الفصل 329: اتخاذ جانب
خاطياً خارجاً من البوابات الرئيسية لقصر عائلة منغ، رفع "منغ شاو" رأسه ليرمق المرأتين المتربعتين فوق ظهر «كندور الأجنحة الحمراء»، قبيل أن تستقر عيناه على "ليو مي" المتلفعة بالأردية البيضاء؛
غير أن قسمات ليو مي لم يطرأ عليها أدنى تبدل عقب معاينة التشكيلات المصفوفية الدفاعية التي اندلعت تطوق حياض عائلة منغ؛
ففي نهاية الأمر، كمعقل رئيسي لإحدى العائلات الخمس الكبرى في «مدينة السحاب الطافي»، كيف لعائلة منغ ألا تحوز مصفوفاتها الدفاعية الخاصة؟!
وقد رُوي أنهم استجلبوا في غابر الأيام سيد تشكيلات مصفوفية من الرتبة الفضية الثانية تقبع زراعته عند ذروة المستوى الثالث من عالم الروح، ليرسي لهم مصفوفات دفاعية باطشة تحيط بمقر عائلتهم من سائر الجهات؛
ومع ذلك، لم يكن سيد مصفوفات من الرتبة الفضية الثانية بالشخص الذي يسع عائلة منغ إملاء الأوامر عليه كما يحلوا لهم، لذا لم يتمكنوا في نهاية المطاف سوى من إقناعه بنقش خمس طبقات فحسب من الحواجز المصفوفية الحامية؛
وبطبيعة الحال، ورغم كونها مجرد خمس طبقات دفاعية متراكبة، إلا أنها كانت كفيلة بردع خبير بقامة "ليو جيان" ودحره دون كبير عناء؛
فلو أصر زعيم «طائفة السحاب الطافي» على اقتحام مقر عائلة منغ بمفرده رغم رؤية تلك الطبقات الحصينة، لكان حتفه محتوماً لا محالة، إلا إن… عزم على تجريد كامل ثقل وبأس "عائلة ليو" قاطبة لخوض حرب طاحنة؛
ولكن لسوء طالعهم الشديد، فإن من يقف لغزو عائلة منغ اليوم لم يكن ليو جيان… بل ليو مي!
وعقب تثبيت عينيه الباردتين نحو تلك الشابة الفاتنة ذات الرداء الأبيض، سرعان ما حوّل منغ شاو بصره صوب ليو جيان وشيوخ الطائفة الذين كانوا يحومون في كبد الهواء على مسافة بضع مئات من الأمتار خلفها؛
وكان جلياً للعيان أن ليو جيان يرتعد فرقاً من فارسي الموتى الأحياء المحلقين بجوار الكندور الأحمر، ولم يجرؤ على الدنو قيد أنملة؛
ومع ذلك، ولما كانت ليو مي قد حسمت أمرها بالهجوم، لم يكلف منغ شاو نفسه عناء استرضائها أو مجادلتها؛
بل آثر الالتفاف لإحراج ليو جيان وحمله على الذود عن عائلته مهما كلف الثمن؛
وعاقداً قبضتيه أمام صدره تحيةً لـ ليو جيان دون أن يحني قامته، شخص منغ شاو نحو زعيم طائفة السحاب الطافي بملامح تنضح بالصرامة، وسأل بصوت جهوري:
«أيها الزعيم، أيسعني أن أعلم علة دفعك بابنتك لشن هذا العدوان على عائلتي منغ؟! أثمة مأخذٌ أو سخطٌ تحمله في صدرك تجاهنا؟ إن كان الأمر كذلك، فاسمح لي أن أزجي اعتذاري سلفاً؛ وسأبادر بإنزال أشد العقاب بكل من تجرأ وأثار حنق الزعيم!
فطالما دانت عائلة منغ بالولاء المطلق لطائفة السحاب الطافي، وظلت تعتبر عائلتك الموقرة ليو حليفها الأوثق… فأرجو أن تجلي لي حقيقة ما يدور!»؛
وفي كبد السماء العالية، حيث كان شون لونغ لا يزال يحوم برفقة البدين فو متوارين خلف طبقات الغيوم البيضاء الكثيفة، كاد شون لونغ ينفجر ضاحكاً بملء فمه إثر سماع دهاء منغ شاو؛
وبنظرات ساخرة تلمع في عينيه، تمتم مبتسماً:
«بالفعل… إن هذا العجوز لذئبٌ ماكر وعديم الحياء بحق!»؛
وكيف لمنغ شاو ألا يفقه كنه ما يجري، وقد أذن ليو جيان شخصياً لشيوخ عائلة منغ بالقفز من المعركة والعودة لإخطاره بالحقيقة عياناً؟!
فقد بلغه سلفاً أن ليو مي جاءت للأخذ بثأرها، ولعلة ما قررت تصويب سهام انتقامها نحو عائلته!
