الفصل 333: سر الطائفة
لم يكد "ليو جيان" و"ليو تشانغ بون"، جنباً إلى جنب مع الشيخ الأكبر "لان هونغ"، يفرغون من قراءة تقرير الخسائر الفادحة التي تجرعتها الطائفة الداخلية، حتى صعق ليو جيان غيابُ "ليو مي" واختفاؤها المباغت من الأفق؛
وسرى انزعاجٌ شديد وتوجسٌ خانق في سويداء قلبه حين استرجع مسار تحليق ليو مي، متفطناً إلى أنها قصدت المدينة الخارجية لـ «طائفة السحاب الطافي»؛
ودون إهدار ومضة عين إضافية، شق ليو جيان عنان السماء محلقاً بمفرده صوب المدينة الخارجية؛
ومعاينةً لاضطراب زعيمهم وفزعه المفاجئ دون علة ظاهرة، تبادل الشيوخ المحتشدون حوله نظرات الحيرة والوجوم، قبيل أن يقرروا اقتفاء أثره واللحاق به؛
وفي التوقيت عينه، فوق ظهر «كندور الأجنحة الحمراء»، رنت ليو مي بنظراتها نحو حشود تلاميذ الساحة الخارجية الذين تدافعوا وتجمهروا بفضول واستغراب فوق الثرى أسفل منها؛
وعقب استجماع نفس عميق، تلألأت عيناها ببريق حاد ونفاذ، بينما تفجر صوتها الجهوري ليدوي كالصاعقة في سائر أرجاء «مدينة السحاب الطافي» قاطبة، هاتفة بصرامة:
«يا تلاميذ الساحة الخارجية لـ "طائفة السحاب الطافي"… احتشدوا هنا في الحال!
اسمي "ليو مي"، وأنا ابنة زعيم طائفتكم؛ واليوم… أحمل بياناً مصيرياً بالغ الأهمية يتحتم عليّ إعلانه لكم جميعاً!»؛
وفور أن قرعت تلك الكلمات مسامعه، ضاعف ليو جيان من سرعته بجنون وأعين تفيض حقداً وغيظاً؛
ولبرهة خاطفة، أنساه هول الموقف ذلك الرعب المقيم من بطش فرسان الدروع السوداء؛
إعلان تبتغي ليو مي إذاعته على الملأ؟! مستحيل أن يسمح ليو جيان بحدوث هذا مهما كلف الثمن!
وتوافدت جحافل تلاميذ الساحة الخارجية تتزاحم بأعداد غفيرة تحت ظل الكندور ذي الأجنحة الحمراء الذي تمتطيه ليو مي ووالدتها "لين هويفنغ"؛
ورؤيةً لاثني عشر فارساً من فرسان الموتى بارتفاع ثلاثة أمتار يقودون فيالق قوامها مائتا هيكل عظمي يشمي، تحوم جميعها كأطياف الموت في كبد السماء حول ليو مي، تفجرت مشاعر الرعب والدهشة العارمة في صدور التلاميذ؛
«الأ… الأخت الكبرى ليو؟!»؛
وكان أول من شق جدار الصمت المطبق بين جموع التلاميذ فتى نحيل القوام أصلع الرأس يتدثر بأردية صفراء، يناهز طوله المتر وثمانين سنتيمتراً، وهو يحدق في ليو مي المعلقة في الهواء؛
وخفضت ليو مي رأسها، وبدا أنها استبانت هوية ذلك الشاب، فأومأت له برأسها برفق؛
«الأخ الأكبر كانغ صن؟!»؛
«إنه حقاً الأخ الأكبر كانغ! أيعني هذا أن تلك الفاتنة في السماء هي حقاً ابنة زعيم طائفتنا؟!»؛
«بالتأكيد! ما دام الأخ الأكبر كانغ قد شهد بهويتها فلا مجال للشك؛ فالأخ كانغ لا ينطق كذباً قط!»؛
فخلال العام المنصرم، ومنذ أن غادر "ون زيهوا" صرح الطائفة برفقة شون لونغ وسائر الممارسين الراغبين في العبور صوب «قارة نجم الليل»، كان "كانغ صن" قد ارتقى بالفعل ليعتلي صدارة تصنيف حلبة النزالات في الساحة الخارجية؛
ورغم حرمانه من ولوج «عالم القرمزي» جراء إبائه ورفضه الصارم الانضواء تحت لواء ليو تشانغ بون، وكان الأجدر به أن يتخلف عن ركب من ظفروا بالفرص والكنوز هناك، إلا أنه وعقب غياب ون زيهوا، لم يقوَ تلميذ في الساحة الخارجية بأسرها على مجابهته أو انتزاع المركز الأول من قبضته، بما في ذلك الفتاة "تونغ يويينغ" المصنفة ثالثاً سابقاً؛
وقد أكسبه هذا هيبةً طاحنة وشعبية كاسحة، لتضاهي مكانته في النفوس منزلة ون زيهوا في سالف عهده!
