الفصل 334: لو ون ولو غونغ
حدق تلاميذ الساحة الخارجية في زعيم الطائفة، والشيخ الأكبر، وسائر الشيوخ المحلقين في كبد السماء، وعيونهم تجحظ بصدمة وذهول صريحين؛
فكلمات "ليو مي" هوت كصاعقة مرعدة شقت عنان السماء، لتلجم الطائفة برمتها في صمت مطبق؛
وعقب لحظات موحشة من السكون الخانق، كان أحد تلاميذ الساحة الخارجية هو البادئ بشق هذا الصمت؛ ونطق بصوت خفيض ومرتجف عجز عن مواراة رعبه:
«إذن… نحن لسنا سوى سجناء مقيدين في هذه الطائفة؟!»؛
ولم تكن كلمات ذلك التلميذ صاخبة، غير أنها قرعت بوضوح آذان كل من يحيطون به، كصفعة أيقظتهم من سباتهم وذهولهم المطبق!
«سأغادر هذه الطائفة اللعينة!!»؛
ولم يُعرف من كان التلميذ الأول الذي صدح بتلك الصرخة، غير أن جحافل لا حصر لها من التلاميذ انطلقت تعدو في اللحظة ذاتها صَوب بوابات المدينة الكبرى كالسيل الجارف!
وبطبيعة الحال، وسط تعداد سكاني يناهز بضعة ملايين، لم تكن الخمسون ألف تلميذ الذين التقطوا كلمات ليو مي بالعدد الضخم؛
غير أنه وفور أن عاين بقية تلاميذ الساحة الخارجية ما يقارب خمسين ألف تلميذ يهرولون بذعر نحو بوابات «مدينة السحاب الطافي» في آن واحد، استوعب الجميع على الفور أن كارثة عظمى قد ألمّت بالطائفة!
وكان أحد شيوخ "عائلة ليو" هو الأسرع إفاقة من هول الصدمة؛ ورامقاً أولئك التلاميذ الفارين بأعين تقدح غيظاً ونيات قتل هادرة، زعق بصوت مجلجل زلزل الأرجاء:
«تـوقـفـوا فـوراً!!»؛
وكبح بعض التلاميذ ركضهم في التو، مرعوبين من بطش الشيخ وزمجرته، غير أن ما يربو على نصفهم واصلوا الاندفاع المحموم نحو البوابات رغماً عن أهوال الخوف!
وانطلق شيخ عائلة ليو طائراً في كسر من الثانية، وقبيل أن تطأ أقدام التلاميذ عتبة البوابة، أوصد مصراعيها الفولاذيين بعنف، قاطعاً دابر الخروج ومحتجزاً الجميع في باطن المعقل؛
وعقب تصويب نظرة حنق وغل صوب ليو مي، حوّل الشيخ بصره نحو زعيم الطائفة المذهول، الذي لم يكن قد استرد رباطة جأشه بعد من هول ما جرى؛
أما الأشد غلياناً واحتراقاً بين الحاضرين قاطبة، فكان "ليو تشانغ بون"؛
فقد كان يوقن بأنه حتى وإن نجحوا في منع هؤلاء التلاميذ من الفرار اللحظي، فإن كلمات ليو مي ستنتشر كالنار في الهشيم في أرجاء «المدينة الخارجية»، ولن يبزغ فجر الغد حتى تكون تلك الفضيحة قد طرقت مسامع كل تلميذ على قيد الحياة!
فكيف له أن يعتلي سدة منصب زعيم الطائفة مستقبلاً في ظل هذا الركام والفوضى العارمة؟!
