الفصل 616: حرب الفصائل (2)
باستثناء جيانغ تشن الذي لم يُلقِ بالاً لشنغ هوانغ قط، ميّز سائر رفاق فصيل شون لونغ على الفور ذلك الأمير ذا الشعر الشوكي من سلالة شنغتيان، والسيد الشاب الفضي الشعر الممتلئ من «جمعية المرتزقة» الواقف إلى جواره، بصحبة الفتى ذي الشعر الأزرق القابع بصفهما.
وداخلت شون لونغ دهشة طفيفة حين فطن إلى أن الهالة المنبعثة من جسد شنغ هوانغ قد بلغت ذروة الرتبة الرابعة في مرحلة الروح الوليدة!
أما هالة تشونغ فانغ، فلا تزال تراوح مكانها في منتصف الرتبة الرابعة، بينما استقرت هالة هو ليو، السيد الشاب لمؤسسة التبادل الذهبي في قارة نجم الليل، على حالها منذ أن التقاه شون لونغ أمام غابة الكركي العملاق قبل ثلاثة أشهر، قاطنة في مستهل الرتبة الرابعة للروح الوليدة.
وضيّق شون لونغ حدقتيه حين رأى شنغ هوانغ يرمقه بنظرات صلبة لا تواري نية القتل المستعرة في صدره، غير أنه بعد برهة، أطلق شنغ هوانغ همهمة ازدراء وصرف بصره عنه، موجهاً اهتمامه شطر شيه شينغيي وباي لونغتيان القابعين خلفه مباشرة.
وشخص ببصره نحوهما بملامح تنضح بالصرامة، وأشار بسبابته إلى موضع خالٍ بمحاذاة مدخل الحلبة قائلاً بنبرة آمرة: «أنتما الاثنان، تعاليا معي! ثمة أمر جلل يتعين علينا التباحث بشأنه!».
«اغرب عن وجوهنا!»، وقبل أن تتهيأ لشينغيي أو باي لونغتيان فرصة للرد، كان جيانغ تشن أول من نبس قاطعاً، إذ تقدم خطوة إضافية لينتصب قبالة شنغ هوانغ مباشرة.
وكانت عيناه السوداوان القاتمتان ترمقان شنغ هوانغ بازدراء جلي، بينما جعلت هالته المتفجرة في ذروة الرتبة الخامسة للروح الوليدة شنغ هوانغ يرتد القهقرى بضع خطوات رغم أنفه، قبل أن يشخص ببصره نحو جيانغ تشن وسحنة الذهول والإنكار تكسو محياه!
ورغم أن جيانغ تشن لم يكن يكترث لأمر شنغ هوانغ قيد أنملة، فكيف لشنغ هوانغ ألا يعلم بوجود هذا الوحش الكاسر الذي استعرض سلالته الخالدة إبان الاختبار الرابع للطائفة المقدسة؟
فجيانغ تشن وذلك الشاب ذو الرداء الأحمر المسمى جون رين، اللذان دلفا إلى الطائفة معاً، كانا الشخصين اللذين لم يجرؤ شنغ هوانغ على الصدام معهما على الإطلاق.
وحتى مع حيازته لـ داو الدمار، أدرك شنغ هوانغ أن فرصة قهره لجيانغ تشن تكاد تكون معدومة تماماً إن استنهض الأخير سلالته الخالدة!
«شنغ هوانغ، ما الذي تريده بحق؟»، انطلقت نبرة شيه شينغيي خالية من أدنى مسحة من الأدب أو المجاملة وهي تخاطب نابغة قارة نجم الليل الأول سابقاً.
فمجرد رؤيتها لشنغ هوانغ وهو يرمق شون لونغ بنظرات مشحونة بنية القتل، وتجرئه على "أمرها" باللحاق به، أوقد مراجل الغيظ في صدرها.
وأومأ باي لونغتيان برأسه إيماءة خفيفة صوب شنغ هوانغ، غير أنه لم يبرح موضعه قيد أنملة، مكتفياً بالتحديق في شنغ هوانغ وتشونغ فانغ دون أن ينبس ببنت شفة، وكأنه يترقب ما سيقوله، ورغم أنه شخص لا يأبى إعطاء الآخرين حقهم من الحياء والمجاملة، إلا أنه لم يكن ليرضى بإهانة رفاقه لمجرد التودد إلى خصومه.
