الفصل 656: غريم شون لونغ
تبدلت ملامح باي لونغ تيان في التو واللحظة، بينما التمع بريقٌ قاتل يفيض بنية الذبح في عيني شون لونغ.
ورغم المسافة الفاصلة بين مقعده والمنصة التي ينتصب فوقها شينغ هوانغ وباي لونغ تيان، إلا أن شون لونغ، الذي كان يتابع الموقف بيقظة تامة بينما لم يكترث شينغ هوانغ لكتمان صوته، التقط ذلك التهديد السافر والوقح بوضوح لا لبس فيه.
«شينغ هوانغ! سأقتلك بيدي حتماً!»
وانسابت نبرات شينغ يي مشبعةً بنية قتل لا تعرف الحدود وهي تحدق في قوام شينغ هوانغ، في حين احتقنت وجوه كل من ليو مي وجيانغ تشن بغضب عارم.
فأن يجرؤ على تهديد باي لونغ تيان وشينغ يي بالبطش بعائلتيهما واستئصال شأفتهما إن امتنع شون لونغ عن تسليم كنوز «ضيعة لورد التنين»، كان أمراً أثار حفيظتهم وأشعل نيران سخطهم لأقصى الحدود.
وتقدم باي لونغ تيان خطوةً نحو الأمام، بينما انفجرت قاعدة صقله المستقرة في أواسط الرتبة السابعة من مرحلة الروح الوليدة لتنبثق من جسده دون أدنى قيد.
وكان الشيخ قد أمر باستئلال النزال منذ برهة، غير أن باي لونغ تيان تمهل ليعي حقيقة ما يروم شينغ هوانغ البوح به.
أما في هذه اللحظة، فلم يعد باي لونغ تيان يدخر أدنى رغبة في تبادل أطراف الحديث معه؛ إذ غلفت هالة ذهبية سائر بدنه في لمح البصر، لينطلق نحو شينغ هوانغ بأقصى سرعته كالسهم الصاعد.
واكتست قسمات شينغ هوانغ بالجدية والصرامة، وغطى درعٌ معدني كامل جسده في طرفة عين، بينما استقرت مطرقة حرب برونزية ثقيلة بين قبضتي يديه في الوقت ذاته.
وإذ حدق في قوام باي لونغ تيان المندفع نحوه، التوت شفتا شينغ هوانغ بابتسامة ساخرة حين لاحظ تجرد باي لونغ تيان من سلاحه، ثم لوح فجأة بمطرقة الحرب البرونزية بكل ما أوتي من قوة وبأس في وجهه.
وانبثقت هالة سوداء غطت جسد شينغ هوانغ وتفرعت لتطوق مطرقة الحرب البرونزية في يده، بينما هوت المطرقة نحو قوام باي لونغ تيان المقتحم.
ولم يدخر شينغ هوانغ ذرة من قوته، بل أطلق عنان أعتى ضرباته وأشدها فتكاً على الفور!
وكانت تلك الهالة السوداء تمثل هالة «داو الدمار» التي ضاعفت من جبروت مطرقته البرونزية، في حين عززت قوة جسده، التي بلغت مشارف المرحلة الخامسة، من بطش هجومه بدرجة أعظم.
ومع تسخير مطرقة حربية من الدرجة الذهبية وذروة الرتبة الثالثة، كان شينغ هوانغ على يقين تام بأنه ما لم يستميت باي لونغ تيان في القتال، فسينجح في إنزال إصابات بليغة به رغم الفارق الشاسع في قاعدتي صقلهما.
ولسوء طالعه، فإن المشهد الذي تمخضت عنه اللحظات التالية جعل حدقتيه تجحظان في ذهول مطبق، حين سدد باي لونغ تيان لكمة مجردة قاصفة نحو مطرقة الحرب البرونزية الهاوية نحو رأسه، وقسمات وجهه تفيض بالغضب وهو يصرخ هادراً: «شينغ هوانغ!»
وعجز شينغ هوانغ عن تصديق ما يجري، غير أنه استشعر وطأة قوة مرعبة زلزلت كيانه حين اصطدمت كف باي لونغ تيان العارية، المغلفة بغلالة من الضياء الذهبي، بمطرقة الحرب البرونزية وجهاً لوجه وبلا حائل.
«كيف يعقل أن يكون هذا ممكناً؟!»
فباي لونغ تيان لم يكلف نفسه عناء استلال سلاحه أصلاً، ومع ذلك صد هجوم مطرقته البرونزية الباطشة بيده العارية!
وبطبيعة الحال، كان شينغ هوانغ يجهل أنه رغم القدرات الهجومية العاتية التي يحوزها «داو الدمار»، فإن «داو بوذا» الخاص بباي لونغ تيان يكتنز في جوفه دفاعاً فطرياً خارقاً لا يُقهر.
