مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 102: 102نحو 8 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 102: 102

102

الفصل مائة واثنان 

انعكس وجه ألتِن الشاحب في عيني كاسيان الحمراوين، اللتين كانتا تتلألآن كنَفيسٍ مصقول بإتقان. لم يبقَ أي أثر لذلك الرجل الثلجي الذي أُلقي يومًا في بحرٍ من الدماء. 

قال كاسيان بهدوء: 

“كان يجدر بك ألا تكشف عن نفسك بهذه السرعة يا عمي، فأنت لم تشاهد بعد المسرحية الصغيرة التي أعدها لك ابن أخيك حتى نهايتها.” 

أجاب ألتِن ببرود متكلف: 

“لا أفهم عمَّ تتحدث.” 

أدار الكونت ألتِن رأسه بعنف، فيما ارتعشت عضلات وجهه ارتعاشة واضحة. 

ابتسم كاسيان ابتسامة خفيفة. 

“حقًا أنت رجل سيئ الحظ يا عمي.” 

كانت كل كلمة ينطق بها ذلك الشاب، الذي لم يجف رأسه بعد من آثار محنته الأخيرة، تحمل ثقلًا خانقًا. 

“إنه مجرد استنتاج، بالنظر إلى أنك لم تنجح يومًا في إنجاز أي شيء على الوجه الصحيح.” 

كان حضوره مختلفًا تمامًا عن حضور والده، هيمنة مطلقة، هيمنة ابتلعت المكان بأسره. 

ثم نهض كاسيان، محافظًا على تلك الابتسامة البريئة التي لا تناسب الموقف إطلاقًا، واستدار ببطء وكأنه انتهى من كل ما أراد قوله. 

***

ظل ألتِن يراقب ظهره المبتعد. 

وعقد حاجبيه بينما وراحت أفكاره تتزاحم. 

‘هل حاولت تلك المرأة تسميمه وفشلت؟’ 

لقد وصله أنها خرجت من الفندق وهي ترتجف، وساقاها بالكاد تحملانها، إن كانت قد فشلت بالفعل فهذا يفسر شحوبها وهي تهرب لكن… 

لا، هز رأسه بقوة، لا يمكن أن يكون الأمر كذلك. 

لو فشلت فعلًا لما خرجت من هناك حية فهو يعرف الوجه الحقيقي لابن أخيه أكثر من أي أحد، والأهم من ذلك أي شخص يتجرأ على محاولة اغتيال وريث آل بلانشيت لن يغادر ذلك المكان حيًا أبدًا لكن الكلمات التي قالها كاسيان قبل قليل كانت واضحة تمامًا. 

‘هل يعقل أن يوريسييل لم تحاول أصلًا؟ أم أنها اعترفت لكاسيان بأنني أنا من أمرها بذلك؟’ 

لم يكن يعرف حقيقة ما حدث لكن شيئًا واحدًا كان مؤكدًا. 

لقد فشلت الخطة وابن أخيه ما زال حيًا بل وأكثر من ذلك فعبارة «حتى الآن» التي استخدمها كاسيان، كانت تعني بوضوح أنه يعلم أيضًا أن مرضه العضال كان نتيجة السم الذي دبّره ألتِن. 

ابتلع ألتِن ضحكة مرة وأخذ يحلل الموقف بهدوء. 

في الحقيقة حتى لو عرف كل ما حدث في الماضي، فلن يشكل ذلك مشكلة كبيرة فالرجل الذي نفذ تلك العملية قد مات بالفعل ومع ذلك ظل الأمر يبعث في نفسه قشعريرة. 

‘لقد كان يعلم كل شيء منذ البداية ومع ذلك تظاهر بالجهل حتى الآن.’ 

وفجأة تذكر نظرات ابن أخيه، تلك العينين اللتين لم تكونا يومًا تشبهان عيني طفل، كانتا تراقبانه دائمًا بوضوح مقلق. 

حتى في أيام مرضه حين كان جسده هزيلًا على فراش الموت كانت عيناه الحمراوان تشتعلان بحدة، ويعلوهما ذلك البريق البارد الغريب. 

الآن فقط أدرك الحقيقة، ذلك لم يكن برودًا ولا لا مبالاة بل احتقار وازدراء بارد. وقد كبر ذلك الطفل دون أن يتغير بل أصبح التجسيد الحقيقي لهيبة سيد آل بلانشيت أكثر من أي دوق سبقه، كل خطوة يخطوها كانت تنضح بكبرياء النبلاء. 

وكان حضوره وحده كافيًا ليزرع رهبة يصعب وصفها في قلب من يقف أمامه وكأنه يحمل ثقل سلالة بلانشيت كلها فوق كتفيه. 

