الفصل 100: 100
100
الفصل المائة
من بين دموعي المنهمرة، رأيته واقفًا هناك يبتسم وكأن شيئًا لم يحدث، بدا بخير تمامًا دون أدنى تغيير ولم يكن ذلك منطقيًا على الإطلاق.
ترددت كلمات الكونت ألتِن في رأسي، قال إن السم قاتل،
وأنه يقتل أسرع من أي شيء آخر، دون أن يترك خلفه أي أثر.
إذًا لماذا بدا الرجل الواقف أمامي سالمًا تمامًا؟
كان ينبغي أن يختنق، أن يسعل دمًا، أن ينهار ببطء وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة لكن مظهره كان طبيعيًا بصورة تامة.
اجتاحني إحساس غريب بالألفة المقلقة.
لقد سألني قبل قليل وكأنه يعرف كل شيء مسبقًا.
وشرب السم مبتسمًا رغم أنني توسلت إليه ألا يفعل.
والآن كان يراقب رد فعلي وكأنه يستمتع بالمشهد.
لا، لا يمكن أن يكون الأمر كذلك.
حاولت طرد الفكرة المرعبة التي بدأت تتسلل إلى صدري، لكنها ظلت تعود مرارًا، والغريب أن هذه الهواجس لم تخطئ يومًا.
وضع الكأس على الطاولة بصوت رنين حاد ثم انحنى ببطء نحو أذني، كان قريبًا جدًا لدرجة أنني شعرت بأنفاسه تلامس بشرتي.
وقال:
“إن كنتِ تنوين قتلي فكان عليكِ أن تفعلي ذلك على نحوٍ صحيح.”
تجمدت.
ماذا يعني هذا؟ هل كان يعلم؟ هل كان يعرف كل شيء؟
هل عرف أنني حاولت قتله؟
“إذا فعلتِها بهذه الطريقة فلن تحصلي على ما تريدينه من أي طرف.”
كان صوته باردًا، وتجمد جسدي كله.
إذًا لقد كان يعلم حقًا.
بدأ رأسي يدور بلا توقف، وشعرت وكأن أفكاري قد تحطمت بالكامل.
“كيف… كيف عرفت؟”
شحبت ملامحي وتراجعت إلى الخلف وأنا ما زلت جالسة، كأنني أحاول الهرب منه وعندما أمسك بي ومنعني من الابتعاد، قاومت بجنون كأنني سأفر إن أُتيحت لي الفرصة.
***
تمامًا كما كنتِ أنتِ دائمًا، دائمًا يائسة للهروب مني.
لابد أنكِ كنتِ تحاولين الإفلات من قبضتي منذ البداية.
حتى كلمات الحب التي كنتِ تهمسين بها لا بد أنها كانت كذبًا أيضًا لكن لماذا أوقفتِني؟ بعد كل شيء؟
الآن لم يعد بإمكاني ترككِ ترحلين.
“لماذا تسألين عن سبب بقائي حيًا؟”
نظر إليّ ذلك الوجه البريء لكن ذلك لن يغير شيئًا.
“هل هذا حقًا ما تريدين معرفته؟”
ارتجف وجهها الشاحب وامتلأت عيناها الزمرديتان بالخوف.
كان الخوف يومض فيهما كاللهب خلف الزجاج.
خوفٌ يختبئ في الظلال كالشمس حين يبتلعها الكسوف.
وفي تلك الظلال كنتُ أنا من يملؤها بالكامل.
بدت جميلة إلى حدٍ مؤلم، لكنها لم تستطع الكلام، اكتفت بالجلوس هناك، غارقة في صدمتها، عندها تركتها فتراجعت ببطء.
بدت هيئتها صغيرة وشاحبة كشعاع قمرٍ رقيق وسط الظلام.
“هل بدأتِ تندمين الآن؟”
ملأت الكأس الفارغ بالماء من جديد وعندما سمعت صوت الماء، وضعت يديها على أذنيها وكأن الصوت لا يُحتمل ثم حدقت بي بغضب.
“كان عليكِ أن تتركني أموت فحسب.”
رفعت الكأس.
“لكن كما ترين ما زلت هنا.”
حتى وأنا أشرب الماء، لم تستطع أن ترفع عينيها عني.
“إذا كنت أعلم كل شيء، فكان يجب أن أموت أكثر من أي وقت مضى، أليس كذلك؟”
اقتربت منها فارتجفت، لكن النار في عينيها لم تنطفئ.
جيد، هكذا يجب أن يكون الأمر، هذا هو معنى أن تكوني ما زلتِ حية.
في ألفونس كنتِ دائمًا تحاولين تحطيم القيود التي تربطكِ بي.
