الفصل 75: المنطقة المركزية
بمجرد أن وطئت قدماه الأرض، أحس "شون لونغ" بالقفزة الهائلة في جودة ونقاء الـ تشي السابح في الهواء من حوله، حيث كانت كواسر المنطقة المركزية تمتصه بشراهة وتتغذى عليه.
حذره "الأسود الصغير" عبر التخاطر بينما كان يسخر حواسه الروحية لمسح دائرة نصف قطرها ثلاثون ميلاً:
«سيدي، توخَّ الحذر الشديد هنا؛ فأنا أستشعر وجود العديد من الوحوش السحرية، ولا ينزل مستوى أي منها عن الرتبة الثالثة على الإطلاق!».
أومأ شون لونغ برأسه وسأل بتوجس:
«أيها الأسود، ألن تكتشف الوحوش هنا أمرنا إن واصلت استخدام قوتك الروحية لمسح المحيط هكذا؟».
رد الأسود الصغير بثقة:
«لا تقلق يا سيدي؛ فما لم يبلغ الوحش السحري الرتبة الخامسة، فمن المستحيل أن يشعر بنبض حواسي الروحية».
تنفس شون لونغ الصعداء بارتياح، لكنه ظل على أقصى درجات الحذر واليقظة وهو يتقدم رويداً رويداً نحو الأعماق؛ فوحوش المنطقة المركزية تقبع جميعاً في الرتبة الثالثة أو أعلى، ولفت انتباه أي منها سيكون كارثة محققة.
كانت زئيرات الوحوش تدوي في كل اتجاه؛ فالمنطقة المركزية بدت وكأنها ساحة نزال دامية لا تنقطع رحاها أبداً؛ فكيف يتجنبون القتال أصلاً وهذه البقعة تضم أصفى وأجود تشي في إقليم الجبل الشيطاني بأكمله؟!
ومع ذلك، وبفضل إرشادات الأسود الصغير الحثيثة، نجح شون لونغ في التملص من كل الأخطار المتربصة به وهو يتوغل بثبات.
ولو امتلك أي إنسان الجرأة لولوج هذه المنطقة، لشهد معارك طاحنة لا حصر لها بين وحوش الرتبة الثالثة وهي تمزق بعضها إرباً.
غير أن تلك المشاهد الدامية بدأت تقل تدريجياً كلما تعمق شون لونغ نحو الداخل؛ إذ تصاعدت قوة الوحوش وبأسها باطراد كلما دنا من الجبل المركزي.
وبعد ثماني ساعات من السير الحذر والمناورة والالتفاف، وصل شون لونغ قبالة بحيرة عملاقة تقبع على بعد 150 ميلاً من الجبل المركزي. كان عرض البحيرة يتجاوز عشرة أميال كاملة؛ وللوصول إلى الجبل الشامخ، لم يكن أمامه سوى خيارين: إما عبور مياهها مباشرة، أو الالتفاف حولها.
وعلى يسار البحيرة، انتصب جبل وعر ضخم، بينما امتدت على يمينها غابة كثيفة ملتفة الأشجار.
سأل الفتى: «أيها الأسود، ماذا ترصد حواسك؟».
أجاب الأسود الصغير:
«سيدي، البحيرة بالغة الخطورة؛ أستشعر في أعماقها وحشاً يوشك على بلوغ ذروة الرتبة الرابعة، لذا لا مفر من الالتفاف حولها. وداخل الغابة على يميننا، أستشعر وحشاً سحرياً طائراً في منتصف الرتبة الرابعة، إلى جانب عدد كبير من وحوش الرتبة الثالثة. أما الجبل الواقع على يسارنا، فلا ألمح فيه سوى هالة لوحش في بدايات الرتبة الرابعة، غير أنني أعجز عن تحديد نوعه وفصيلته بدقة حتى الآن. ولذا، أرى أن خيار سيدي الأفضل هو عبور مسار الجبل».
فكر شون لونغ بعمق لبرهة، ثم هز رأسه نافياً وقال بحسم:
«سنسلك طريق الغابة!».
أصابت الحيرة الأسود الصغير لسماع اختيار سيده للمسار الذي يعج بالوحوش؛ إذ يصح القول إن تلك الغابة قد تكون أشد فتكاً من البحيرة نفسها!