وفضلاً عن ذلك، ففي مضمار الاستبصار في داو بوذا وحده، لم تكن تفصل باي لونغ تيان سوى خطوة يتيمة واحدة عن بلوغ ذروة مرحلة الروح الوليدة!
ورقب شون لونغ كيف أن أعتى هجمات شينغ هوانغ لم تفلح إلا في إيقاف اندفاع باي لونغ تيان لهنيهة عابرة لا غير، قبيل أن يواصل باي لونغ تيان تقدمه بثبات، وفي جزء من الثانية، كان قد انتصب قبالة شينغ هوانغ مباشرة.
واكتست راحة باي لونغ تيان بغلالة من النور الذهبي الوضاء، ودفع بها نحو الأمام دون أدنى هوادة أو تردد.
وطغت ملامح الرعب المطبق لتغشى محيا شينغ هوانغ حين لامست راحة باي لونغ تيان صدره، قبيل أن تنفذ تلك القوة القاهرة، الرابضة وراء كف باي لونغ تيان، لتخترق أحشاء بدنه، قاذفة إياه نحو الوراء طائراً في الهواء بعجز تام!
وعاين شيخ البلاط الخارجي المشرف على المنصة جسد شينغ هوانغ وهو يخر صريعاً فوق أديم الأرض، بينما مضى باي لونغ تيان يخطو نحوه بهدوء.
وكان جلياً أن شينغ هوانغ لم يفقد وعيه بعد، غير أنه بات عاجزاً عن مواصلة القتال وخوض النزال.
وضاقت عينا الشيخ، وتأهب للتدخل السريع تحسباً لإقدام باي لونغ تيان على إزهاق روحه.
وتوقف باي لونغ تيان قبالة شينغ هوانغ المنهار، وانحنى بجسده قليلاً، غير أن قسمات وجهه كانت قد تجردت من سائر أمارات الدعة واللطف المعهودة، ونطق بصوت خالٍ من أي مشاعر، بدا وكأنه يجاهد جهداً جهيداً للجم بركان غضبه المكتوم: «شينغ هوانغ، لقد تجاوزتَ خطوطي الحمراء اليوم؛ ورغم أن سلالة شينغتيان تُعد قوة منيعة، إلا أنك إن تجرأتَ على المساس بمدينة والدي البيضاء أو جبل الفضة التابع لعائلة شيه، فستدفع لقاء ذلك ثمناً باهظاً لا طاقة لك به؛ وإنني لفي غاية الفضول لأعلم ما إذا كانت سلالة شينغتيان تملك الجرأة حقاً للإقدام على مثل هذا الصنيع، في حين يرابط قصر إمبراطور الشياطين متأهباً لاجتياح قارة نجم الليل في أي لحظة من الآن.
وحتى لو افترضنا جدلاً أنكم هاجمتموهم وأفلحتم في سحق المدينة البيضاء وعائلة شيه، فلن أصدق قط أن سلالتك ستبلغ بها الجسارة حداً يجرؤها على المساس بوالدي أو عائلة الأخت الصغرى شيه! وإلا، فدعك من قصر إمبراطور الشياطين جانباً، إذ ستباد سلالة شينغتيان وتستأصل شأفتها عن بكرة أبيها على يد شيوخ الطائفة المقدسة ذواتهم!»
وكان شينغ هوانغ يدرك في قرارة نفسه أن باي لونغ تيان يصدع بالحق، وسرعان ما احتقن وجهه بحمرة الخزي والغضب العارم.
ففي المقام الأول، كان والد باي لونغ تيان خبيراً يقف على قدم المساواة مع جده.
فأي مشقة عاتية ستكابدها سلالة شينغتيان إن هي رامت حقاً إزهاق روح مثل ذلك الخبير الجبار الرابض في ذروة مدارات ملك الداو؟!
ورغم أن دك أسوار المدينة البيضاء لم يكن بالأمر العسير، إلا أن تصفية لورد المدينة البيضاء كانت شأناً مغايراً بالكلية.
فحتى لو استنفروا سائر قواهم، لظلت حظوظ نجاحهم ضئيلة للغاية!
وفضلاً عن ذلك، حتى لو تمكنوا من إفنائه هو أو عائلة شيه، أتجرؤ سلالة شينغتيان على اقتراف ذلك حقاً بعد أن غدا كل من باي لونغ تيان وشينغ يي تلاميذ شخصيين لشيوخ البلاط الداخلي الموقرين؟!
وكان شينغ هوانغ يعي الجواب جيداً في سويداء قلبه.
إنهم لن يجرؤوا قط.
فرغم أن الطائفة المقدسة لن تتدخل إن اكتفت سلالة شينغتيان بهدم المدينة البيضاء أو جبل الفضة، إلا أن المساس بذوي باي لونغ تيان أو شيه شينغ يي كفيل باستدعاء غضب شيوخ البلاط الداخلي وبطشهم!
وحينها، ستكون سلالة شينغتيان قد دقت إسفين نهايتها المحتومة بيدها!