وفي كبد السماء العالية فوق طبقات الغيوم، أومأ شون لونغ — الذي كان لا يزال يرابط برفقة البدين فو — برأسه فور معاينته لـ كانغ صن، قبيل أن يلتفت نحو البدين بجواره قائلاً برزانة:
«أيها البدين… هذا الفتى يحوز معدناً نبيلاً وخلقاً رفيعاً؛ ولن يكون من السيئ ضمه لكنف عائلتك؛ فإن أبى فدعه وشأنه، وإن رضي، فأنت توقن بصدقه وولائه المطلق لك»؛
ورغم انعدام أي احتكاك مباشر سابق بين شون لونغ وكانغ صن، إلا أن فراسته مكنته من سبر أغوار خصاله ومعدنه الأصيل، ولهذا أسدى تلك النصيحة للبدين فو؛
أما بشأن قبول كانغ صن أو رفضه، فالأمر معقودٌ بإرادته الشخصية؛
فشون لونغ فطن لما تنتوي ليو مي صنيعه، ويدرك يقيناً أن هذا الإعلان كفيلٌ بخلخلة أركان الطائفة وهيكلها بالكامل عقب هذا اليوم!
ومستجمعةً أنفاساً عميقة، أومأت ليو مي برأسها واستأنفت حديثها المزلزل:
«لقد آن الأوان لتستبينوا الوجه القبيح والحقيقي لهذه الطائفة؛ وإلا، فلن تكتشفوا حقيقة كونكم أسرى في قفص محكم إلا بعد فوات الأوان!»؛
وقبيل أن تتم كلماتها، تجسد ليو جيان كالشبح على بعد بضع عشرات من الأمتار عنها، ولم تكبح سرعته سوى رؤيته لجيش الهياكل العظمية المألوف يطوق ابنته؛
وبوجه شُحن غيظاً وحنقاً، رفع سبابته المرتجفة صوب ليو مي وزعق بنبرة هادرة:
«يا ليو مي! لا تملكين أي حق في إفشاء أسرار الطائفة وخباياها! وإن كنتِ تبتغين الانتقام مني، فقد جاوزتِ حدودكِ وتعديتِ كل خط أحمر منذ زمن بعيد!»؛
وفور رؤية حشود التلاميذ لقدوم زعيم الطائفة المستشاط غضباً، ساد الصمت أوساطهم كصراصير حقل لجمها صقيع الشتاء؛
فغالبية تلاميذ الساحة الخارجية لم يكتحلوا برؤية زعيم الطائفة في حياتهم قط، فما بالك بالإحاطة بمعركته الدامية السابقة ضد ليو مي؟!
فوحدهم شيوخ الطائفة وتلاميذ الساحة الداخلية من أحاطوا بتلك الواقعة، ومستحيل أن يسربوا مثل هذا الخزي لعامة الساحة الخارجية؛
وهزت ليو مي رأسها نافية وهي ترتد بنظراتها نحو ليو جيان، وبأعين تنطق بالجدية أجابته بوقار:
«لا شأن لهذا بالانتقام؛
يا "أبي"، كفاك تظاهراً بالعمى والجهالة؛
فأنت تدرك في قرارة نفسك السر الدفين وراء عجز الطائفة عن النمو والازدهار كما كنت تشتهي؛
السر يكمن في أن العائلات الخمس الكبرى قد حولت تلاميذ الساحتين الخارجية والداخلية إلى مجرد عبيد مسلوبي الإرادة!
فتلميذ الساحة الخارجية يُرغم قسراً على بيع غنائمه من "إقليم الجبل الشيطاني" فور انضمامه للطائفة، ومقايضتها بنقاط الطائفة الزهيدة دون أن يملك حق الرفض، ناهيك عن أولئك الشيوخ الجشعين الذين يسلبون الغنائم ولا يمنحون حتى مقابلاً عنها!
وبطبيعة الحال، هذا هو عرف الطائفة المقيت، ولهذا يعجز التلميذ الخارجي عن التظلم ما دام قد بصم على الخضوع لقوانينكم؛
ولكن… أترون في هذا سبيلاً لرفعة الطائفة؟!
إن كل قطرة عرق تُبذل هنا، لا تصب في نهاية المطاف إلا في جيوب عائلاتكم الخمس المتنفذة!
أنتم تبحثون عن عبيد سخرة لكدح مناجم أحجار الروح، بينما تستقر الثروات في خزائنكم الخاصة، ولا تجودون سوى بفتات أحجار الروح للمائة الأوائل في تصنيف الحلبة لإغرائهم بالارتقاء تلاميذ داخليين…
ولكن… ما الذي ينتظرهم حقاً حين يبلغون منزلة تلميذ داخلي؟!»؛
وفي التوقيت عينه، غمرت الصدمة والذهول وجه البدين فو في كبد السماء، وشخص نحو شون لونغ متسائلاً بهلع:
«أخي… أتعزم الأخت الكبرى ليو حقاً على فضح كل شيء؟! إن فعلت، فستدك صرح الطائفة وتهدمه على رؤوس الجميع!»؛
ورغم مقت البدين فو لأسلوب الطائفة في إذلال التلاميذ الداخليين وإلزامهم بيمين الداو بالعبودية الأبدية للعائلات، إلا أنه كان يفقه المنطق النفعي لتلك البيوت الكبرى؛
فإن أنفقت عائلة مواردها لتربية ممارس وبلوغه شأواً رفيعاً، فمن الطبيعي في ميزانها أن تقيده كعبد دائم لها، ضماناً لعدم انشقاقه مستقبلاً وانضمامه لطائفة أعظم أو عائلة أعتى؛
وكان بوسع الطائفة أن تكون ألين عريكة وألا تفرض مثل تلك الأيمان الجائرة، غير أن توارث هذا العرف لقرون جعل الجميع يصدفون عن تغييره، بما فيهم ليو جيان نفسه!
