الفصل 377: انطلاق الاختبار
في اللحظة عينها التي توارى فيها ذلك الصوت الجبار، انقشعت الظلمة الدامسة التي غشت أرجاء القارة، مفسحةً المجال لأشعة الشمس لتجد طريقها من جديد فوق أديم «قارة نجم الليل»؛
غير أن جموع الممارسين في «مدينة قبة السماء» انفجروا في نقاشات وصيحات صاخبة:
«اختبار الطائفة المقدسة سينطلق حقاً بعد قليل! أتساءل أي صنف من الأهوال سيكون هذا الاختبار!»
«ههه، أحمد الإله أنني وفدتُ إلى مدينة قبة السماء منذ شهر مضى؛ فخوض النزالات في "قصر التصنيف" قبالة سائر النوابغ قد صقل بأسي وجعلني أشد قوة!»
«أشد قوة؟! تباً لك، أنت مجرد ممارس في منتصف المستوى الثامن من عالم الروح! وما لم تكن خبيراً في عالم الروح الوليدة، فلن يتعدى مصيرك كونه مجرد وقود للمدافع وطعام للموت في هذا الاختبار!»؛
ومع تبدد الظلمة، أدارت "ليو مي" رأسها لترنو نحو "شون لونغ"، وسألت بصوت خفيض شابه الذهول:
«أخي لونغ… ذلك الكيان يفوق في بأسه ملك الداو التابع لقصر إمبراطور الشياطين بأشواط، أليس كذلك؟»؛
ورغم جهل ليو مي بالمدى الحقيقي لقوة "دوان تشو"، إلا أنها — وحتى كـ ممارسة تقبع عند ذروة المستوى التاسع من عالم الروح — استطاعت أن تستبين بوضوح أن الضغط الساحق الذي بثه مجرد ذلك الصوت كان أشد ترويعاً وهولاً من الهجوم الشامل الذي شنه دوان تشو بكامل ضراوته على التنين الأسود في فيلا لورد التنانين؛
وأومأ شون لونغ برأسه وعيناه تشعان وقاراً صارماً، ثم قال:
«ذلك الشخص هو في الغالب طودٌ شامخ يتربع في عالم أباطرة الداو!»؛
وكان شون لونغ ليتلمس مشورة "الأسود الصغير" لتوثيق رتبة ذلك الخبير بدقة، غير أن التنين الأسود قد استغرق في سبات عميق منذ أسبوعين إثر شروعه في هضم وامتصاص «حجر التنين»؛
وبطبيعة الحال، كان شون لونغ يتوقع هذا السبات سلفاً؛ فالأسود الصغير كان قد أوضح له في الماضي أن الهوة الفاصلة بين ملك الداو وإمبراطور الداو تفوق باتساعها الفارق بين خبير الروح الوليدة وملك الداو بمراحل!
وكان شون لونغ موقناً بأنه ما إن يفرغ الأسود الصغير من هضم حجر التنين بالكامل، فسينتزع اختراقه نحو الرتبة السابعة ليعادل في بأسه إمبراطور داو حقيقي!
وفي الوقت عينه، كان شون لونغ قد كرس الأيام الستة الأولى من مكوثهما في النزل — داخل رحاب الفضاء الضبابي لـ "حجر الزمان" — للتأقلم واعتياد القتال بالسيف الأسود؛
ورغم أنه لم يسبق له استخدام السيف في ماضيه، إلا أنه ولما كانت ليو مي عاجزة عن حمله خشية أن تفت طاقة داو البرق في عضد كائناتها الميتة، فقد آثر اعتماده سلاحاً رئيساً له؛ إذ لم يعد من الحكمة التشبث بـ «عصا الزهر القرمزية»؛
ففي غمار اختبار الطائفة المقدسة، كان شون لونغ على يقين من وفرة أولئك الخصوم المتسلحين بأسلحة ذهبية من الرتبتين الثانية والثالثة؛ ومن ثم، فإن إحجامه عن استعمال سلاحه من رتبة النجوم واكتفاءه بعصا الزهر القابعة عند ذروة الرتبة الذهبية الأولى كان سيضعه في موضع ضعف وتراجع محتوم؛
وفضلاً عن هذا، ورغم تدني الاحتمال، لم يكن شون لونغ ليسقط من حساباته إمكانية حيازة نوابغ آخرين لأسلحة من رتبة النجوم؛
فرغم أن تلك الأسلحة تعد ذخائر حصرية لأباطرة الداو، إلا أن من ينحدر من خلفيات وسلالات عظمى قد يظفر بسلاح كهذا استثناءً!
ومع اقتران ذلك ببقاء زراعة شون لونغ عند ذروة المستوى التاسع من عالم الروح، لكان من العسير للغاية عليه مجالدة أولئك العباقرة الذين عانقوا عالم الروح الوليدة منذ أمد بعيد إن تسلح بعتاد متواضع!