وراودت ليو تشانغ بون رغبة عارمة في سب ليو مي ولعنها حتى يشفى غليله، غير أنه وبمجرد أن وقعت عيناه على فرسان الدروع السوداء والهياكل العظمية الحائمة بجوارها، ابتلع كلماته في حلقه صاغراً؛
أما ليو مي، فلم تكن لتلقي بالاً لردود أفعال ليو تشانغ بون أو أي كائن آخر؛
وعقب إلقاء نظرة وداع أخيرة وباردة نحو "ليو جيان"، بات يسعها أخيراً مغادرة الطائفة دون أن يرين على قلبها أدنى عبء أو ندم؛
أما بشأن السبيل الذي سينتهجه ليو جيان لرتق هذا الفتق ومعالجة هذه المصيبة، فذاك شأنه الخاص؛
فليو مي تعلم يقيناً أن تلاميذ الساحة الخارجية لن يقووا على مغادرة أسوار الطائفة في التو واللحظة حتى لو أُشرعت لهم الأبواب؛
ففي غابات القفار المترامية حول الطائفة، ترابط جحافل لا حصر لها من الوحوش السحرية من الرتب الأولى، والثانية، بل وحتى وحوش الرتبة الثالثة الكاسرة؛
وباستثناء صفوة التلاميذ القابعين في قمة المائة الأوائل في تصنيف الحلبة، لن ينجو تلميذ بمفرده إن غامر باجتياز تلك المهالك وحيداً؛
أما عما إذا كان ليو جيان مستعداً لتقليص الامتيازات والمغانم الممنوحة للعائلات الكبرى الأربع المتبقية في سبيل النهوض بتلاميذ الساحة الخارجية واحتوائهم، فهذا قرارٌ متروك لمشيئته؛
وتنهدت "لين هويفنغ" بعمق وهي ترقب معالم صرح الطائفة تضيق وتتضاءل رويداً رويداً في ناظريها مع ابتعاد الكندور محلقاً في السماء؛
وفي التوقيت ذاته الذي كان فيه «كندور الأجنحة الحمراء» يرتفع في عنان السماء، في باطن قصر عائلة لو، كان "لو ون" المتشح بالبياض مقيداً بالأغلال في غياهب زنزانة العائلة المظلمة، وقد صُفدت يداه ورجلاه بإحكام إلى الجدار الحجري خلفه؛
ولم يكن لو ون قد استرد وعيه بعد، غير أن الشيخ المتلفع بالسواد المدعو "لو تشن" لم يتوانَ عن إفراغ دلاء من الماء المثلج فوق رأس سيده الشاب دون أدنى تردد؛
وجعل لسع الماء القارس ذهن لو ون يصفو مباغتة، ليستعيد إدراكه وحواسه تدريجياً؛
وحين فتح جفنيه، وجد نفسه مصفداً بالسلاسل، بينما انتصب قبالته «خادمه المخلص» لو تشن إلى جوار رجل يبدو في بدايات عقده الرابع؛
وكانت تقاسيم ذلك الرجل مطابقة لملامح لو ون إلى حد يثير الريبة، غير أن شعره كان أطول بكثير، بينما اتسمت عيناه بلون بني داكن؛
وكان يرتدي أردية خضراء فاقعة، شاخصاً نحو لو ون بابتسامة شامخة لم تخفِ أدنى ذرة من مشاعر الصلف والتعالي المتقدة في مآقيه؛
وتشوهت قسمات وجه لو ون إثر رؤية شقيقه الأكبر يقف أمامه بهذا الخيلاء بينما جسده مصلوب فوق جدار الزنزانة؛ وعقب استجماع نفس عميق لاسترداد رباطة جأشه، رمق لو ون شقيقه الأكبر ببرود ونطق بنبرة آمرة:
«لو غونغ… فك قيودي في الحال! كيف تجرؤ على حبس شقيقك من صلبك؟!»؛
ولم يكن مبعث مطالبة لو ون بفك قيوده وجود علاقة طيبة تجمعه بشقيقه، بل لأن الزج بسليل من الدم المباشر في غياهب السجون يُعد جريمة نكراء في أعراف وقوانين عائلة لو!
والمثير للدهشة أن "لو غونغ" انفجر في الضحك، ورامقاً لو ون بنظرات تفيض ازدراءً وشماتة، نطق السيد الشاب الأول لعائلة لو بصوت قارس:
«يا أخي الصغير… هذا هو الموضع الذي ستلفظ فيه أنفاسك الأخيرة؛ فلا تكلف نفسك عناء العويل أو الصراخ، فلن يطرق صوتك مسامع حي في هذا الوجود!