فقد علم مسبقاً أن شون لونغ وشنغ هوانغ خصمان لدودان، بيد أن باي لونغتيان لم يكن يكترث لشنغ هوانغ حقاً، وكان يدرك أن شون لونغ نفسه لا يلقي له بالاً.
والحقيقة أنه لو أراد ذلك، لكان بوسع باي لونغتيان كشف «بنيته الفريدة لبوذا الذهبي» إلى جانب «داو بوذا»، ليُنصب هو النابغة الأول لقارة نجم الليل بدلاً من شنغ هوانغ، بيد أنه لم يكن من طلاب الشهرة والمجد الأجوف.
أما أن يأتي شخص مثل شنغ هوانغ ليصدر إليه الأوامر بصلف، فهذا ما لم تكن سريرته لتقبله أبداً.
وفي الوقت ذاته، ومع استشعار الهالات الأربع الصادرة عن ليو مي، وشيه شينغيي، وجيانغ تشن، وباي لونغتيان، عجز كل من شنغ هوانغ وتشونغ فانغ عن كتمان نار الحسد المتأججة في صدورهما!
وتعاظم ذلك الحنق لا سيما تجاه ليو مي، التي التقياها قبل أربعة أشهر أمام مدخل البلاط الداخلي.
فآنذاك، حين قطع شنغ هوانغ وتشونغ فانغ السبيل على شون لونغ وليو مي، كانا يذكران يقيناً أن هالتها كانت أدنى من مستواهما، بيد أنها الآن قد بلغت مستهل الرتبة الخامسة في مرحلة الروح الوليدة!
أما عن شيه شينغيي وباي لونغتيان، فحين وطئت أقدامهم الطائفة، كانوا جميعاً مزارعين في ذروة الرتبة الثالثة للروح الوليدة، والآن استطاع كلاهما بلوغ منتصف الرتبة الخامسة بالفعل.
وبطبيعة الحال، كان شنغ هوانغ قد تناهى إلى مسامعه نبأ قبول الأربعة تلاميذ خصوصيين لدى شيوخ البلاط الداخلي، وعلم أنهم قد كوفئوا بـ «حبة اختراق الحواجز» من قِبل معلميهم.
«كيف يرتضي الشيوخ قبولهم تلاميذ خصوصيين ويتجاهلونني أنا؟ فبأي شيء أنا أدنى منهم؟ بأي شيء بحق السماء؟!».
وحين علم شنغ هوانغ بذلك النبأ آنذاك، ثار ثوران المجنون، محطماً سائر المقتنيات في غرفته من فرط الحنق.
والحق يقال إن شنغ هوانغ نفسه كان يتوق بلهفة لابتياع حبة اختراق الحواجز، غير أن الحبة الواحدة كانت تُعرض بخمسة آلاف نقطة طائفة في قاعة الكنوز الذهبية.
وبغض النظر عن افتقاره لرصيد النقاط الكافي، إذ لا تجود مهام الرتبة (د) الفردية بأكثر من مئتي نقطة لكل مهمة، فحتى لو أقدم على بيع سائر مقتنياته ونفائسه، تظل حبات اختراق الحواجز نادرة الوجود وشحيحة الظهور في قاعة الكنوز الذهبية!
شاخصاً بنظراته شطر شيه شينغيي وباي لونغتيان، كبح أمير سلالة شنغتيان لواعج غيظه، واكتست نظراته بجدية قاتمة وهو يقول: «بما أنكما تنحدران من قارة نجم الليل أيضاً، فأعلم أنكما تدركان المعضلة الكبرى التي تحيق بالقارة، لذا سألج في صلب الحديث مباشرة. في غضون أقل من ثلاث سنوات، سيجتاح قصر إمبراطور الشياطين أرجاء القارة. فلا تخبراني أنكما تجهلان ما سيقترفه أولئك مصاصو الدماء بأرضنا متى ما وطئوا ثراها؟ أترضيان بأن تعاينا إبادة الأبرياء وهلاكهم؟ وبما أنكما حظيتما بقبول شيوخ البلاط الداخلي كتلاميذ خصوصيين، فأريد منكما التحدث إلى معلِّمَيكما ومناشدتهما للتدخل. وبطبيعة الحال، لا أطلب منكما هذا الصنيع دون جزاء، فطالما أقررتما بالموافقة، فستجزل لكما سلالة شنغتيان خمسة ملايين حجر روح متوسطة الدرجة».
