مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 103: 103نحو 8 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 103: 103

103

الفصل مائة وثلاثة 

“يا صاحب السمو… كيف أمكنك أن تفعل هذا؟!” 

دوّى صراخٌ حاد في أرجاء القاعة. 

“اهدئي يا سيدتي.” 

“أتظن أن بوسعي الهدوء الآن؟! لقد تحملتُ برودك نحوي كل هذه السنوات ولم أطلب منك يومًا سوى أمرٍ واحد…” 

مرة أخرى وجد كاسيان نفسه يشاهد المشهد ذاته الذي ملّ تكراره؛ شجار والديه الذي رآه مرات لا تُحصى. 

ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة باردة. 

لم يُفاجأ، فوالده، الرجل الذي يلقّبه الجميع بمثال الفضيلة، كان يسعى دائمًا لأن يبدو أكثر رحمةً من آلهة الشفقة نفسها. 

فكيف يُعقل لابنه أن يقف في وجه تلك المُثل السامية؟ 

في الحقيقة منذ اللحظة التي تردد فيها والده في اتخاذ القرار بل، منذ اللحظة التي وضع فيها كاسيان هذه الخطة بأكملها. 

كان قد توقّع هذه النهاية سلفًا، لقد كانت الاحتمال الأكثر ترجيحًا منذ البداية. ولم يكن تطابق الأحداث مع ما رسمه في ذهنه أمرًا يبعث على المتعة لكنه أيضًا لم يكن مفاجئًا فالناس لا يتغيرون حقًا، مهما حاولوا إصلاح أنفسهم تعود طبيعتهم الأصلية إليهم كما يعود البوميرانغ إلى صاحبه. 

إنها غريزة يصعب الإفلات منها. 

وبينما ظل صراخهما يتردد في الخلفية كضجيج مألوف انفجر كاسيان فجأة ضاحكًا، ضحك ضحكة مجنون فتوقف الجدال المحتدم في الحال وبعد أن مسح الدموع التي سالت من شدة الضحك رفع بصره ببطء نحو الشخصين اللذين يحدقان به واستقرت عيناه أخيرًا على الرجل الذي لم يتغير قط أو بالأحرى على دوق ديفيرون دي بلانشيت لا على «والده». 

وبنظرة حملت، لأول مرة، مسحةً خافتة من القلق قال الدوق وكأنه أدرك أخيرًا أن ثمة أمرًا غير طبيعي: 

“هل أنت بخير؟” 

ضيّق كاسيان عينيه قليلًا. 

“بالطبع، فلو كنت قد مت لما كنت واقفًا هنا الآن، أليس كذلك؟” 

جعلت سخريته الدوق يقطب حاجبيه لكن كاسيان لم يمنحه حتى نظرة واحدة، استدار ببساطة وغادر القاعة بخطواته الطويلة المعتادة. 

***

وعندما عاد إلى غرفته وجد رسالة تنتظره. كان ظرفًا صغيرًا بلون وردي، بلا ختم ولا شعار. ولم يكن هناك سوى شخص واحد يجرؤ على ترك شيء كهذا فوق مكتبه. 

مزق الظرف بنفاد صبر، وكان الخط في داخله رقيقًا وأنيقًا، تمامًا كصاحبته، لم تحتوِ الرسالة سوى سطرين لكن كاسيان أعاد قراءتهما مرارًا كمن وقع تحت تأثير تعويذة وفي النهاية ألقى الرسالة جانبًا وأشعل سيجارًا. 

نعم… حقًا، الناس لا يتغيرون. 

ستأتي هذه المرأة الحمقاء مجددًا بذلك الوجه الشاحب نفسه وبالهيئة المرتجفة نفسها وكأنها على شفا الموت، كل ذلك من أجل أمها. 

***

وفي اليوم الذي قررت فيه لقاءه جلست أمام منضدة الزينة. 

وكعادتها وضعت مساحيق التجميل بعناية، واختارت فقط ما تعلم أنه يفضله ثم أعادت ترتيب ملامحها إذ شعرت أن شيئًا ما لا يزال ناقصًا، مدّت يدها نحو زجاجة العطر ثم توقفت. 

تذكرت أنه أخبرها ذات مرة أنه يفضل رائحة الجسد الطبيعية فأعادت الزجاجة إلى مكانها، وظلت تحدق في انعكاسها داخل المرآة للحظات قبل أن تنهض، وكأنها تؤدي واجبًا لا مفر منه. 