ولكن، إن كانت لديك وصية أخيرة أو رغبة لم تُدركها بعد، فيسعك البوح بها لشقيقك الأكبر… ههه»؛
وجحظت عينا لو ون بإنكار تام فور سماع ما باح به لو غونغ؛
فلم يكن يصدق قط أن شقيقه يحوز الجرأة الكافية لإزهاق روحه، وإلا لكان قد أقدم على ذلك منذ زمن بعيد؛
ومع ذلك، فإن تلك النظرات، والهالة، ولغة الجسد الصارمة التي تبدت على لو غونغ، ألقت في روع لو ون هاجساً يقينياً بأن شقيقه لا يناور ولا يخادع في وعيده!
وكابحاً رعباً دفيناً أخذ ينهش صدره، رمق لو ون شقيقه بنظرات متهكمة حاولت التستر وراء السخرية، وسأل بابتسامة مصطنعة:
«لو غونغ… تزعم أنك تملك الجرأة على قتلي؟! لِمَ لا تجرب حظك وترى إن كنت ستحيا لترى خيوط فجر الغد تشرق فوق رأسك؟! أترى جدنا أو أبانا سيغفران لك سفك دم شقيقك؟!»؛
وبدلاً من أن يستشيط غضباً، انفرج ثغر لو غونغ عن ابتسامة عريضة، ومد يده يربت برفق على وجنة لو ون قائلاً:
«أيها الثعبان الخائن… أتظن حقاً أنني كنت لأقوى على إلقائك في هذه الزنزانة دون علم أبي وجدي ومباركتهما؟!»؛
ومعاينةً لاتساع مقلتي لو ون برعب مباغت، اتسعت ابتسامة لو غونغ واستطرد بنبرة شامتة:
«بالتأكيد يا أخي الصغير، الأمر تماماً كما جال في خاطرك! فأبي وجدي على دراية تامة بكل ما يجري هنا؛
فما دمتَ قد خنتَ عائلتنا، فتحتم عليك تجرع القصاص والهلاك!»؛
ولم يعد بمقدور لو ون الحفاظ على قناع الهدوء المصطنع؛ ورامقاً شقيقه الأكبر الذي استل خنجراً لامعاً من خصره وبات يقبض عليه بيمينه، زعق بحنق عاصف:
«لو غونغ… كفاك نسجاً للأباطيل! متى خنتُ عائلتي بحق الجحيم؟!»؛
وهز لو غونغ رأسه نافياً وهو يعبث بنصل الخنجر بين كفيه، وأجاب بازدراء:
«ألم تقبل في صفوفك ما يربو على عشرين ممارساً في بدايات الرتبة السماوية من حاشية عائلة منغ؟! إياك وأن تدعي أنك لم تقطع لهم وعوداً ومواثيق في المقابل، من قبيل فتح ذراعي العائلة لهم والتحالف معهم مستقبلاً فور اعتيلائك سدة الزعامة؟!»؛
وشخص لو ون نحو شقيقه بذهول مطبق، وبدا أنه استوعب لتوه المسار الحقيقي الذي تنحدر صوبه هذه المؤامرة؛
فجده كان يعلم يقيناً بأمر تحالفه مع عائلة منغ، بل كان لو ون موقناً بأنه وافق على ذلك ضمناً ودعمه في الخفاء؛
فما الذي استجد إذن بين الأمس واليوم ليقلب الدفة هكذا؟!
وسرعان ما لاحت الإجابة الصاعقة في ذهنه كالصاعقة: دمار عائلة منغ ومحوها عن الوجود!
ورؤيةً لفهم شقيقه الأصغر السريع للمغزى دون حاجة للإسهاب، ابتسم لو غونغ وأومأ برأسه مؤكداً هواجس لو ون:
«بالتأكيد… فمع فناء عائلة منغ، تبددت فرصتك للأبد في الظفر بمنصب زعيم العائلة؛ فالمدينة بأسرها باتت تحيط علماً بأنك استقطبت ثلاثة وعشرين تلميذاً داخلياً من صلب عائلة منغ؛
فماذا سيحل بنا لو نما إلى علم ابنة زعيم الطائفة هذا الحلف القديم، وقدمت بجيش موتاها لدك صرح عائلتنا لو ومحوه كما فعلت بآل منغ؟!
ورغم أن عائلتنا لو تفوق عائلة منغ بأساً ومنعة، إلا أننا سنتجرع الخراب والهلاك بين يديها جراء حماقتك!