فيكفي أن "يي مينغ تشو" و"سو شانيوان" اللذين عاين نزالهما في قصر التصنيف قبل ثلاث سنوات، كانا يتربعان حينها بالفعل في أوائل ومنتصف المستوى الأول للروح الوليدة!
ولا يسع شون لونغ سوى تخمين البأس المرعب الذي عانقاه اليوم؛ والأدهى من ذلك، أن ذينك الاثنين لم يكونا حتى من صفوة عباقرة قارة نجم الليل!
فبالمقارنة مع ذي الشعر الأزرق "هو ليو" — المصنف ثالثاً في قصر التصنيف والذي التقاه شون لونغ في «مؤسسة التبادل الذهبي» قبل عامين — لا يصح حتى ذكر أولئك في جملة واحدة معه!
ولهذا، أمضى شون لونغ قرابة ستين يوماً في باطن الفضاء الضبابي لحجر الزمان، عاكفاً على التمرس بالسيف الأسود ومقارنة تقنياته بأساليب العصا؛
ورغم أن العصا والسيف لا يختلفان جذرياً في مبادئ القتال الجوهرية، إلا أنه رصد فوارق حاسمة بينهما:
«العصا تمنح صاحبها مرونة ورشاقة فائقة في الحركة، مع تنوع رحب في زوايا الهجوم؛
غير أن السيف يحوز قدرة تدميرية وبطشاً هجومياً غاشماً تعجز العصا عن مضاهاته بأي وجه!»؛
وكانت تلك هي البصيرة التي استخلصها طوال الشهرين، ورغم أنه لا يدعي بلوغ مرتبة خبير بالسيف، إلا أنه بات قادراً على توجيهه وسلّه بسلاسة ودون أدنى عائق؛
ومع تقدم شون لونغ وليو مي بخطاهما صوب السهول المنبسطة خارج أسوار «مدينة قبة السماء»، كانت الحشود تتدفق وتتزاحم كالسيل المندفع من بوابات المدينة في سباق محموم؛
وفي غمضة عين، احتشد ما يربو على عشرة آلاف ممارس، ولم يكن العدد سوى في تصاعد مطرد مع كل ثانية تنصرم؛
وعقب انقضاء يوم كامل، كان مائة ألف ممارس — وجميعهم دون استثناء يتربعون في المراحل المتأخرة من عالم الروح أو ما يعلوه — قد غصت بهم السهول الممتدة خارج الحاضرة؛
«انظروا، أليس ذلك الأخ الأكبر "لونغ هونغ"، صاحب الترتيب العشرين في قصر التصنيف؟!»
«ألم يكن لونغ هونغ يحتل المركز الخامس في الماضي قبيل تجرعه الهزيمة أمام "اللورد الأبيض الشاب"؟ كيف انحدر ترتيبه وصولاً إلى المركز العشرين هكذا؟»
«أيها الأحمق! ومن يكون اللورد الأبيض الشاب في نظرك؟! إنه أحدث وألمع نجم صاعد في القارة قاطبة! لقد انتزع المركز الثاني في قصر التصنيف بالفعل، ولا يعلوه أحد سوى "شنغ هوانغ"! بل سمعتُ من يؤكد أن اللورد الأبيض يملك فرصة صريحة لإسقاط شنغ هوانغ إن تجالدا، ولكن واأسفاه…!»؛
وانبرى آخرون لإلجام ذلك الممارس الذي استصغر المركز العشرين لـ لونغ هونغ:
«مغفل! أتظن حيازة المركز العشرين في قصر التصنيف أمراً هيناً؟! في الماضي كان لونغ هونغ خامساً بين ممارسي مدينة قبة السماء وحدها! ولكن كم من الوحوش والنوابغ تدفقوا إلى الحاضرة منذ نزاله مع اللورد الأبيض الشاب؟! إن مركزه العشرين الآن ليس تصنيفاً للمدينة، بل هو المرتبة العشرون على مستوى القارة بأسرها!»؛
وسارع ذلك المنتقد لحني رأسه والفرار متوارياً بين الجموع، عاجزاً عن احتمال تقريع الحشود وشتائمهم؛
وتوالى احتشاد الخبراء، وأخذت تطرق مسامع شون لونغ أسماء غريبة لم يألفها من قبل، حتى استرعى اسمٌ مباغت انتباهه وانتباه ليو مي معاً:
«مهلاً! أليست تلك "شيه شينغيي" من عائلة شيه القاطنة في الجبل الفضي؟! لقد سمعتُ أنها انتزعت المرتبة الخامسة في التصنيف منذ أكثر من عام مضى»
«أهذا كل ما يحيط به علمك؟! قبل نصف عام، بارزت الآنسة شيه الخبير "هو ليو" التابع لمؤسسة التبادل الذهبي وانتهى النزال بالتعادل التام! غير أنها توارت عن الأنظار عقب ذلك مباشرة، عاجزةً عن حسم المرتبة الرابعة لنفسها!»