وانفرجت شفاه شون لونغ عن ابتسامة ساخرة متهكمة فور سماع ذلك، غير أنه لم يتدخل، بل آثر التريث ليرى ما سينطق به باي لونغتيان وشينغيي.
ورغم أن شون لونغ وليو مي لم ينحدرا من عائلات عريقة في قارة نجم الليل وكانا يجهلان الكثير من خفايا القارة أو شؤون قصر إمبراطور الشياطين، إلا أن شيه شينغيي وباي لونغتيان، بما ينحدران منه من عائلتي شيه وباي، كانا على بينة تامة من أبعاد المسألة، وسبق أن أطلعا شون لونغ على جل تفاصيلها.
هز باي لونغتيان رأسه وضم يديه بحركة اعتذار مجيباً: «أيها الأخ شنغ، أخشى أنني عاجز عن مد يد العون لك، فقد فاتحتُ معلمي في هذا الشأن مسبقاً، غير أنه أجابني بأنه لا يجدر بي التدخل ما لم أكن أحوز البأس الكافي لمقارعة قصر إمبراطور الشياطين بمفردي. والطائفة المقدسة تأبى إقحام نفسها في هذا النزاع. إذ ذكر المعلم أن قارة نجم الليل تفتقر إلى إمبراطور داو يرعى شؤونها ويسود أراضيها، وبما أن قصر إمبراطور الشياطين مستعد للاضطلاع بهذا الدور، فلن يقدم شيوخ الطائفة المقدسة على مجابهتهم ما لم يعمد القصر إلى إبادة ملايين الأبرياء سفكاً وظلماً. وعلاوة على ذلك، لا داعي لإفراطك في القلق يا أخ شنغ، فالمعلم ذكر أن قصر إمبراطور الشياطين لن ينزل دماراً بالقارة، بل لعلهم يسهمون في ازدهارها وارتقائها في قادم الأيام. وفوق هذا كله، طالما رضيت سلالتكم شنغتيان بالنزول عند سلطان قصر إمبراطور الشياطين والإذعان لهم، فستظلون سالمين آمنين».
ولم يبدُ على باي لونغتيان أدنى اكتراث بعرض الخمسة ملايين حجر روح من سلالة شنغتيان، نابذاً إياه في طرفة عين.
«هراء وترهات! يا لك من وغد لعين يا باي لونغتيان! أترضى حقاً بأن ترى القوى العظمى لقارة نجم الليل تُستبدل بأولئك المسوخ مصاصي الدماء؟ أترتجي منا حقاً أن نحني الهامات ونخر راكعين تحت أقدامهم؟ إن سلالتي شنغتيان قد دانت لها القارة بحكمها لعشرات الآلاف من السنين!».
«باي لونغتيان، أعد النظر في مآل هذا الأمر! فعائلتك باي ستكتوي بنيران هذا التبدل أيضاً»، انبرى تشونغ فانغ ذو الشعر الفضي يتحدث وهو يرمق باي لونغتيان بنظرات بالغة الجدية.
وفي تلك اللحظة، لاحت ابتسامة جليدية على ثغر شينغيي وهي ترمق شنغ هوانغ والفضّي تشونغ فانغ، مستطردة: «سلالتكم شنغتيان حكمت القارة لعشرات الآلاف من السنين؟ هذا هو الباعث الحقيقي لعزوفكم عن رؤية قصر إمبراطور الشياطين يطأ قارة نجم الليل! فليس الأمر نابعاً من خشيتكم على الأبرياء الذين سيهلكون متى ما فُتحت القارة، بل لأنكم توقنون بأن عروش القوى العليا في مدينة قبة السماء ستتهاوى وتتحطم! ولأن سلالتكم شنغتيان تحتكر سائر موارد القارة، فإنكم تأبون التفريط في هذه الحظوة والمكاسب، والأمر عينه ينطبق على جمعية المرتزقة الخاصة بـ تشونغ فانغ! فأنتم تدركون أن قصر إمبراطور الشياطين سيجبركم على حني الرؤوس، ولهذا ألجأتكم الضرورة لاستجداء الغوث من الطائفة المقدسة. غير أن عائلتي شيه وعائلة باي لن تضارا كثيراً جراء هذا الأمر من الأساس. وإنما الوبال الأكبر سينزل على من يحتكرون خيرات القارة كسلالتكم شنغتيان!».