لم تكوني تكتفين يومًا بالإيماء والطاعة.
لم تقولي ببساطة:
“نعم.”
أو:
“حسنًا.”
بل كنتِ دائمًا تنظرين إليّ بعينين متحديتين، حادتين، مفعمتين بالحياة. تلك التمردات الصغيرة الحمقاء كانت تجعل منك زهرةً على وشك التفتح، والآن ها أنا أراها مجددًا.
أنتِ لا تدركين ذلك لكنني اشتقت كثيرًا إلى هذه النسخة منكِ.
“كيف… كيف استطعت أن تفعل ذلك وأنت تعرف كل شيء؟”
كان صوتها يرتجف، مبللًا بالدموع وكان اضطراب أنفاسها يملأ الصمت المحيط بنا.
قبل لحظات فقط كانت هذه المرأة نفسها تحاول قتلي.
والآن تسألني ذلك؟
كاد الأمر يثير ضحكي.
هل تدرك هذه الفتاة المتهورة الجريئة من أكون؟
لو كنتِ شخصًا آخر، أي شخصٍ آخر، لكنّتِ ميتة الآن.
ولما خرجتِ من هذا المكان على قيد الحياة.
“كيف استطعت فعل ذلك وأنت تعرف كل شيء؟”
لم أجبها فورًا ثم قلت:
“أردت أن أرى ما الذي ستفعلينه.”
ساد الصمت.
“نعم. كان ينبغي أن أدير ظهري لكِ، كان ينبغي أن أترككِ ترحلين منذ اللحظة التي التقيتِ فيها بالكونت ألتِن. كان ذلك سيكون القرار العقلاني، لكنني كنت فضوليًا.”
رفعت رأسها نحوي وقد امتلأت عيناها بالدموع.
“هل ستقتلينني أم ستتركينني أعيش؟”
قلت إن موعد خطبتي بعد شهر.
كانت كذبة جريئة، تمامًا مثل الكذبة التي اختلقتها أنا عندما قلت إن الزفاف بعد أربعة أشهر. وأنتِ لم تعلقي على أي منهما.
عندما فضحت كذبتي كذبتكِ هل تعرفين كم كان ذلك مقززًا بالنسبة لي؟ على الأرجح لا.
ثم التقيتِ بألتِن، وبيوشيل، وأخفيتِ كل شيء.
وضعتِ السم في شرابي، وفعلتِ كل ما فعلتِه.
هل لديكِ أي فكرة عما أشعر به وأنا أنظر إليكِ الآن؟
لقد وقفتِ على الحد الفاصل بين الحياة والموت.
لم تقتليني لكنكِ لم تنقذيني أيضًا بقيتِ هناك في المنتصف تمامًا.
والآن فقط سمحتِ للدموع بالسقوط.
وأنا أعرف جيدًا لماذا تبكين، لستِ تبكين لأنكِ سعيدة بنجاتي.
من هذه الناحية أنا واثق تمامًا.
أنتِ لستِ من هذا النوع من النساء.
في هذه اللحظة، لا بد أن جزءًا منكِ يقول: كان ينبغي أن أقتله.
ربما تندمين على منعكِ لي، ربما تندمين على ذلك التردد الأحمق.
رأيت انعكاسي فوق الماء، وكنت ما أزال أبتسم كالأحمق، يا له من مشهد ساخر، ما الذي يدعو للابتسام بعد أن سُمِّمت؟
جلوسي هناك، سعيدًا ببقائي حيًا إلى هذا الحد جعلني أبدو كشخص فقد عقله بالكامل، وأنتِ نظرتِ إليّ بالفعل بهذه الطريقة كأنني مجنون.
تحركت ببطء وما زال بصركِ يلاحقني حتى بعدما اختفيتِ عن ناظري بقيت صورتكِ عالقة في ذهني طويلًا، كنتِ تجلسين هناك، تعضين شفتيكِ، وتحاولين ألا تدعيني أراكِ تبكين، كان وجهكِ شاحبًا من الخوف ومع كل خطوة أخطوها بدأ مزاجي يهدأ تدريجيًا، فهذه الدموع لم تُذرف لأنني نجوت، بل ربما لأنكِ بدأتِ تندمين على إبقائي حيًا لكنني قررت تجاهل تلك الأفكار.
لأنه لو لم أفعل لتحطم هذا الفرح الغريب الذي أشعر به الآن.
أما فكرة السماح لكِ بالرحيل فقد اختفت تمامًا.
قد تندمين على هذا اليوم طويلًا، وتقنعين نفسكِ أنه كان ينبغي أن تقتليني لكن حين يأتيكِ الندم الحقيقي سيكون الأوان قد فات.
