مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 101: 101نحو 8 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 101: 101

101

الفصل مائة وواحد 

“لا داعي لأن ترهقي نفسكِ بالتفكير في الأمر يا إيل.” 

ذلك الرجل شيّد أكثر الجحيمات قسوةً التي يمكن تخيلها، جحيمًا يخنق أنفاسي حتى آخر لحظة من حياتي، ثم أغلق أبوابه عليّ. 

لقد أرادني أن أشهد احتضار أمي بعيني، وأنا جالسة إلى جوارها، لأتذوق أعمق طبقات الجحيم حتى النهاية. 

***

عدتُ إلى المنزل وأنا في شبه غيبوبة وهناك كانت أمي نائمة. 

كان صوت أنفاسها المنتظمة والهادئة هو الشيء الوحيد الذي منح جسدي المرتجف شيئًا من الطمأنينة. وبينما كنت أتسلل بصمت نحو غرفتي، استيقظت أمي فجأة ونادتني. 

“إيل؟” 

“أمي.” 

نهضت بصعوبة، وقد كانت عيناها نصف مغمضتين، وكأنها توشك أن تشعل المصباح. 

ابتسمت ابتسامة واهنة وقالت: 

“آسفة… يبدو أنني غفوت وأنا أنتظركِ.” 

كانت ابتسامتها أضعف بكثير مما كانت عليه في مطلع هذا الشهر. 

على عجل، فتحت الزجاجة التي تركها ذلك الرجل، سكبت الدواء في كفي، وقدمت لها الحبوب مع كوب من الماء. 

ابتلعتها وهي ما تزال غارقة في آثار النعاس، ثم رفعت ذراعيها النحيلتين، اللتين لم تعودا تختلفان كثيرًا عن غصنين يابسين، واحتضنت عنقي برفق. 

“ابنتي المسكينة… لقد تحملتِ الكثير.” 

“…”

في العادة، كنت سأعاتبها فورًا وأمنعها من قول مثل هذه الكلمات لكن ليس اليوم، كنت أخشى أن يخذلني صوتي، أن ينكسر مخزيًا، وأن تنفجر الدموع التي حبستها طوال هذا الوقت. 

والأهم من ذلك كنت أخشى أن تدرك بنفسها مدى يأس واقعنا 

لذلك لم أنطق بكلمة واكتفيت بأن أضمها بقوة بين ذراعي. 

كانت يداها تربتان على ظهري بلطف لا يوصف. 

وهمست بصوت ثقيل، ما يزال أثر الدواء يسيطر عليه: 

“مع ذلك أنا سعيدة حقًا، حالما أتعافى تمامًا سيخف العبء عنكِ.” 

شيئًا فشيئًا ارتخت يداها اللتان كانتا تعانقانني، ثم سقطتا بلا حول. 

غطيتها بالبطانية بعناية وعندها وقعت عيناي على الأشياء الموضوعة بجوار سريرها، كيس صغير يضم كل قطعة نقدية ادخرتها. 

لم تنفق منها فلسًا واحدًا على نفسها، وبجانبه كومة من إعلانات الوظائف، يبدو أنها كانت تنوي البدء بالعمل فور تعافيها. 

وهناك أيضًا الأماكن التي حلمنا يومًا بالسفر إليها معًا. 

مطاعم وضعت عليها ملصقات صغيرة على شكل نجوم، وخريطة رسمت فوقها دائرة كبيرة، وأقلام تلوين متناثرة بألوان زاهية. 

تشوش بصري وغرق كل ما أمامي في ضباب كثيف ولم تنهمر دموعي إلا بعدما ابتعدت عن سريرها وجلست إلى الطاولة. 

مسحتها مرة ثم أخرى وظللت أفرك عيني حتى بدأتا تؤلماني. 

وعندها فقط استعدت بعض صفاء ذهني. 

‘لا، لا يمكنني أن أبقى جالسة هنا أبكي.’ 

طالما أنني ما زلت على قيد الحياة فعليّ أن أفعل شيئًا، أي شيء. 

وإلا فالموت الآن سيكون أرحم. 

نعم، قبل أن تنتهي كل الأمور بهذا الفراغ المؤلم لا بد أن أتحرك. 

كما كنت أفعل دائمًا. 

ذلك السلام القصير لم يكن سوى محطة عابرة، وحتى لو كانت المحطة التالية بحرًا من النيران فلم يعد أمامي إلا أن أركض نحوه. 