وكما ترى يا أخي الصغير… لا مناص لنا من التضحية بك لضمان بقاء العائلة وسلامتها!»؛
«ترهاتٌ وهراء!!»؛
وعجز لو ون عن لجم غضبه المتفجر فانفجر صائحاً!
ورامقاً شقيقه الأكبر، راودته الرغبة في تصويب سبابته نحوه، غير أنه تفطن لكونه مصفداً بالأغلال، فلم يجد بداً من الصراخ لتفريغ شحنات قهر عارم:
«يا لو غونغ… هذه مجرد ذريعة واهية نسجتها من خيالك المريض!
أنت تدرك يقيناً استحالة إقدام ليو مي على استباحة عائلتنا؛ فعلى النقيض من عائلة منغ، لم نتدخل يوماً في شؤونها ولم نعتدِ على حياض عائلة ليو قط! وفي أسوأ الفروض، لن يتعدى الأمر توجيه بضعة تحذيرات لنا بالنأي بأنفسنا عن آل ليو!»؛
وبابتسامة باردة تعلو محياه، أومأ لو غونغ برأسه موافقاً على حجة شقيقه؛
وتحت الأنظار المشدوهة لـ لو ون، انفرج ثغر لو غونغ عن ابتسامة ذئبية وقال بهدوء:
«أنت محق تماماً يا أخي الصغير… إنها بالفعل مجرد ذريعة؛
غير أن الحقيقة الساطعة التي لا مراء فيها، هي أنك فشلت وسقطت في سباق زعامة العائلة! وبمراهنتك الخاسرة على عائلة منغ، تجرعت الهزيمة هذه المرة؛ وسواء كنتُ أنا أو شقيقنا الأصغر من سيعتلي عرش الزعامة، فلن يُبقي أحدٌ منا عليك حياً ترزق؛
فأنت أشبه بأفعى رقطاء تتحين الفرصة، وستلدغنا فور أن يشتد عودك وتستجمع قواك؛
ومع تبدد فرصتك في اعتلاء منصب الزعيم، تهاوت قيمتك ومنزلتك في عين العائلة وفي عيني جدنا لتستقر في الحضيض!
ففي نهاية المطاف، حتى أمراء ممالك الفانين ينحرون بعضهم بعضاً للاستئثار بعرش الملك، فما بالك بنا ونحن نتطاحن على زعامة صرح عائلة لو العظيم؟!»؛
وغامت نظرات لو ون بيأس ساحق وقاتم، بينما كان في سويداء قلبه يلعن أسلاف ليو مي لتسعة أجيال متعاقبة!
فقد كان يدرك بيقين مرير صحة ما فاه به لو غونغ؛
فحتى في ممالك الفانين الهزيلة، لا يترك الأمراء منافسيهم أحياءً ليربوا جيوشاً في الظلمات وينقلبوا على العرش مستقبلاً!
وبطبيعة الحال، لو كان لو ون قد زهد حقاً في منصب الزعيم منذ البداية، لما مسه أيٌّ من شقيقيه بسوء عقب ظفرهما بالمنصب؛
ودون نبس كلمة إضافية، والابتسامة لا تزال تعلو وجهه، اندفع لو غونغ للأمام وغرس الخنجر القابع في يمينه بقسوة في عنق لو ون!
وفارت الدماء تغرغر في حنجرة لو ون، بينما اشتعلت عيناه بنظرات كراهية وغل ساحق وهو يشخص نحو شقيقه الأكبر؛
وحرك فاه بمشقة جهيدة محاولاً النطق، غير أن الصوت الوحيد الذي انبثق من شفتيه كان حفيف تدفق الدماء القانية المتساقطة من بين أسنانه؛
وفي اللحظة عينها، انفرجت أسارير شون لونغ عن ابتسامة رقيقة ودافئة حين عاين ليو مي وهي تحلق صوبه بصحبة والدتها المستكينة بجوارها، قبيل أن تتحول عيناه فجأة… لتستقرا ببرود نافذ صوب قصر عائلة لو بالأسفل!
شاركونا توقعاتكم في التعليقات! 💬🍿
ترجمة
ثراندويل
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.