقيًا فهي بالنسبة إليه ليست سوى وسيلة مؤقتة لتمضية الوقت لكن أي شخص يرى تعبير وجهه الآن سيصدق بسهولة أنه واقع في الحب. 

سألها فجأة: 

“أما زلتِ تشعرين بالأمر نفسه؟ بأنكِ ستختفين إذا طلبتُ منكِ ذلك.” 

كان صوته هادئًا أما ملامحه فبقيت عصية على الفهم. 

لم تستطع أن تعرف هل يريد رحيلها أم يتمنى بقاءها. 

وفي النهاية توقفت عن محاولة قراءة وجهه فالجواب لن تجده هناك. وكانت قد سئمت من التخمين ومع ذلك تسلل إليها فضول مفاجئ. 

فخرج السؤال من شفتيها دون تفكير: 

“وماذا تريد… أنت مني؟” 

التفت إليها وتلألأ ضوء الشمس داخل عينيه القرمزيتين ورأت انعكاسها يرتجف فيهما ثم ضاقت عيناه ببطء وعاد ذلك الغموض المألوف ليغلف ملامح وقال بصوت منخفض: 

“أي شيء تريدينه أنتِ.”

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.