غير أنه، وكحليف لبيت ليو الحاكم، كيف لا يستغل هذه الأواصر لإحراج الزعيم حين تحيق بعائلته قارعة الهلاك؟!
فإما أن يهب ليو جيان لنجدته، أو سيغدو في أعين الملأ أباً عاجزاً وخائناً نكث عهود حلفائه؛
ففي نهاية الأمر، ابنته من صلبه هي من تشن الغارة على عائلة منغ اليوم!
وأومأ فو لي برأسه في ذهول وشُرود، دون أن ينبس ببنت شفة إثر استماع تمتمات شون لونغ؛
وظلت عيناه معلقتين بذهول وحماس جارف نحو المشهد المهيب الذي يتكشف في باطن الطائفة؛
فهذه إحدى العائلات الخمس الكبرى! أتعزم "الأخت الكبرى ليو" حقاً على سحقهم واجتثاثهم بمفردها؟!
وكوريث لإحدى تلك البيوت الخمسة، كان فو لي يدرك بيقين عمق القوة الضاربة التي تحوزها كل عائلة؛ ورغم أن عائلة منغ هي الأضعف بينهم، إلا أنها لم تكن لقمة سائغة قط؛ ورغم عدم معاينته لنزال ليو مي ضد والدها واستماعه لإيجاز مقتضب من شون لونغ فحسب، إلا أنه ظل عاجزاً عن تصديق قدرة ليو مي على محو صرح عائلي مهيب كهذا بيمينها وحدها!
واعتلت سحنة ليو جيان ملامح الامتعاض والقبح وهو يرمق منغ شاو بأعين جليدية، غير أنه أحجم عن الرد المباشر على سؤاله المسموم؛
بل حوّل بصره صوب ليو مي التي كانت لا تزال تشخص نحو البطريرك الهرم، ثم صدح بصوت صارم:
«يا ليو مي… إن تجرأتِ واستبحتِ حياض عائلة منغ، فإن عائلتي ليو لن تدع هذا الأمر يمر دون حساب!»؛
وفي اللحظة عينها التي قرعت فيها تلك الكلمات مسامعها، ارتسمت ابتسامة تهكم وازدراء فوق شفتي ليو مي، في حين اكفهر وجه منغ شاو واستحال إلى ظلام دامس!
لن تدع الأمر يمر دون حساب؟! ألا يعني ذلك ببساطة أن ليو جيان يُرجئ الثأر لمستقبل مجهول ولن يحرك ساكناً للتدخل اليوم؟!
وبطبيعة الحال، كيف يعزب عن إدراك ليو جيان أن منغ شاو يحاول محاصرته وإحراجه؟! غير أنه وبين سلامته الشخصية أو سلامة عائلة منغ، كان ليو جيان يدرك بوصلة اختياره جيداً؛ ورغم كراهيته لرؤية ليو مي تفتك بحلفائه، إلا أنه عجز عن مجابهتها مباشرة!
فإن كان منغ شاو يجهل بأس ليو مي، فإن ليو جيان كان قد تجرع لتوه هول جبروت فارسي الموتى الأحياء المتربصين بجوارها؛ فذانك الفارسان وحدهما كفيلان بدك دفاعات عائلة منغ ودثرها!
وفي تلك اللحظة، رمق ليو تشانغ بون شقيقته ووالدتها فوق ظهر الكندور بنظرات تفيض حقداً وغلاً، ثم انسل محلقاً في سكون صوب والده؛
وخفض نبرته لتستحيل إلى حفيف فحيح الأفاعي، ونطق بصوت مشحون بنيات قتل سافرة:
«أبي… متى أرسلت ليو مي ذينك الفارسين المدرعين بالأسود لاقتحام أسوار عائلة منغ، أفلن تكون تلك هي الفرصة الذهبية المواتية لأسرها وقبض عنقها؟! فبدون تلك الوحوش التي تحميها، ستكون أضعف شأناً من أبيك بأشواط، فما بالك لو تضافر بأس سائر الشيوخ المحتشدين هنا للانقضاض عليها معاً؟!»؛
وبطبيعة الحال، لم يكن مأرب ليو تشانغ بون أسرها فحسب، بل اغتيالها وتصفيتها سراً في خضم الفوضى؛
فقد استمع بأذنيه إلى والده وهو يعرض عليها اعتلاء سدة منصب زعيم الطائفة منذ قليل!
فأين سيذهب ليو تشانغ بون إن حُرم من ذلك العرش الموعود؟! وكيف يرضى بأن تدك أخته الصغيرة — التي لم يعرها ذرة وزن في ماضيه — سائر أحلامه وتذرها هباءً؟!