«تباً! وددتُ لو أنها شاركت في النزالات بكثافة أكبر، كي أنعم بالتطلع إلى حسنها وجمالها كل يوم!»؛
وحين التفت شون لونغ وليو مي صوب مصدر الجلبة، طالعا شابة حسناء تسحر الألباب تتدثر برداء أخضر ناعم، تشق طريقها بين الزحام؛
وكان شعرها الأشقر الشاحب وعيناها الزمرديتان الآسرتان تزيدان ملامح وجهها الفاتن وقوامها الرشيق فتنةً وضياءً، جاعلةً منها محط أبصار وتلهف سائر الشبان المحتشدين في الأنحاء؛
ومهما يكن من أمر، لم يكن بوسع شون لونغ أو ليو مي إنكار حقيقة أن تلك الشابة حسناء تقلب الممالك وتفتن الألباب؛
ولمعت نظرة دهشة في عيني ليو مي من خلف نقابها الحريري الأبيض، وأدارت وجهها نحو شون لونغ وهمست:
«أخي لونغ… من المرجح أن صلة قرابة وثيقة تربطها بالسيدة "شيه رونغ" التابعة لـ "نقابة القمر الشاحب"»؛
وأومأ شون لونغ برأسه مؤكداً، مسترجعاً صورة تلك المرأة الجميلة من نقابة القمر الشاحب في «مدينة السيف الفضي»، والتي كانت ملامح وجهها تشبه ملامح هذه الفتاة إلى حد التطابق؛
وبطبيعة الحال، لم يطل شون لونغ التحديق فيها سوى لبضع ثوانٍ تزيد عما منحه لـ لونغ هونغ؛
فمهما بلغ جمال امرأة، فلن يلتفت إليها لمجرد حسنها الظاهري؛
وفضلاً عن هذا، فإن شيه شينغيي لا تعدو كونها تماثل ليو مي في المنزلة، وإن اختلف طابع الحسن والبهاء بينهما؛
وتوالى انصرام الساعات وتضاعفت الحشود بأعداد مهولة، غير أنه وسط تلك المئات من الآلاف، تعذر على شون لونغ رصد كل من ذاع صيته وصنع لنفسه اسماً في حاضرة قبة السماء خلال العامين المنصرمين!
وأخيراً، انصرم اليوم الثاني بالكامل، معلناً انتهاء مهلة الثماني والأربعين ساعة التي حددها ذلك الخبير الجبار؛
وكان ما يربو على مائتي ألف ممارس قد غصت بهم السهول الممتدة خارج أسوار المدينة، حين غاصت القارة في ظلمة دامسة للمرة الثانية، قبيل أن يصدح ذلك الصوت الرعدي المهيب ليرتجف له أديم الأرض مجدداً:
«انـتـهـت مـهـلـة الـثـمـانـي والأربـعـيـن سـاعـة!»
وفور فراغ ذلك الكيان من عبارته، تجسدت بوابة بيضاء عملاقة تمتد لأميال في كبد السماء، قبيل أن يستطرد الصوت هادراً:
«يـا مـن اسـتـوفـيـتـم شـروط خـوض اخـتـبـار الـطـائـفـة الـمـقـدسـة… اعـبـروا تـلـك الـبـوابـات وادخـلـوا الأعـمـاق!
غـيـر أنـه إن تـجـرأ أي مـنـكـم عـلـى اقـتـحـامـهـا وقـد جـاوز عـمـره الـثـلاثـمـائـة عـام… فـلـيـعـلـم سـلـفـاً أن الـمـوت والـفـنـاء هـو مـصـيـره الـمـحـتـوم!
وفـضـلاً عـن هـذا… لا وجـود لأي تـحـالـفـات فـي اخـتـبـار الـطـائـفـة الـمـقـدسـة، ومـن الـمـرجـح جـداً أن تـفـقـدوا حـيـاتـكـم فـي خـضـمـه!
والآن… لـيـنـطـلـق اخـتـبـار الـطـائـفـة الـمـقـدسـة… ابـدأوا!!»
والآن.. فليبدأ اختبار الطائفة المقدسة!!» 💥
«انفتحت البوابة البيضاء، وانسدلت ستائر الموت… حان وقت العظمة، فلتبدأ الملحمة!! 🚪⚔️🔥»
شاركونا توقعاتكم في التعليقات! 💬🍿
ترجمة
ثراندويل
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.