***

امتدت يدي المرتجفة نحو ورق البردي، لم يتبقَّ لي الآن سوى أمل واحد، أن أظل ذات فائدة لذلك الرجل، فأنا الشاهدة الوحيدة التي تلقت أوامر مباشرة من عمه. 

صحيح أن كشف ذلك قد يودي بحياتي، لكن ربما أستطيع استخدامه كورقة مساومة. 

حتى وإن كان أملًا واهيًا لم يعد بوسعي التفريط به. 

ضغطت أصابعي المرتجفة على الريشة بقوة، ونقشت الحروف على الورقة حرفًا بعد حرف، لم تكن سوى سطري وحين انتهيت من الكتابة بدأ أول خيط للفجر يتسلل إلى ظلام الليل العميق. 

***

“الصفحة الأولى تتضمن تفاصيل شبكة توزيع السموم.” 

“أما الصفحة الثانية…” 

في الخارج كانت قطرات المطر تقرع زجاج النافذة برفق، بينما كان تيوبه يواصل تقريره وسط صمت ثقيل. 

قلّب كاسيان الصفحة بهدوء وظل وجهه بلا أي تعبير إلا للحظة خاطفة. 

“لقد بصق دمًا، وما إن أُلقي القبض عليه حتى فارق الحياة.” 

يا لها من طريقة بالية. هكذا كانت نهاية جواسيس عمي دائمًا. 

وكلما انكشف ذلك الحقد القذر المختبئ خلف وجهه الوديع ازداد اشمئزازي منه، لم تتجاوز الأوراق بضع صفحات. 

لكنها احتوت كل ما يكفي لكشف مخططه بالكامل. 

قال تيوبه: 

“على أي حال حتى وإن مات ذلك الرجل، فلن ينجو الكونت ألتِن هذه المرة.” 

كان محقًا، فالملف الذي جُمِع كان كاملًا لا تشوبه ثغرة. 

لم نعد بحاجة إلى شاهد إضافي ولا إلى دليل آخر. 

ما إن أصبحت وريث العائلة حتى بدا أن أكبر أعدائي مصمم على تدمير نفسه بنفسه قبل أن أرفع إصبعًا واحدًا، كم هو مُرضٍ. 

ومع ذلك كانت أصابعي تقرع سطح الطاولة. 

طق، طق، طق. 

إيقاع خافت لكنه نشاز. 

امتزج مع صوت المطر، فزاد أجواء الغرفة كآبة. 

أسند كاسيان جسده إلى المقعد بكسل ثم أدار عينيه الحمراوين نحو النافذة وهناك عند موقف العربات الذي اعتادت تلك المرأة المجيء منه والرحيل إليه ثبت بصره. 

ألم يقل أحدهم إنها ظلت جالسة هناك، منهارة، مدة طويلة قبل أن تغادر؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بدواء والدتها فلا حاجة لأن أراها كي أعرف حالها، لابد أنها جلست هناك شاحبة، ترتجف من الخوف. تلك الابنة التي كرست حياتها لأمها لابد أنها ظلت تبكي وهي تفكر بأنها فقدت آخر طريق للحصول على الدواء. 

ربما استسلمت أخيرًا، فأي إنسان عاقل لن يجرؤ على العودة إليّ بعد الآن. 

هي التي تجرأت على محاولة اغتيال وريث آل بلانشيت، 

حتى التفكير في العودة إليّ سيكون ضربًا من الجنون. 

إن مجرد خروجها من تلك الغرفة حية كان معجزة بحد ذاته. 

ومنذ ذلك اليوم لم تظهر مرة واحدة، حتى تلك المرأة المتهورة لابد أنها أدركت هذه الحقيقة. 

لقد جاءت وفي قلبها نية قتلي، ولابد أنها فهمت أن إبقائي لها على قيد الحياة كان رحمة مني. 

فوق صوت المطر تسللت إلى ذهني شهقات بكائها ثم امتزجت بها صرختها الحادة، التي كانت تشبه صوت مغنية سوبرانو. 

〈”ألم أقل لك ألا تفعل؟!” 〉 

يداها المرتجفتان وهما تمسكان وجهي يا له من مشهد مثير للسخرية. 

هي التي دست السم في شرابي لتقتلني ثم هي نفسها التي أسقطت الكأس من يدي كي تمنعني من شربه وأنا تركتها تعيش. لو أنها عقدت العزم فعلًا على قتلي لنجحت لكنها اختارت أن تنقذني. 