استشعر شون لونغ ذهول رفيقه، فابتسم بهدوء وشرح وجهة نظره:
«من الواضح أن عبور البحيرة مستحيل تماماً إلا بالتحليق فوق مياهها، مما يتركنا بين خياري الجبل أو الغابة الكثيفة. ورغم أن الغابة تبدو أكثر خطورة في ظاهر الأمر، إلا أنها في الواقع خيارنا الأمثل والأنسب؛ فبما أن وحش منتصف الرتبة الرابعة هناك طائر كاسر، فحاسة شمه ستكون شديدة الضعف على الأرجح».
لمعت عينا الأسود الصغير داخل "حجر الزمان" بإعجاب، وتابع شون لونغ تحليله:
«وفي المقابل، نحن نجهل ماهية ذلك الوحش القابع في بداية الرتبة الرابعة فوق الجبل؛ فإن لم يكن وحشاً طائراً، فهناك احتمال كبير أن يلتقط أثري عبر رائحتي حتى مع إخفائي التام لهالتي. وفوق هذا، حتى لو كان كائناً طائراً، فإن أشجار الغابة تمنحني غطاءً طبيعياً مثالياً للتخفي بين أغصانها، في حين ستكون صخور الجبل مكشوفة تماماً ولن أجد موضعاً واحداً للاحتماء فيه».
ظل الأسود الصغير مبهوتاً للحظات؛ فبصفته تنيناً متوجاً، لم يكن ليكترث يوماً بالصفات الجسدية أو نقاط ضعف الوحوش الأخرى، بل كان يسحق كل ما يواجهه بقوته الغاشمة فقط.
أما شون لونغ، فقد وزن كل الاحتمالات وحسب مساره بدقة متناهية.
دلف شون لونغ إلى الغابة، فعثر على نحو دزينة من الأعشاب الطبية من الرتبة الثانية ملقاة في الأرجاء، غير أنه لم يلمح عشبة واحدة من الرتبة الثالثة.
تنهد مواصلاً تقدمه: «يبدو أن كواسر هذه الغابة قد استأثرت بكل الكنوز النفيسة واحتكرتها لنفسها».
كانت الغابة تضم أكثر من عشرة وحوش تتربص في الظلال، غير أن شون لونغ تفاداها جميعاً ببراعة بفضل الحاسة الروحية للتنين.
وبعد قرابة ساعتين، وصل إلى مشارف جدول مائي رقراق، وأبصر طائراً عملاقاً يزيد طوله عن خمسة أمتار (نحو 16 قدماً)، يغط في سبات عميق فوق قمة شجرة باسقة على الضفة المقابلة.
تمتم شون لونغ وهو يتفحصه:
«إنه "طائر الجليد رباعي الأجنحة"».
كان الطائر يلف جسده بأربعة أجنحة زرقاء ثلجية جليدية، شكلت تبايناً صارخاً مع ريش بدنه البني ومنقاره الأحمر القاني.
ولعبور الغابة، كان لزاماً على شون لونغ بلوغ الضفة الأخرى. وإن فكر في السباحة عبر الجدول، أو حتى القفز بقوة نحو الجانب الآخر، فسيوقظ ذلك الكاسر من نومه لا محالة.
ابتسم شون لونغ وحمد طالعه الحسن لنوم الطائر، ثم أحكم قبضته اليمنى وسدد ضربة خاطفة في الهواء أمامه.
ومع ارتطام قبضته بالفراغ، تشكل شق فضائي بحجم جسد إنسان، فولج فيه شون لونغ لينبثق في اللحظة ذاتها على الضفة المقابلة!
وكأنه استشعر اضطراباً خفياً، فتح "طائر الجليد رباعي الأجنحة" عينيه بحدة في اللحظة التي عبر فيها شون لونغ الشق، وجال ببصره متفحصاً ضفتي الجدول.
ورغم أنه لم يعثر على أحد، إلا أن الطائر بات في حالة تأهب واستنفار قصوى؛ فبصفته وحشاً في منتصف الرتبة الرابعة، لم تكن حواسه وذكاؤه بالأمر الذي يستهان به أبداً.