لم يكن يشبه والده اللطيف والمتردد إطلاقًا بل ورث شيئًا من والدته إليز لكنه كان أخطر منها بمليون مرة. 

نعم، ذلك المجنون لم يكن سوى كاسيان دي بلانشيت، ولهذا السبب ازداد تصميم ألتِن على قتله أكثر من أي وقت مضى. 

لقد وصل إلى هذه المرحلة ولم يعد هناك مجال للتراجع فإذا تعثر الآن فعندما يتنازل أخوه ديفيرون عن منصب الدوق سينتهي كل شيء. لا يزال يتذكر ذلك اليوم، اليوم الذي خسر فيه لقب الدوق لمجرد أنه وُلد بعد أخيه. كان ذلك الجرح لا يزال مشتعلًا في صدره أما أخوه فلم يكن يتوقف عن التذمر من أعباء الابن الأكبر ولم يأخذ مسؤولياته بجدية يومًا بل كان ينغمس في أحلامه الرومانسية، ويتنهد كلما تحدث عن ثقل التاج، ولن ينسى ألتِن أبدًا ذلك الوجه المثير للاشمئزاز، وجه أخيه وهو يهنئه بابتسامة دافئة بعد أن مُنح مجرد لقب كونت. 

نعم، من يولد وهو يمتلك كل شيء لن يفهم أبدًا. 

حتى لو عاد من الموت لن يفهم مرارة أولئك الذين بذلوا كل ما لديهم ثم خرجوا بلا شيء ولهذا حان الوقت، آن لأخيه أن يتنحى عن ذلك المقعد الذي لا يستحقه. 

وحان الوقت أيضًا ليمنح لأبن أخيه هديته الأخيرة، أن يدخل تابوتًا ولا ينهض منه أبدًا، لقد عاش حياته كلها في النعيم 

فهل يعجز عن تقديم هذه الخدمة الصغيرة في النهاية؟ 

ذلك المقعد كان يجب أن يكون له منذ البداية. 

فهو الجائزة المستحقة لمن خاطر بكل شيء ليصبح سيد آل بلانشيت ورغم أن الرب لم ينصفه يومًا فقد كان يؤمن يقينًا أن الحظ الإلهي ابتسم له أخيرًا هذه المرة. 

على الأقل هذا ما كان يظنه حتى الآن، لكن لقد فشلت الخطة. 

لا بأس، فالخطط يمكن تعديلها وليس ذلك بعقبة لا يمكن تجاوزها، حتى لو بقيت تلك المرأة على قيد الحياة وجاءت لتشهد ضده فقد أعد من الثغرات القانونية ما يكفي لينجو دون خدش. 

***

جلس عشرات التابعين حول الطاولة الدائرية. 

كان بعضهم يمثل أذرع ألتِن ومخالبه داخل الأسرة بينما جلس في الجهة المقابلة كبار النبلاء الموالون لآل بلانشيت. 

وكالعادة كان الانقسام بين المعسكرين واضحًا من طريقة توزيع المقاعد، ألقى كاسيان نظرة متأنية على الجميع ثم اتخذ مقعده في المنتصف. كان الدوق ديفيرون دي بلانشيت قد انتهى لتوه من مناقشة شؤون الأسرة الرسمية فالتفت إلى ابنه وقال: 

“قلت إن لديك ما تريد قوله؟” 

تجمعت الأنظار كلها نحو كاسيان فاكتفى بإيماءة بسيطة. 

وفي قلب تلك النظرات كان الكونت ألتِن يحدق فيه بتوتر لا يمكن إخفاؤه. 

قال كاسيان بهدوء: 

“هناك من حاول قتلي.” 

وفي لحظة ضجت القاعة بالهمسات من الليدي إليز، التي بدا وكأن قلبها قد اقتُلع من صدرها إلى الدوق ديفيرون ثم كبار نبلاء آل بلانشيت، لم يبق شخص واحد لم يهتز لسماع تلك الكلمات. 

“ما الذي تعنيه بهذا؟!” 

وسط الضجيج المتصاعد بدأ تيوبه، بتوجيهاته، يوزع الملفات فوق الطاولة وتردد صوت تقليب الصفحات في أنحاء القاعة. 

ومع مرور اللحظات بدأت الأنظار كلها تتجه نحو الكونت ألتِن 

أما ألتِن فقد شحب وجهه تمامًا وأخفى يديه المرتجفتين أسفل الطاولة ثم صاح، وقد احمر وجهه: 

“هذا افتراء!” 

وخلال لحظات غرقت القاعة في الفوضى، أنصار ألتِن دافعوا عنه بعنف بينما انقض كبار النبلاء عليه بوابل من الاتهامات. 