وومض بريقٌ غائر ومظلم في عيني ليو جيان إثر التقاط هذا الاقتراح الخبيث، وشاخصاً نحو ظهر ليو مي، بدا وكأنه يزن الفكرة في ميزان الجدية…
حين لمح فجأة كرة سوداء مألوفة تشرع في الانبثاق والتشكل من جديد بين كفي ليو مي!
لقد كانت كرة الطاقة السوداء ذاتها التي حشدتها ليو مي سابقاً حين استدعت فارسي الدروع السوداء!
«إياكِ وأن تخبريني بأن بمقدورها استدعاء فارسٍ آخر!»؛
ومع وميض هذا الخاطر المرعب في خلده، ارتعدت فرائص زعيم طائفة السحاب الطافي هلعاً!
غير أن مشهداً يفوق أفظع كوابيسه بآلاف المرات تجلى عياناً أمام ناظريه؛
فقد أخذت الكرة السوداء المشحونة بـ طاقة الموت تتضخم وتتسع مع انصرام كل ثانية، قبيل أن تدعها ليو مي تهوي في الهواء؛
وتماماً كما حدث في المرة السابقة، وقبيل أن تلامس ثرى الأرض، استحالت الكرة السوداء إلى ثقب أسود مهول يماثل بوابة أسطورية شُقت في كبد السماء؛
وتقهقر شيوخ طائفة السحاب الطافي خلف ليو جيان بضع خطوات للوراء رعباً وذهولاً لرؤية ما ينبثق أمام أعينهم!
فواحداً تلو الآخر، أخذ فرسان الدروع السوداء الهائلون البالغ طول كل منهم ثلاثة أمتار وشاهرون سيوفهم العظيمة يتوالون في الخروج من فوهة الثقب الأسود… حتى انتظم اثنا عشر فارساً بكامل عتادهم قبالة ليو مي في نسق عسكري مهيب، جاثين جميعاً في الهواء فوق ركبة واحدة خضوعاً لطاعتها!
ولم تكن تلك سوى البداية!
إذ أعقب الفرسانَ تدفقُ العشرات إثر العشرات من الهياكل العظمية اليشمية البيضاء التي تقبض بأكفها على سيوف عظمية بيضاء فضية؛ وبلغ طول كل هيكل متراً وثمانين سنتيمتراً، وتوهجت جمرات خضراء متقدة في محاجر أعينها ناشرةً رهبة تقشعر لها الأبدان؛
غير أن ما خلع قلوب ليو جيان وشيوخ الطائفة لم يكن المظهر الشيطاني لتلك الهياكل العظمية، بل هالتها المرعبة التي وطأت رسمياً بدايات المستوى الرابع من عالم الروح!
مائتا هيكل عظمي في بدايات المستوى الرابع لعالم الروح… يقودهم اثنا عشر فارساً مدرعاً بالسواد يتربعون في منتصف المستوى الرابع!
وحتى بافتراض أن الهيكل العظمي الواحد أدنى بأساً من ممارس عادي في المستوى الرابع، فإنهم يبلغون مائتي هيكل مجتمعين! وهذا العدد وحده كفيل ببث الرعب في أوصال أي طائفة في «الشرق المقفر» بأكمله، باستثناء «معبد بوذا الذهبي» و«قاعة السموم»!
واصطبغت سحنة ليو جيان بشحوب كالح، ومع ذلك ظل بصيصٌ من الإثارة المحمومة يلتمع في قاع عينيه راجياً أن تبدل ليو مي رأيها وتعود للطائفة؛
أما وجه ليو تشانغ بون، فقد غشاه بياض الموتى وخرس لسانه رعباً!
أكان يخطط لاغتيالها وتصفيتها سراً؟!
فدعك من عائلة منغ وحدها، فلو انقض هذا الجيش الجرار من الموتى الأحياء فوق أي عائلة في طائفة السحاب الطافي، لما قوى كائن على الصمود أو النجاة!
واستشعر منغ شاو ركبتيه تصطكان وترتعدان دون انقطاع وهو يشخص نحو تلك الجحافل العظمية المحومة في الهواء، غير أنه وحين قرعت الكلمات التالية المنبعثة من ثغر ليو مي مسامعه، كاد يخر مغشياً عليه من هول الفاجعة؛
إذ انتصبت ليو مي فوق ظهر «كندور الأجنحة الحمراء»، ورمقت قصر عائلة منغ المحصن بطبقات الدروع المصفوفية، قبيل أن تصوب نظراتها القارسة كحد السيف نحو منغ شاو والشيوخ المرتجفين خلفه، وأطلقت قضاءها بصوت جليدي قطّع نياط قلوبهم:
«أبـيـدوهـم جـمـيـعـاً!»
«ليو مي بتعمل عظمة»
شاركونا توقعاتكم في التعليقات! 💬🍿
ترجمة
ثراندويل
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.