ولحسن الحظ، كان شون لونغ قد انسل فوراً للاحتماء تحت جذع شجرة كثيفة، قبل أن يفتح شقاً فضائياً ثانياً ليتوارى في أعماق الغابة.
وفي التو الذي دخل فيه الشق الثاني، صوّب الطائر نظره فجأة نحو تلك الشجرة ذاتها التي احتمى الفتى تحتها للتو؛ وبخفقة واحدة من أجنحته استقر أمامها مباشرة! وتوهجت أجنحته الأربعة بضوء أبيض كالثلج، وتشكلت فوقها شظايا جليدية مستدقة وحادة كالنصال.
ومع رفرفة عاتية ثانية، أمطر الطائر الشجرة بوابل جليدي ساحق جعل جذعها ممتلئاً بمئات الثقوب الغائرة!
وبعد أن تيقن من خلو الموضع من أي أثر، قفل راجعاً إلى وكره.
تنفس شون لونغ الصعداء على بعد عشرات الأمتار وهو يرى ما حل بالشجرة:
«هذا الطائر الجليدي مرعب حقاً! لم أصدر أدنى صوت يذكر، ومع ذلك بدا وكأنه أحس بوجودي بطريقة ما!».
أكد الأسود الصغير بثقة:
«سيدي لم يترك أي أثر مادي إثر القفزة المكانية؛ بل كانت غريزة الوحش الفطرية وحدها هي من أنذرته بالخطر».
فقد كان التنين متأهباً للوثوب من "حجر الزمان" ومجابهة الطائر فوراً إن شكل ذلك الهجوم الجليدي خطراً على حياة سيده.
ومع انقضاء بضع ساعات أخر، كان الظلام قد خيّم بالكامل حين بلغ شون لونغ أطراف الغابة أخيراً.
وبات بوسعه الآن رؤية الجبل المركزي الضخم بوضوح تام؛ إذ لم يعد يفصله عنه سوى بضعة أميال ضئيلة.
كان الجبل مليئاً بالكهوف والمغارات، والمفاجأة الصادمة أنه كان مجرداً تماماً من أي مظهر للحياة النباتية؛ فلا أثر لأشجار، بل ولا تنبت فوق صخوره نبتة واحدة!
أرسل الأسود الصغير قوته الروحية لتمشيط الجبل، ثم قال بنبرة مشوبة بالغرابة:
«سيدي، أستشعر وجود كيانين اثنين داخل هذا الجبل!».
سأل شون لونغ مستغرباً: «اثنان؟!».
أيعقل أن يربض وحشان كاسران بدلاً من وحش واحد فوق الجبل المركزي؟!
أومأ الأسود الصغير مؤكداً وتابع بحيرة:
«في الواقع يا سيدي، لا أفهم ما يدور هناك بدقة؛ يبدو أن هناك وجودين اثنين حقاً… غير أن أحدهما فقط هو الذي ينبض بالحياة فعلياً!».
حتى الأسود الصغير بكل ما عاصره من قرون طويلة، لم يسبق له أن صادف موقفاً مبهماً كهذا.
فكر شون لونغ في الأمر ملياً، وعزم على أخذ قسط من الراحة الليلة واستعادة كامل قواه قبل التقدم نحو الجبل فجر الغد؛
لكن في تلك اللحظة بالذات، شق صمت الليل صراخ حاد ومرعب يفيض غلاً وحقداً أعمى، انبعث من أعماق الجبل المركزي ليزلزل أركان المنطقة المركزية قاطبة!
المفاجأة اللي تحيّر: الأسود الصغير كاشف وجود كيانين جوة الجبل، بس واحد منهم بس اللي حي والتاني مجهول الهوية! 😱
وفجأة صرخة غل وحقد زلزلت المنطقة المركزية كلها وصحت كل وحوش الرتبة الرابعة!
يا ترى صرخة مين دي؟ ومين الكيان الميت أو شبه الميت اللي مستخبي في الكهوف؟ وثوران الـ تشي هيبدأ دلوقتي ولا ده فخ مرعب؟ جهزوا الفشار للفصل الجاي لأن الرعب هيبدأ بجد! 🍿🔥
💬 شاركونا توقعاتكم ونظرياتكم المشتعلة في التعليقات!
ترجمة
ثراندويل
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.