***

رافقها صوت عقارب الساعة وهي تصعد إلى العربة. وكان إيقاع العجلات المنتظم يزداد وضوحًا شيئًا فشيئًا حتى بدا كأنه يواكب خفقات قلبها، امتزج نبض قلبها بإيقاع الساعة وراح يدوي في جسدها كله كقرع الطبول. 

‘قولي ما جئتِ لتقوليه.’ 

ظلت تردد الجملة التي أعدتها في سرها مرة بعد أخرى. 

وحين ترجّلت من العربة استنشقت نفسًا عميقًا ثم دخلت. 

وكالعادة قادها الخدم عبر الممرات، كانت تتوقع أن يوقفها أحد في الطريق لكن أحدًا لم يفعل، منذ أن أرسلت تلك الرسالة لم يصلها أي رد وكان ذلك الصمت يجثم على صدرها كصخرة ثقيلة. 

ومع ذلك فكون أحد لم يمنعها من الدخول كان باعثًا على شيء من الارتياح، لو أراد لكان قادرًا على قتلها دون تردد ولو فعل لما كان لها أي حق في لومه فهي رغم مقاومتها استجابت في النهاية لأوامر الكونت ألتِن وحاولت تسميمه. 

ومجرد ارتباط اسمها بخيانة كهذه يكفي لإثارة عاصفة داخل آل بلانشيت أما كونه تركها على قيد الحياة فلعلها كانت آخر رحمة منحها لها ولهذا قد يكون مجيئها إلى هنا مرة أخرى محض جنون. 

ولما اقتربت من الباب رأت فارسًا مألوفًا يقف بجواره. 

كان ذا هيئة مميزة فعرفته فورًا. 

إنه الرجل الذي ابتسم لها ذات يوم أمام العربة لكن عينيه لم تكونا تحملان الشك بل الفضول، لا بد أنه يعلم بمحاولة التسميم. 

وربما كان يتساءل أي نوع من النساء يمكن أن تعود إلى هنا بعد أن حاولت قتل سيده؟ 

كانت تخشى أن يعترضها أحد أو ألا يُسمح لها برؤيته أصلًا لكن الفارس لم يُبدِ أي رد فعل فسألته: 

“هل هو في الداخل؟” 

وما إن نطقت حتى أدركت حماقة سؤالها، فوجود الفارس يعني بالضرورة أن سيده قريب. 

فتح الفارس الباب دون أن ينطق بكلمة وتحرك بثقة من غير أن يلتفت إليها وكأنه كان ينتظر قدومها منذ البداية. 

هل يُعقل حقًا أن يسمح بالدخول لمن حاولت قتله؟ 

مهما حاولت لم تستطع فهم ما يدور في رأسه وللحظة واحدة خطرت لها فكرة سخيفة، ربما عفا عنها لأنه يحبها، لكنها سرعان ما نفت ذلك. 

هذا الرجل الذي كان يتحدث عن الخطبة والزواج بكل برود 

لم يحبها يومًا وما زال حتى الآن يمسكها من عنقها بدواء أمها. 

لا، هو لا يحبها. 

ربما كان يراها سهلة السيطرة فلم يعتبرها تهديدًا حقيقيًا. 

مهما يكن السبب فإن سماحه لها بالدخول كان مدعاة للارتياح. 

لكن ذلك الارتياح دفنته مخاوف أعمق كانت تعتصر معدتها. 

إن ضاعت هذه الفرصة فقد انتهى كل شيء، وقد شلّها ذلك الخوف أما التردد الآن بعد أن قطعت كل هذه المسافة فلم يكن إلا مثيرًا للشفقة. 

أجبرت ساقيها الثقيلتين على التقدم وفي الداخل امتدت سجادة طويلة حتى النافذة حيث كان يجلس، كان يقلب صفحات كتابه بهدوء دون أن يبدو عليه أدنى اهتمام. 

وقفت صامتة أما هو فواصل تقليب الصفحات دون أن يلتفت إليها وبعد عدة صفحات أغلق الكتاب أخيرًا ورفع رأسه ببطء. 

“تفضلي.” 

خلع نظارته ذات الإطار الذهبي ووضعها فوق الكتاب ثم نظر إليها بثبات، تحت ضوء الشمس بدت عيناه أوضح من أي وقت مضى وثبتت نظراته عليها. 

