الفصل 663: الداو الأسمى
استؤنفت المعارك في أرجاء الحلبة سريعاً، وفي طرفة عين انصرمت ساعة كاملة ليتبقى في الميدان صفوة أقوى ثلاثة آلاف تلميذ خارجي فقط.
وأخذت مشاعر الحماسة والترقب بين جموع التلاميذ المحتشدين في المدرجات تبلغ ذروتها تدريجياً مع تصاعد ضراوة النزالات واشتداد حدتها فوق المنصات.
حتى إن بعض تلاميذ البلاط الخارجي الأشد بأساً قد شرعوا أخيراً في اعتلاء المنصات، وسرعان ما استبان للجميع أن صفوة الألف تلميذ الأوائل سيظهرون عما قريب في قلب الحلبة بدورهم.
وتزامناً مع استمرار رحى المعارك في الحلبة، وفي الأعماق السحيقة للطائفة المقدسة، اعتلت ملامح القلق وجه الشيخ الرئيس للبلاط الداخلي ذي الرداء الأبيض، سون ون، وهو يقف مترقباً خارج مقر إقامة الشيخ الأكبر.
ورغم أنه أخطر الشيخ الأكبر بوصوله عبر رمزه التعريفي التابع للطائفة، إلا أن ساعة كاملة قد انصرمت دون أن يخرج الشيخ الأكبر لملاقاته بعد.
'هذا غريب حقاً. فحتى حين ينعزل الشيخ الأكبر للصقل، فإنه يبقي رمزه بجواره ويستجيب دوماً فور طروء أمر جلل. لا تخبرني بأن خطباً ما قد شاب جلسة صقله هذه المرة!'
واقشعر بدن سون ون فور أن راودته هذه الفكرة، غير أنه سرعان ما هز رأسه نافياً، مستبعداً هذا الاحتمال في التو واللحظة.
فالشيخ الأكبر قد بلغ ذروة مرحلة إمبراطور الداو منذ أمد بعيد.
ورغم إدراك سون ون التام لمدى خطورة اجتياز الخطوة الختامية من مرحلة إمبراطور الداو إلى مرحلة السيادة — وهي خطوة كفيلة بإزهاق روح إمبراطور داو في الذروة — إلا أنه لو أقدم الشيخ الأكبر على محاولة الاختراق حقاً، لاستحال على سون ون وسائر الشيوخ تفويت صواعق المحنة الرعدية التي كانت ستهبط من كبد السماء حتماً.
«هاها، أيها الشقي الصغير سون ون، ما الذي حملك على المجيء لرؤيتي؟»
وتردد صدى ضحكة مرحة في عنان السماء لتقطع حبل أفكار سون ون على حين غرة، فرفع رأسه سريعاً ليرى قوام رجل عجوز فارع الطول ذي شعر أبيض منساب يحلق نحوه من بعيد وابتسامة عريضة تكلل محياه.
وانحنى سون ون مسرعاً فور أن عاين القوام المألوف للعجوز ذي الرداء الأبيض، وهتف بنبرة مفعمة بالحماسة: «أيها الشيخ الأكبر!»
ورغم دهشة سون ون حين رأى أن الشيخ الأكبر لم يخرج من مقر إقامته، إلا أنه سرعان ما استوعب أنه قد أنهى جلسة صقله منذ برهة على الأرجح.
وأومأ الشيخ الأكبر برأسه بتلك الابتسامة ذاتها وهو يرمق سون ون متسائلاً: «تحدث أيها الشقي. ما الذي دفعك للمجيء؟ أحدث في الطائفة خطب تعجز عن معالجته بمفردك؟»
وهز سون ون رأسه نافياً، وأجاب بوقار وجدية: «أيها الشيخ الأكبر، ثمة مسألة بالغة الأهمية حملتني على المجيء لمقابلتك اليوم».
«أوه؟ مسألة بالغة الأهمية؟»
أومأ سون ون برأسه مجدداً وأجاب بصرامة: «تلميذ من البلاط الخارجي التحق بالطائفة حديثاً قد استبصر داو أسمى نادر الوجود للغاية!»
«داو أسمى؟ هاها، يا لك من شقي يا سون ون، أخبرني بربك، كم تلميذاً في البلاط الخارجي والداخلي قد استبصروا داو أسمى؟ ورغم ندرتها، إلا أن هناك عشرة منهم على أقل تقدير في الطائفة».
