الفصل 362: امتنان تسوي غوه ليانغ
تحت النظرات المشدوهة لـ "تسوي غوه ليانغ" و"وان تسي دونغ"، وإثر ضربة واحدة فحسب، ضعفت الدوامة التي كان تسوي غوه ليانغ يكبحها لتتلاشى بأكثر من نصف قوتها؛
واستناداً إلى هول تلك الموجة الصادمة وحدها، استطاع الملكان أن يدركا بيقين أن بأس الفهد الأسود يتربع دون ريب عند ذروة المرحلة المبكرة من الرتبة السادسة؛
بل إن خبيرين في ذروة المرتبة الثالثة من عالم ملوك الداو قد يعجزان عن حسم النصر في نزال مباشر ضده!
وفور أن أصابت الموجة الصادمة الثانية قلب الدوامة، تبددت الدوامة الواهنة وتلاشت كالهباء، لتضيء عينا تسوي غوه ليانغ — الذي كان يجهد لكبحها — بوميض جارف من البهجة والإثارة؛
غير أنه، وفي اللحظة ذاتها التي اندثرت فيها الدوامة الأولى، تحركت دوامة ثانية من المحيط لتحل محلها على الفور، مواصلةً إطباق الضغط على كاهل تسوي غوه ليانغ ووان تسي دونغ؛
إلا أن ملامح تسوي غوه ليانغ لم تعد تتشح بالحذر أو اليأس القاتم، بل طغت عليها بهجة عارمة ونشوة مطلقة وهو يشخص بنظرات تلتمع إعجاباً نحو الفهد الأسود ذي الأجنحة الفضية؛
ومع فوران المياه واضطرابها من حوله، سخر تسوي غوه ليانغ كامل براعته واستبصاره في داو الماء لكبح الدوامة الجديدة الماثلة قبالته؛
وفي التوقيت عينه، فتح "الفضي الصغير" فاهه مجدداً، موجهاً موجة صادمة أخرى لتصيب مركز الدوامة الجديدة في مقتل؛
وتوالت اللحظات على هذا المنوال، وواحدة تلو الأخرى، أخذت الدوامات المائية المحيطة بـ تسوي غوه ليانغ ووان تسي دونغ تتهاوى وتتبدد؛
ومن أصل عشرين دوامة كانت تطوقهما في بادئ الأمر، لم يتبقَّ سوى أربع دوامات فحسب!
بل إن عيني وان تسي دونغ كانتا ترنوان نحو الفضي الصغير بقداسة وتبجيل وكأنها تشهد سلفها الأكبر، وبملامح يفيض منها الحماس والرجاء صاحت نحو شون لونغ بصوت خالطه الأمل:
«لم يتبقَّ سوى دوامة واحدة رئيسية تكبل البقية! أرجوكم، ابذلوا أقصى ما لديكم!»؛
وأومأ شون لونغ برأسه موافقاً، ولم يكبح الفضي الصغير الذي فغر فاه مجدداً ليطلق زئيراً مشحوناً بموجة صادمة غاشمة؛
وهذه المرة، وفور ارتطام الموجة الصادمة بمركز الدوامة، أخذت الدوامات الأربع المتبقية ترتعد وتميد في آن واحد؛
ومع انقضاض الضربة الثانية، باتت الدوامات على حافة التصدع والانهيار التام، غير أنها لم تتبدد فوراً هذه المرة؛
ولم يكن إلا عقب إصابة الموجتين الصادمتين: الثالثة والرابعة لأهدافهما بدقة حتى انفركت الدوامات وتلاشت الواحدة تلو الأخرى؛
وأخذ قاع البحر تحت قدمي تسوي غوه ليانغ ووان تسي دونغ يميد ويرتجف، قبيل أن تتشقق تضاريس القاع وتتصدع؛
واندثرت المصفوفة الطبيعية التي كبلت الملكين لآلاف السنين أخيراً، لينطلق تسوي غوه ليانغ وزوجته صاعدين صوب سطح الماء بلهفة محمومة، كأسماك تفر بذعر من فكي قرش مفترس!
وفور انبثاق الرجل الذهبي وتلك السيدة الفاتنة فوق صفحة البحر، ترقرقت الدموع في مآقيهما، وتمتم تسوي غوه ليانغ في سرّه بذهول:
«أخيراً…»؛
واحتضنته وان تسي دونغ بإحكام، وبأعين غمرتها دموع الفرح والنجاة نظرت إلى الرجل ذي الرداء الذهبي وقالت بنبرة طفحت بالبهجة:
«أخي ليانغ… لقد انعتقنا ونلنا حريتنا أخيراً! لقد خلتُ أننا سنقضي نحبنا في هذا الموضع وندفن في ظلمات قاع البحر، دون أن نبصر نور الشمس مجدداً!»؛
وأومأ تسوي غوه ليانغ برأسه، وعيناه عاجزتان عن مواراة بحار المشاعر المضطربة في حناياه، قبيل أن يلتفت ببصره نحو الفهد الأسود الذي شق عباب البحر طافياً فوق السطح بدوره، لترسو أنظاره على ذلك الشاب الوسيم ذي الرداء الأزرق، وتلك الفتاة المصونة بالنقاب الأبيض الواقفة بجواره؛
والمثير للدهشة، أن تسوي غوه ليانغ قد عقد قبضتيه وانحنى محيياً بنبرة ودودة ودامثة، خلت تماماً من ذلك الكبرياء والاستعلاء المعتاد لملوك الداو الذي عهده شون لونغ في ماضيه:
«أخي الصغير شون، أشكرك من صميم فؤادي على إنقاذ مهجتي! لقد حسبتُ دوماً أنك ستحتاج لبضعة قرون — إن لم تكن آلاف السنين — حتى تطأ أقدامك هذا الموضع؛ ومع ذلك، تجشمت أهوال المخاطرة وقصدت هذه البقعة لنجدتي أنا وتسي دونغ وأنت لا تزال تتربع عند ذروة عالم الروح!
