الفصل 325: إجابة فو لي
منذ أن استمع إلى تلك الحقيقة الصادمة من لسان "ليو مي" في غياهب «عالم القرمزي»، ظل هذا السؤال محفوراً في عقل "شون لونغ" لا يبرحه؛
فإن كان "فو لي" و"لو ون" على دراية تامة بتلك المكيدة وكتموها عنه، فلن يعود بمقدوره نعت أي منهما بلقب «أخ» بعد اليوم؛ إذ سيعني ذلك ببساطة أنهما لم يتقربا منه إلا كطُعمٍ لاستدراجه واستقطابه لصالح عائلتيهما!
أما بشأن احتمال كذبه واختلاقه للأعذار؟ فقد كان شون لونغ واثقاً من قدرته على تمييز صدق البدين فو من كذبه بنفسه، حتى دون الحاجة لمعونة "الأسود الصغير" في رصد تقلبات روحه وهالته؛
واتسعت عينا فو لي بذهول مطبق فور أن قرع سؤال شون لونغ مسامعه، ولبرهة خاطفة، بسط سكونٌ مطلق سيادته على الأجواء المعلقة بينهما؛
وشاخصاً نحو عيني شون لونغ الحازمتين، استجمع فو لي نفساً عميقاً، قبيل أن يهز رأسه نافياً، وأجاب بنبرة يكسوها الوقار والصدق:
«أخي، أنا على علم بهذا الأمر الآن، ولكن صدقني بحق، لم يكن لديّ أدنى فكرة عن هذه المصيبة حين التقيتك للمرة الأولى!
ولم تتكشف لي هذه الحقيقة إلا في اليوم السابق مباشرة لانطلاقنا صوب "عالم القرمزي"؛
… فبمجرد ارتقاء التلميذ إلى الرتبة السماوية وشروعه في استيعاب الـ داو، ترغمه الطائفة على أداء قسم الداو بالانصياع التام لأوامر العائلة التي التحق بها؛
وحين علمتُ بذلك آنذاك، احتدم الخلاف بيني وبين جدي وتشاجرتُ معه بضراوة، غير أنه في نهاية المطاف أبى مناقشة الأمر معي مجدداً؛
وأخبرني جازماً أن هذه هي سنة الطائفة وقانونها الأزلي، وأنه يستحيل عليّ تبديل ما استقر عليه العرف؛
ففي نهاية الأمر، لم تكن تلك مسألة تخص "عائلة فو" وحدها، بل تشمل كل عائلة من العائلات الخمس الكبرى النافذة في الطائفة، بما فيها "عائلة ليو" الحاكمة التابعة لزعيم الطائفة؛
وحتى لو رغب جدي — وهو رأس عائلتنا وزعيمها — في تغيير هذا العرف، فقد أقر لي بأنه يقف عاجزاً لا حيلة له؛
فالشيخ الأكبر وحده هو من يملك الجرأة على مفاتحة زعيم الطائفة في أمر كهذا… غير أن الطائفة تسير على هذا المنوال منذ أمد بعيد، حتى إن جدي أكد لي انعدام أي فرصة لإحداث أي تغيير؛
وبطبيعة الحال، كان الكثير من تلاميذ الساحة الداخلية يغلي صدورهم بالحنق؛ فمن المؤكد أن بعضهم كان يرى في نفسه عبقرية فذة ستطير شهرتها في آفاق القارة بأسرها مستقبلاً، فكيف يرضى بأن يظل "حبيساً" في قفص طائفة واحدة طوال حياته؟!