فماذا سيكون مصيرها الآن؟ 

ظلت توسلاتها وهي تتشبث بي تتردد في رأسي بلا انقطاع. 

إن كانت تلك خطتها فقد نجحت نجاحًا باهرًا، فمنذ ذلك اليوم سواء فتحت عيني أو أغمضتهما لم تغادرني صورتها وهي تصرخ. 

أطلق كاسيان ضحكة جوفاء، بينما واصل تيوبه تقريره. 

“لقد حان وقت التحرك.” 

نهض كاسيان، كان وجهه خاليًا من أي تعبير، جافًا كالصخر 

ثم خرج من الغرفة ولحق به تيوبه مباشرة. 

وفي تلك اللحظة دخل فارس مبتل الثياب من المطر، وانحنى قائلًا: 

“لقد وصل الكونت ألتِن.” 

في الآونة الأخيرة كان عمي يكتفي بإرسال ممثلين عنه إلى اجتماعات كبار التابعين أما اليوم فقد حضر بنفسه إلى قصر آل بلانشيت، يا لها من نوايا واضحة كمن أخفى جوهرة ثمينة ولم يستطع مقاومة رغبته في التأكد من مصيرها. 

لكن ما الذي كان ينتظره الآن؟ 

لم يكن أمامه جثة باردة كما توقع بل أنا، حيٌّ تمامًا. 

***

توقف الكونت ألتِن في القاعة الكبرى. كان سقفها المرتفع يجعلها تبدو أكثر اتساعًا وهيبة وكما جرت العادة في أيام الاجتماعات كان كبار تابعِي آل بلانشيت يحيطون بالمائدة الدائرية في الوسط. 

جلس الدوق ديفيرون والدوقة إليز دي بلانشيت في صدر المجلس. 

وفي الجهة المقابلة مباشرة جلس الكونت ألتِن أما كاسيان فجلس وظهره إلى الدوق والدوقة، ليصبح وجهًا لوجه مع عمه. 

رفع الكونت ألتِن رأسه ولم يستطع أن يمنع نفسه من التحديق فيه. 

‘كيف…؟ كيف لا يزال ذلك الوغد حيًا…؟’ 

اختفى الدم من وجهه. 

لقد دخلت تلك المرأة الفندق وهي عازمة على تنفيذ الأمر تمامًا كما توقعت ثم خرجت منه من دون أن ترتكب أي خطأ. 

كان يتذكر جيدًا كيف خرجت شاحبة كالميتة، وخلال الأيام التي قضاها في الأقاليم تنفيذًا لأوامر الإمبراطور كان يتلقى باستمرار تقارير عن تحركات يوريسييل فهذا الأمر كان يعني له كل شيء. 

ولم تكن التقارير تخلو أيضًا من أخبار كاسيان. 

【لم يغادر غرفته منذ ذلك اليوم ولو مرة واحدة.】 

لذلك كان واثقًا من موته، أما حضوره اليوم فلم يكن إلا للتأكد للمرة الأخيرة قبل الاحتفال، لكن ما هذا…؟ 

من الجهة المقابلة كان كاسيان يحدق فيه مباشرة. 

حتى إنه لم يكلف نفسه عناء إلقاء التحية. 

تجمد الكونت ألتِن في مكانه. 

ولعن في سره ثم أجبر نفسه على رسم ابتسامة لطيفة أما كاسيان فاكتفى برفع طرف شفتيه قليلًا. قد يظن الآخرون أنها مجرد ابتسامة هادئة تليق بوريث آل بلانشيت لكن الكونت ألتِن كان يعرف معناها الحقيقي، لقد كانت سخرية صريحة. 

تلك الابتسامة الباردة جعلت جفن الكونت يرتعش للحظة. 

اقترب كاسيان بخطوات ثابتة ثم قال بابتسامة خفيفة: 

“مر وقت طويل يا عمي.” 

مد الكونت يده فصافحه كاسيان، لكن قبضته شدّت على يد عمه بقوة خفية، كانت رسالة واضحة:〘اعرف حدودك.〙 

وأطال الإمساك بيده أكثر مما ينبغي ثم مال قليلًا وهمس عند أذنه: 

“لماذا تنظر إليّ وكأنك رأيت شبحًا؟ يبدو أنك مصدوم جدًا لأنني لم أمت.”

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.