فرغم زعم الطائفة بالسماح لتلاميذ الساحة الخارجية بالمغادرة والرحيل متى بلغوا المراحل المتأخرة من الرتبة الأرضية إن شاؤوا، إلا أن فو لي علم من جده أن تلك كذبة صريحة؛
فحتى لو أبيتَ الانضمام كتلميذ داخلي، فستظل حبيس جدران «المدينة الخارجية» طوال ما بقي من عمرك!
ولهذا نعتت ليو مي الطائفة بالسجن الكبير! فمتى ولجتها، انعدم سبيل الخروج، إلا إن وطّنت نفسك على نبذ طريق الداو والقعود أبد الدهر!
وأومأ شون لونغ برأسه لـ فو لي بصرامة؛
فهذا أمرٌ كان لا بد من نبشه، لصالح التلاميذ ولصالح الطائفة على حد سواء؛
فطالما استنكف كبار العائلات عن تبديل هذا المنظوم الفاسد، فلن يورثهم ذلك سوى كوارث أشد فداحة مستقبلاً؛
وبطبيعة الحال، لم يكن شون لونغ يلقي بالاً لمصير الطائفة، فسواء فنيت «طائفة السحاب الطافي» أم تآكلت ذاتياً، فما كان ذلك ليعنيه في شيء؛
غير أن ليو مي عهدت إلى نفسها كسر هذا الطوق، غير عابئة بما قد يجره ذلك من خراب على العائلات الأربع الباقية؛
وأخذ تلاميذ الساحة الخارجية يومئون برؤوسهم تصديقاً لكلمات ليو مي؛
فالحقيقة الساطعة أن من لم يكن متبحراً في الخيمياء، لم يكن أمامه سوى الشقاء في المناجم، أو اقتناص المهام الانتحارية من «مبنى إدارة الطائفة» لجمع النقاط؛
فباستثناء ثلاثين نقطة يتلقاها التلميذ عند انضمامه، لا تجود الطائفة عليه برغيف خبز ولا مأوى؛
فلم تكن بقعة تحث على الزراعة والتسامي، بل بدت سجناً محكماً متنكراً في رداء طائفة!
وحتى أولئك المنكوبون الذين حازوا لقب أسياد مصفوفات برونزية من الرتبة الأولى كانوا عديمي النفع؛ إذ كيف لسيد مصفوفات أن يجد سبيلاً للعيش في سجنٍ يُحرم قاطنوه من حرية التجوال خارج أسواره، أو امتلاك دور خاصة لنقش مصفوفاتهم عليها؟!
وبين جموع التلاميذ المحتشدين، تواجد بالتأكيد أولئك الذين سُلبت غنائمهم قسراً بين أيدي الشيوخ الجشعين عند بوابات جبل الشياطين دون أدنى تعويض؛
وعقب استجماع نفس عميق، شخصت ليو مي بنظراتها صوب الجموع الشاخصة وسألت بنبرة مهيبة وقاطعة:
«أترغبون حقاً في معرفة ما يحل بكم حين تغدون تلاميذ داخليين؟!»؛
«تـوقـفـي فـوراً!!»؛
ودوى صراخ ليو تشانغ بون من بعيد، إذ لم يكد يحط رحاله في الموقع برفقة بقية شيوخ الطائفة في تلك اللحظة؛
واعتلت ملامح الوجوم والصرامة وجوه الجميع، بمن فيهم الشيخ الأكبر لان هونغ، وهم يشخصون نحو ليو مي؛
غير أن ليو مي لم تكلف نفسها عناء الالتفات لرمق ليو تشانغ بون، وبملامح حجرية حاسمة أطلقت قنبلتها المدوية:
«إن الطائفة ترغمكم على حلف قسم الداو… بأن تستحيلوا إلى عـبـيـد مـؤبـديـن للعائلة التي تختارون الانضمام إليها!
ولن تُمنحوا أي خيار أو بديل سوى ذلك!
إن أولئك التلاميذ الداخليين الأجلاء ذوي المكانة الشامخة الذين تتطلعون إليهم بتبجيل وإعجاب… ليسوا في واقع الأمر سوى عبيد مصفدين بأغلال الطائفة، مجردين من أدنى ذرة من الحرية والكرامة!»؛
وفي اللحظة ذاتها التي انطلقت فيها تلك الكلمات من ثغر ليو مي… خيّم صمتٌ موحش ومطبق على أرجاء الطائفة بأسرها!
شاركونا توقعاتكم في التعليقات! 💬🍿
ترجمة
ثراندويل
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.