وهز سون ون رأسه بحزم شديد وهو يحدق في العجوز ذي الرداء الأبيض المنتصب أمامه بهالة راسخة كالجبل الشامخ، ثم استطرد بنبرة حثيثة متعجلة: «كلا أيها الشيخ الأكبر، الأمر مختلف تماماً هذه المرة! فالداو الأسمى الذي يحوزه هذا الفتى مرعب بحق! وفضلاً عن ذلك، هو لم يستبصر داو أسمى واحداً فقط، بل أدرك اثنين منها في آن واحد!»
«اثنان من الداو الأسمى؟!»
وضاقت عينا الشيخ الأكبر فجأة وهو يرمق سون ون بصرامة وجدية مطلقة، مما جعل جسد سون ون يرتعد ارتعادة خفيفة تحت وطأة تلك النظرة.
فبالفعل، كان سون ون يعي تماماً ما يعنيه استبصار اثنين من الداو الأسمى.
فحتى بين صفوة عباقرة المنطقة المركزية قاطبة، كان أولئك الذين استبصروا اثنين من الداو الأسمى عملة نادرة تكاد تنعدم.
بل إن سون ون نفسه لم يسمع في حياته سوى عن شخص واحد تواترت الشائعات بحيازته لاثنين من الداو الأسمى، وكان عبقرياً مطلقاً فاق بأسه قوة سون ون ذاته بمراحل!
وتابع سون ون بصوت خفيض: «أيها الشيخ الأكبر… العلة الجوهرية التي دعتني للمجيء اليوم لا تقتصر على هذا فحسب. فكلا الداو اللذين استبصرهما هذا الفتى يُعدان من أندر أصناف الداو حتى بين فئات الداو الأسمى ذاتها، غير أن أحدهما داو لم تشهد له المنطقة المركزية مثيلاً من قبل قط!
أيها الشيخ الأكبر… إنني على يقين جازم بأنه داو الزمن».
واعتلت ملامح الذهول وعدم التصديق وجه الشيخ الأكبر وهو يحدق في سون ون، قبل أن ينطق بوقار قاطع: «خذني لرؤية هذا الفتى في التو واللحظة!»
وأومأ سون ون برأسه، بينما انطلق جسده نحو حلبة البلاط الخارجي بأقصى سرعته كالسهم الخارق.
واستوعب سون ون سبب تلك الإثارة الجارفة التي تملكت فؤاد الشيخ الأكبر!
فعبقري استبصر اثنين من الداو الأسمى، أحدهما لم تقع عليه عين قط في تاريخ المنطقة المركزية… إنه لأمر مرعب ومزلزل بحق!
وفي مضمار ندرة الداو الذي استبصره، تربع شون لونغ بلا أدنى جدال في المرتبة الأولى في أرجاء الطائفة المقدسة بأسرها.
'من المؤسف للغاية أنه لا يزال ضعيفاً في قاعدة صقله… لو أتيح له متسع من الوقت فحسب… لكانت نتائجه هناك مذهلة بحق'.
وبينما جال هذا الخاطر في عقل سون ون، واصل طيرانه نحو حلبة البلاط الخارجي بأقصى سرعته، والشيخ الأكبر يقتفي أثره مباشرة كظله.
وفي تلك الأثناء، وفي كبد السماء المطلة على الحلبة، كان كل من شوان جياو وتساو لينغ ذوي الأردية البيضاء يرصدان النزالات والابتسامة تعلو محياهما.
وأومأ تساو لينغ برأسه وهو ينظر نحو هيئة بوذا ذهبي عملاق يناهز طوله عشرة أمتار (33 قدماً)، وهتف بنبرة مشدوهة: «حتى هذا الشقي يحوز بنية فريدة؟! تلميذ هي كون قد أحسن إخفاء أوراقه بحق!»
وأومأت شوان جياو برأسها موافقة، بينما شخصت عيناهما معاً نحو قوام باي لونغ تيان اللافت للأنظار وهو ينتصب بشموخ في قلب المنصة.
شاركونا توقعاتكم في التعليقات! 💬🍿🔥
ترجمة
ثراندويل.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.