وسماع شيه شينغيي وهي تجرد حقيقة سلالة شنغتيان وتعرّيها على هذا النحو أضرم نيران السخط في فؤاد شنغ هوانغ، بيد أنه أدرك في قرارة نفسه صدق ما رمته به.
وكان هذا هو السبب الرئيس الذي حمل سلالته على التنازل وتقديم خمسة ملايين حجر روح لشينغيي وباي لونغتيان لاستمالة معونتهما.
وفي وسع شنغ هوانغ تقديم ثمن أبهظ من ذلك، غير أنه من واقع نبرة شينغيي وباي لونغتيان، فطن إلى أنهما والطائفة المقدسة قاطبة ينأون بأنفسهم عن خوض غمار هذه المعمعة.
وحقاً، فإن سلالته شنغتيان وبقية القوى المتسيدة في مدينة قبة السماء هم من سيتجرعون مرارة النكبة العظمى، بينما القوى كعائلتي شيه وباي فلن يصيبها ضرر يُذكر إن بسط قصر إمبراطور الشياطين نفوذه على القارة.
ولكن كيف لسلالة كـ شنغتيان، اعتادت التربع على عرش القارة لعشرات الآلاف من السنين، أن تنحني فجأة وتخضع لسلطان قصر إمبراطور الشياطين؟
ولهذا احتقن صدر شنغ هوانغ بالكمد والأسى لعدم ظفره بمرتبة تلميذ خصوصي لدى أحد شيوخ الطائفة المقدسة على غرار شيه شينغيي وباي لونغتيان.
«والآن، اغربوا عن وجوهنا! وكفاكم قطعاً للسبيل!».
حدج جيانغ تشن شنغ هوانغ بنظرة قاسية جليدية وهو ينبس بكلماته، غير آبهٍ بما يحيق بشنغ هوانغ من بلاء، أو بحتمية ركوع سلالته أو زوالها عن وجه قارة نجم الليل.
وظلت قسمات الذهول الممزوج بالإنكار مرتسمة على وجه شنغ هوانغ وهو يحدق في شيه شينغيي وباي لونغتيان اللذين ضربا بحديثه عرض الحائط بالكامل، ومضيا في ركاب شون لونغ عابرين عتبة الحلبة.
…
وعقب اجتياز مدخل الحلبة والولوج إلى أرجائها، تبدّى أمام ناظري شون لونغ، وليو مي، والبقية، رواق هائل يفضي مباشرة إلى مقاعد المتفرجين، ورواق ضيق يمتد شطر قلب الحلبة، إلى جانب ثلاث منصات متباينة لا تفصل بينها مسافات بعيدة.
وتقدم شون لونغ مباشرة نحو المنصة المخصصة لحروب الفصائل.
ووفق ما أفاد به الشاب القابع خلف المنصة، لم يعد يفصلهم عن انطلاق نزالهم سوى أقل من ساعة واحدة.
ورغم ضخامة الحلبة المترامية، إلا أن الحاضرين اليوم بالكاد بلغوا خمسمائة تلميذ من البلاط الخارجي، مما جعل المكان يبدو موحشاً مقفراً.
وأخيراً، وبعد انقضاء تلك الساعة، استل شيخ مسن يتشح برداء أبيض يقف في قلب الحلبة رمزاً أسود من خاتمه المكاني ورفعه عالياً في الهواء فوق هامته، ثم انطلق صوته الرتيب الخالي من المبالاة يملأ الأرجاء: «فصيل شون لونغ ضد فصيل ليم يو، سيبدأ النزال في التو واللحظة!».
شاركونا توقعاتكم في التعليقات! 💬🍿🔥
ترجمة
ثراندويل
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.