وفي خضم ذلك كله كانت الليدي إليز تؤجج المواجهة دون رحمة حتى دوّى صوت واحد في القاعة. 

“كفى!” 

وكان المدهش أن من صرخ هو الدوق ديفيرون، ولأنه لم يرفع صوته قط طوال حياته تجمد الجميع في أماكنهم ثم قال بصوت منخفض لكنه حمل ثقلًا هائلًا: 

“قلت كفى.” 

لم يكن بحاجة إلى الصراخ فصوته وحده ملأ القاعة بهيبة خانقة. 

كان رجلًا عطوفًا ومتسامحًا دائمًا لكن قبل أي شيء آخر كان سيد آل بلانشيت ولم يجرؤ أحد على التشكيك في حكمه لذلك حبس الجميع أنفاسهم وهم يراقبونه. أنصار ألتِن ابتلعوا ريقهم بقلق أما كبار النبلاء فتبادلوا نظرات مليئة بالأمل. 

“حتى لو كان شقيقه فلا بد أنه سيعاقبه هذه المرة.” 

“لكن أليس هو اللورد بلانشيت؟ حتى بعدما عاد من الموت سابقًا، لم يتخلَّ عن أخيه.” 

“في السابق كانت مجرد شكوك أما الآن فالأدلة قاطعة.” 

“وفوق ذلك، الضحية هو وريث آل بلانشيت نفسه.” 

“من الطبيعي أن يعاقبه.” 

أما كاسيان فقد بدا هادئًا إلى درجة تجعل محاولة اغتياله تبدو وكأنها تخص شخصًا آخر. رفع كأس الماء وارتشف منه بهدوء ثم أعاده إلى مكانه واهتزت صورة الدوق ديفيرون فوق سطح الماء. 

حدق الأب في ابنه دون أن يظهر أي تعبير وبجواره كانت والدته. 

وكانت عيناها تقولان كل شيء. 

〘اقتله، أعدم الكونت ألتِن فورًا.”〙 

في الحقيقة لم يكن ذلك طلبًا صعبًا، عم تجرأ على تسميم ابن أخيه، وريث آل بلانشيت. 

ومعاقبته هي العدالة الطبيعية التي يجب أن يصنعها سيد آل بلانشيت بل حتى خارج أوساط النبلاء سيعد ذلك أمرًا بديهيًا. 

مع أن الحديث عن البديهيات هنا كان مثيرًا للسخرية. 

فأي والد عادي لو أصيب ابنه بخدش صغير لفقد صوابه غضبًا 

أما والده الذي عاش حياته كلها بوصفه دوقًا رحيمًا، لا أبًا عاديًا 

فقد تردد مرة أخرى وكعادته لكن هذه المرة كان تردده أطول من أي مرة مضت. 

آه ربما يجدر بي أن أشكره لأنه تردد أصلًا. 

ارتسمت على شفتي كاسيان ابتسامة باهتة، مرة وفي تلك اللحظة صدر قرار الدوق ديفيرون. 

“سأتولى هذه القضية بنفسي ابتداءً من اليوم.” 

ارتفع حاجب أحد كبار النبلاء وسأله بحدة: 

“وما المقصود بقولك إنك ستتولاها بأنفسك؟” 

ابتسم ديفيرون تلك الابتسامة الهادئة التي اعتاد الجميع رؤيتها ثم أجاب بوضوح: 

“أعني تمامًا ما قلت، يبدو أن هناك سوء فهم وسأسعى إلى تسويته بالطرق السلمية.” 

‘سوء فهم.’ 

في لحظة هبطت حرارة القاعة الكبرى في قصر بلانشيت إلى الصفر، إذًا رغم كل الأدلة التي تكشف مصدر السم ومسار توزيعه فإن سعادة الدوق ما زال يعتبر الأمر مجرد سوء فهم؟ 

وقبل أن ينبس أحد بكلمة أردف ديفيرون: 

“إنها مسألة عائلية ولا داعي لأن يتدخل أي منكم فيها.” 

وبهذه الكلمات حوّل القضية بأكملها إلى شأن عائلي خاص ثم نهض من مقعده مباشرة، حاول بعض كبار النبلاء الاعتراض. 

لكن لم يكن في استطاعة أحد أن ينقض قرارًا اتخذه رب الأسرة. 

قال ديفيرون بهدوء: 

“ننهي الاجتماع هنا.” 

نهض الجميع تباعًا وخرجوا من القاعة، وما تزال الدهشة مرسومة على وجوههم ولم يبقَ سوى أفراد الأسرة. 

أُغلقت أبواب القاعة الكبرى واستدار ديفيرون مغادرًا لكن من وقفت في طريقه هذه المرة لم تكن سوى الليدي إليز.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.