“قولي ما جئتِ من أجله.” 

لطالما ظنته رجلًا باردًا، منزوع المشاعر لكن وجهه بدا اليوم أكثر حياة من أي وقت مضى، ربما بسبب تلك الابتسامة الساخرة الخافتة على شفتيه، وكان ذلك التعبير وحده كافيًا ليذكرها بأنها حاولت قتله ذات يوم فانقبضت معدتها. 

لماذا جاءت إليه؟ 

كان تصرفًا أحمق لكنها لم تعد تملك طريقًا للتراجع. 

فكل طرق الهرب كانت قد أُغلقت خلفها. 

وكما تدربت على ذلك آلاف المرات ركعت ببطء أمامه. 

وللمرة الأولى اهتزت عيناه عند رؤيتها. 

اشتعل وجهها حرارة، لقد حفظت كلماتها ورددتها في ذهنها أكثر من ألف مرة لكنها الآن لم تستطع أن تنطق. 

وبينما كانت تكافح لالتقاط أنفاسها اقترب منها ببطء وانحنى حتى صار قريبًا جدًا منها فتوقفت أنفاسها ثم رفع يده ومسح دموعها برفق، كانت لمسته أحنّ من أي وقت مضى أما نظراته وقد دفأها انعكاس الضوء في عينيه فجعلتها، ولو للحظة تصدق أنه رجل طيب. 

وأخيرًا خرجت الكلمات التي أعدتها. 

“سأشهد.” 

“ستشهدين… بماذا؟” 

“سأعترف بأن الكونت ألتِن هو من أمرني وأنني نفذت أوامره. 

إذا فعلت ذلك فقط…” 

“إن فعلتِ فسوف تموتين.” 

كان وجهه مختبئًا خلف الضوء وغارقًا في الظل ولذلك كان الأمر أسهل، فعدم رؤيتها لتعبيره منحها ما يكفي من الشجاعة لتكمل. 

“لا يهمني إن مت فقط أرجوك احرص على أن تصل أدوية أمي إليها.” 

التزم الصمت فأضافت: 

“إذا لم نتخلص من الكونت ألتِن الآن فلن يتوقف. 

أريد فقط أن أتأكد من أنه لن يقترب منك مرة أخرى.” 

ومن بين الظلال التي وقف فيها خرجت ضحكة جافة. 

“أرجوك… امنحني فرصة واحدة أخيرة.” 

وفجأة ارتفع جسدها عن الأرض. 

وقبل أن تستوعب ما يحدث وجدت نفسها بين ذراعيه. 

حملها إلى السرير برفق ووضعها عليه ثم جلس إلى جوارها. 

“ما زلتِ تقللين من شأن آل بلانشيت.” 

قالها بهدوء وهو ينزع ساعته عن معصمه. 

“أتظنين حقًا أن شهادتكِ ستغير شيئًا؟” 

التفت إليها وقد ارتسمت بين حاجبيه تجعيدة خفيفة. 

‘هل… لم يعد بحاجة إليها؟’ 

ذلك الهدوء الذي بدأ يتسلل إلى قلبها انهار من جديد وعاد قلبها يخفق بعنف. 

“ولكن…” 

رغم أنها حفظت كلماتها وطريقة نطقها لم ترتجف سوى شفتيها أما الكلمات فلم تخرج. بينما ظل ينظر إليها بصمت ثم انحنت عيناه تدريجيًا لتتشكل ابتسامة هادئة. 

“امكثي هنا الليلة.” 

لم تفهم قصده، فالكلمات التي قالها قبل قليل عن عدم حاجته إليها لم تنسجم أبدًا مع الدفء الذي يملأ صوته الآن. 

‘ألم يكن من المفترض أن يطردني؟’ 

“سأحرص على أن يصل الدواء في موعده.” 

وانزلقت يده ببطء على قميصه صعودًا ثم عاد صوته منخفضًا وناعمًا قرب أذنها. 

“لنلتقِ أكثر من الآن فصاعدًا.” 

أغمضت عينيها بإحكام وغمر الظلام بصرها، كانت كلماته تغرقها في الحيرة، حتى إنها لم تعد تعرف أهو منقذها أم جلادها؟ 

لقد أصبحت لمساته أرق من السابق. 

‘لماذا؟ لماذا يعامل امرأة حاولت قتله بهذه الطريقة؟’

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.