وأنا، تسوي غوه ليانغ، لستُ بالذي ينسى الإحسان أو ينكر الجميل قط؛ فتفضل بقبول رمز امتناني هذا»؛
وفور أن أتم حديثه، ودون انتظار ردٍّ من شون لونغ، استل الملك القابع عند ذروة المرتبة الثالثة من ملوك الداو خاتماً فضائياً ذهبياً صغيراً من طيات ردائه، وقذف به صوبه مباشرة؛
والتقط شون لونغ الخاتم الفضائي دون تردد أو امتناع، ودون أن يفتش في محتوياته، دسه في جيبه في التو، معتزماً تفحصه لاحقاً بروية؛
ثم حول بصره شطر تسوي غوه ليانغ، وعقد قبضتيه مجيباً بابتسامة هادئة:
«أيها السيد المبجل، ما دمتُ قد قطعت عهداً بعونك، فمن المستحيل أن أنكث وعدي؛ ومجرد تنازلك لي عن "الفضي الصغير" في الماضي كان مسوغاً كافياً ليدفعني لنجدتك اليوم؛ ولن أنسى يداً بيضاء أسديتها إليّ في غابر الأيام!»؛
واشتعلت نظرات الذهول في عيني تسوي غوه ليانغ وزوجته وان تسي دونغ وهما يرمقان «ملك الفهود ذي الأجنحة الفضية» القابع في بدايات الرتبة السادسة أمامهما؛
فتسوي غوه ليانغ يذكر بوضوح تام أن الوحوش السحرية التي خيّر شون لونغ بينها كانت تقبع في بدايات الرتبة الخامسة؛
أما بشأن ملك الفهود ذي الأجنحة الفضية الذي استقر اختياره عليه حينها، فكان وحشاً عجز خادمه العجوز "تاو" عن تصعيده لمنتصف الرتبة الخامسة مهما استفرغ من حيل وجهود؛
وكانت خيبة الأمل التي تجرعها تسوي غوه ليانغ جراء هذا الفهد تفوق بكثير غبطة حيازته له، حتى حكم عليه نهائياً بالعقم والعجز عن إحراز أي ارتقاء إضافي في دورة حياته؛
ومع ذلك، وعقب ثلاث سنوات وجيزة، قفز هذا الكاسر ذاته ليعانق بدايات الرتبة السادسة، وبات يوازي الآن في بأسه قوة تسوي غوه ليانغ نفسه… إن لم يكن يفوقه ضراوة وبطشاً!
وبطبيعة الحال، استطاع تسوي غوه ليانغ قراءة ما بين سطور كلمات شون لونغ، مما جعله يطلق قهقهة خافتة يشوبها بعض الحرج؛
فقد أدرك أن شون لونغ قد فطن بيقين لنظرات حسده السابقة وهو يطالع الفهد الأسود في لجة الماء؛ وتذكيره بأن الفهد كان جزءاً من مكافأته القديمة ما هو إلا رسالة ضمنية حازمة تأمره بوأد أي فكرة قد تراوده لاسترداد الفهد لنفسه مجدداً!
وبطبيعة الحال، ومض هذا الخاطر في ذهن تسوي غوه ليانغ للحظة، غير أنه لم يكن لينزلق لفرضه بالقوة إن قابله شون لونغ بالرفض؛
فبمعزل عن عدم ثقته المطلقة في حسم النزال ضد الفهد في مواجهة مباشرة، وحتى لو استطاع، فليس تسوي غوه ليانغ بالرجل الذي ينقض عهوده ليطعن في الظهر من بذل مهجته لإنقاذه وإنقاذ عقيلته لتوه؛
وعاقداً قبضتيه بابتسامة تعلو محياه، رمق تسوي غوه ليانغ شون لونغ، قبيل أن يهز رأسه في تهكم ذاتي ساخر، واستل من خاتمه الفضائي قطعة معدنية ضخمة تشبه الحديد الأبيض النقي وقبض عليها بين يديه؛
واكتست نظراته بمزيج معقد من المشاعر، غير أن وميض بهجة لاح من بين ركام آلامه، وقال مخاطباً شون لونغ:
«لولا هذه القطعة اللعينة… لما تجرعتُ أنا وتسي دونغ ويلات هذا العذاب لآلاف السنين الخالية!»
شاركونا توقعاتكم في التعليقات! 💬🍿
ترجمة
ثراندويل
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.