كما يحدث دائمًا مع الندم.
***
التقطتُ زجاجة الدواء التي تركها وراءه، لا بد أنه نسيها.
فمن المستحيل أن يترك شخص دواءه لمن حاول تسميمه إلا إذا كان ذلك عن طريق الخطأ.
كانت يداي ترتجفان، وأسقطت الزجاجة عدة مرات قبل أن أتمكن أخيرًا من الإمساك بها والخروج، وفي منتصف الممر الخالي بدأ نفسي يضيق.
خرجت من المكان المغلق واستقبلتني الرياح الباردة وهي تصفع وجهي، حاولت التماسك لكنني فشلت وسقطت على الأرض.
لا أعلم كم من الوقت بقيت هكذا وعندما وقفت أخيرًا كان الظلام قد غطى الشوارع.
وبدأت أضواء المصابيح تلمع في الأرجاء.
من دون تفكير، اتجهت نحو موقف العربات كعادتي.
وفي زجاج إحدى النوافذ رأيت انعكاسي، كنت أبدو بحالة مزرية، وجهي الملطخ بالدموع كان مؤلمًا حتى للنظر إليه.
متى اكتشف كل شيء؟
كلما فكرت أكثر عاد وجهه الهادئ إلى ذهني، وكان ذلك الوجه يقول كل شيء، لابد أنه كان يعلم منذ البداية.
طبعًا كان يعلم وإلا لما نجا من السم.
إذًا… ذلك الرجل كان يعرف أنني سأسممه.
نصب الفخ ثم جلس ينتظر.
لكن لماذا؟ لماذا يذهب إلى هذا الحد؟ ما الذي ارتكبته ليعاملني بهذه الطريقة؟ إذا كان يعلم كل شيء فلماذا سمح لي بالاقتراب منه أصلًا؟ وكيف عرف ما الذي سأختاره؟
كان بإمكانه أن يمنحني الدواء بدافع الشفقة فقط فهو وريث عائلة بلانشيت ويمتلك من السلطة ما يكفي لفعل ذلك.
وكان يعلم أنني سأرحل بعدها إلى الأبد، لقد أخبرته بذلك ووعدته، إذًا لماذا اختبرني رغم كل شيء؟
لماذا حوّل الأمر كله إلى لعبة قاسية؟
حتى في النهاية ظل ذلك النوع من الرجال.
بالطبع، لم يكن ملزمًا بمساعدتي، ولم يكن مدينًا لي بشيء، ولم يكن لديه أي سبب للرحمة لكن إدراك هذه الحقيقة جعل التنفس أكثر صعوبة، أن أعتمد على رحمته بينما أنا من حاول قتله، وأن أفشل حتى في ذلك.
كل شيء بدا مشوهًا ومختلطًا داخلي، تحول الخزي إلى غضب، والغضب إلى لوم.
ربما لو قتلته فعلًا كما قال لما حدث كل هذا، ربما كنت سأشعر بالراحة بدلًا من ذلك. وبسبب خطأ واحد خسرت دعم الممول وفشل المشروع والآن حتى دواء أمي سيتوقف عند هذه الزجاجة.
لا يوجد إنسان عاقل سيواصل إعطاء الدواء لمن حاول تسميمه.
كان كل شيء يطبق عليّ من كل جانب.
يضيق الخناق أكثر فأكثر حتى أصبح التنفس مستحيلًا.
وحتى عندما أغمضت عيني عاد وجهه إلى الظهور.
كان يرتدي أبرد تعبير رأيته عليه يومًا ومع ذلك كان يبتسم.
يبتسم لي وكأنه يسخر من كل شيء.
والآن فقط فهمت، لم تكن لدي أي فرصة لقتله منذ البداية،
لم يرتعش حتى عندما حاولت تسميمه.
كان يعلم كل شيء منذ البداية، كل ما فعله أنه وضعني على تلك المسرح ثم انتظر ليرى ما الذي سأفعله أما أنا فكنت الحمقاء التي لم تعرف شيئًا ولعبت الدور الذي أراده بالكامل.
في الحقيقة كان خروجي من تلك الغرفة حيّة معجزة بحد ذاتها
لأنني كنت المرأة التي حاولت تسميم وريث عائلة بلانشيت.
وكنت أتذكر جيدًا ما حدث لذلك الشخص الذي حاول فعل الشيء نفسه في الماضي، لقد مات ميتة بشعة. ثم عُلِّقت جثته أمام الجميع عبرةً لهم لكن هذه المرة تركـني أعيش.
‘لماذا؟
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.