ولم يكن شينغ هوانغ قد تدبر عواقب أمره بروية حين ألقى بتهديده الأرعن في وجه باي لونغ تيان سابقاً.
فلم يكن يتوقع أن توقعه القرعة في مواجهة باي لونغ تيان من الأساس، وكانت نيران الحسد التي تستعر في صدره كلما استحضر صورة شون لونغ وهو يحمل ’سيفه ذي الرتبة النجمية‘ بينما يسير باي لونغ تيان والآخرون في ركابه، قد أعمت بصيرته وسلبت لبه من فرط الحنق، مما دفعه لإطلاق ذلك التهديد الطائش.
ورمى باي لونغ تيان نظرة أخيرة نحو أمير سلالة شينغتيان المنبطح قبالته، قبل أن يلتفت نحو شيخ البلاط الخارجي ذي الرداء الأبيض ليتسلم رمزه التعريفي، ثم حلق طائراً في الفضاء ليعود نحو شون لونغ ورفاقه.
وفي الوقت ذاته، ومع التفات شينغ يي بنظراتها نحوه، لاحظ شون لونغ أن جسدها كان يفيض بنيات القتل المستعرة، بينما رمقته وخفضت رأسها قليلاً ونطقت بصوت خفيض تقطر حروفه وعيداً: «أخي لونغ، سأقتل شينغ هوانغ بيدي!»
ولم تثر كلماتها أدنى عجب في صدر شون لونغ، في حين أومأت ليو مي برأسها موافقة دون تردد.
فبالفعل، كان تهديد شينغ هوانغ خطيراً وفاحشاً لدرجة لا تُغتفر.
وحتى عقب انصرام عشرة أشهر كاملة، لم يطرأ أدنى تبدل على سريرته الخبيثة.
وظل فؤاده معلقاً بنهب نفائس «ضيعة لورد التنين» من بين يدي شون لونغ وسلبها.
وأومأ شون لونغ برأسه وهو يرنو نحو شينغ يي، قبيل أن يحول بصره نحو باي لونغ تيان الذي حط رحاله بينهم لتوه.
…
وانصرم نصف يوم كامل، وسرعان ما انحسرت ساحة المنافسة لتقتصر على صفوة الخمسة آلاف الأوائل فحسب.
وبإلقاء نظرة خاطفة على رمزه التعريفي التابع للطائفة، استبان لشون لونغ أن ترتيبه قد بلغ المرتبة 4986.
وعند هذا المنعطف الحاسم، باتت سائر المعارك الدائرة فوق المنصات تشهد اعتلاء الخبراء الحقيقيين لأرض الحلبة، إذ لم يتبقَ في الميدان سوى أعتى تلاميذ البلاط الخارجي وأمضاهم بأساً! وخرج سائر التلاميذ الذين يقفون في أواسط مرحلة الروح الوليدة من المنافسة صرعى الهزيمة.
بل حتى أولئك الذين بلغوا ذروة الرتبة السابعة في الروح الوليدة باتوا عملة نادرة في الحلبة، في حين تلاشت فئات بدايات الرتبة السابعة وأواسطها حتى كادت تنعدم بالكلية.
وباستثناء شون لونغ، وشينغ يي، وباي لونغ تيان، الذين انفردوا بكونهم الممارسين الوحيدين الصامدين في أواسط الرتبة السابعة من مرحلة الروح الوليدة، فضلاً عن ذلك الفتى القصير ذي الشعر الشائك جون رين الذي لا يزال يقبع في بدايات الرتبة السابعة، فإن سائر تلاميذ البلاط الخارجي المتبقين في الحلبة قد بلغوا ذروة الرتبة السابعة أو ارتقوا إلى مدارات الرتبة الثامنة في الروح الوليدة بالفعل.
وبطبيعة الحال، شرع شون لونغ في إيلاء النزالات اهتماماً أعمق ويقظة أعظم.
وفي تلك اللحظة، وبينما كان شون لونغ يرصد العبقري الحليق وو تاو وهو يطيح بمقاتل آخر في بدايات الرتبة الثامنة من الروح الوليدة بلكمة يتيمة واحدة، استشعر شون لونغ فجأة توهج رمزه التعريفي في جيبه.
وعلى ثغره ابتسامة رصينة، انطلق محلقاً في كبد السماء، متجهاً نحو المنصة التي قاده إليها رمزه التعريفي المتلألئ.
غير أنه في اللحظة التي وطأت فيها أقدامه مشارف الحلبة وعاين غريمه القادم، تجمد جسد شون لونغ فجأة في مكانه، بينما بدت خصمته وكأنها تشخص ببصرها نحوه بحدقات تفيض بالذهول وعدم التصديق بدورها!
«أهو أنت؟! هاهاهاهاها!»
شاركونا توقعاتكم في التعليقات! 💬🍿🔥
ترجمة
ثراندويل.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.