«غير أن هذا هو القانون السري الدفين للطائفة؛
فما إن تلج أسوارها، حتى تغدو عملياً كطائر أسير في قفص محكم…»؛
وعقب هنيهة من الصمت، ومض بريقٌ من السخرية والازدراء في عيني البدين فو وهو يستطرد:
«ههه، ولعل هذا هو السر وراء عجز طائفتنا عن الارتقاء ببأسها لتغدو أعظم مما هي عليه الآن؛
وهذا تحديداً ما دفع زعيم الطائفة للمقامرة بكل شيء في سبيل تنشئة ابنه وتدليله، راجياً أن يقود الطائفة نحو عصر جديد في المستقبل؛
ههههها! في بادئ الأمر، كنتُ أتوهم أن طائفتنا تحوز قوة جبارة لا تُقهر، ولكن لم يستفق وعيي إلا حين وطأت أقدامنا "أرض البرق القاحلة"، لأدرك البأس الحقيقي والسطوة المرعبة لسائر الطوائف في «الشرق المقفر»؛
أما عن العلة في عدم إخطارك بهذا الأمر فور خروجنا من أسوار الطائفة يا أخي… فذلك لعدم ظفري بأي سانحة لفعل ذلك؛
ففي ذلك اليوم، وحين حطت رحالنا في أرض البرق القاحلة، كنتُ أنتوي إخبارك سراً فور فراغي من توضيح مخطط "ليو تشانغ بون" المتعلق بعالم القرمزي، غير أنه وفور وصول كبير كهنة "معبد بوذا الذهبي"، أطبق شيوخ عائلتي رقابتهم الصارمة عليّ حتى لا أتسبب في إثارة أي أزمة عن غير قصد…»؛
ولزم شون لونغ الصمت لبرهة، وبدا أنه استوعب المقصد الحقيقي الذي كان البدين فو يرمي إليه؛
فمع انعدام أي فرصة لإخطار شون لونغ سراً بخبايا الطائفة التي تسربت إليه من جده، لم يكن بمقدور البدين فو البوح بشيء ما لم يختليا معاً بمفردهما؛
ففي نهاية الأمر، حتى هو — بصفته الوريث الشرعي لعائلة فو — كان سيناله عقابٌ رادع وبطشٌ شديد لو تجرأ على إفشاء هذا السر الدفين للطائفة علانية؛
فلو شاع هذا الخبر وخرج للعلن، لزجت عواقبه بـ «طائفة السحاب الطافي» قاطبة في أتون فتنة عاصفة لا تُبقي ولا تذر؛
ورغم أن هذا لن يغير من واقع تلاميذ الساحة الداخلية الذين كبلوا أنفسهم سلفاً بأيمان الولاء للعائلات الكبرى، إلا أن تلاميذ الساحة الخارجية سيفقدون صوابهم حتماً؛
فالحجر الواحد قد لا يُحدث أثراً إن أُلقي بمفرده في بحيرة واسعة، غير أن ملايين الأحجار كفيلة بتجفيف البحيرة من مائها؛
فالطائفة برمتها تعتمد في قوامها واستمراريتها على كواهل تلاميذ الساحة الخارجية؛
فهم الذين يكدحون في المناجم لاستخراج أحجار الروح ورفد الطائفة بها، وهم الذين يديرون المتاجر والصروح مثل «جناح الكنوز» و«جناح العبير الغامض»؛
ورغم عجز التلميذ الخارجي المفرد عن مجابهة صرح الطائفة إن ثار بمفرده، إلا أنه لو تكشفت هذه الحقيقة لسائر تلاميذ الساحة الخارجية، لانهارت أحلامهم وتلاشت آمالهم في التراب؛
فهم لا يكابدون المشاق في المناجم والمتاجر إلا لحصد نقاط الطائفة سعياً للارتقاء ببأسهم في المستقبل؛
فكيف يقبلون بحقيقة أنهم — حتى لو غدوا تلاميذ داخليين أو شيوخاً — سيظلون مجردين من أدنى ذرة حرية؟!
وبطبيعة الحال، وحتى دون توضيحات البدين فو، كان شون لونغ قد استنتج سلفاً أن هذه هي الطريقة الخبيثة التي تخضع بها الطائفة تلاميذها الداخليين لخدمة العائلات المتنفذة؛
فـ قسم الداو هو السبيل الأوحد والمطلق لتلك العائلات لإحكام قبضتها الحديدية على الجميع؛
وومض بريقٌ من الجدية الصارمة في عيني شون لونغ لبرهة، قبيل أن يعاود النظر نحو البدين فو؛
وفي اللحظة ذاتها، تردد صدى صوت الأسود الصغير في عقل شون لونغ، حيث أومأ التنين الأسود برأسه داخل "حجر الزمان" وقال بجدية:
«سيدي، استناداً إلى تموجات روحه، فهو لا يكذب على سيدي قيد أنملة»؛
وأومأ شون لونغ برأسه، وسرى شعورٌ بالارتياح والسكينة في أعماق صدره؛
فحتى دون تأكيد الأسود الصغير، كان يستشعر بحدسه صدق مشاعر البدين فو وإخلاصه نحوه؛
فقد كان هذا هو أقرب شخص ارتبط به بأواصر الود في كنف «عالم الزراعة»، لذا فإن التيقن من إخلاص فو لي أورث شون لونغ بهجةً وراحةً بالغة؛
ففي عالم زراعة متوحش ينضح بالغدر والطعن في الظهور، كان البدين فو صديقاً حقيقياً نادراً؛
ورؤيةً للين الذي اعترى ملامح شون لونغ، أطلق البدين فو تنهيدة ارتياح عميقة؛
فلم يكن يحوز الكثير من الأصدقاء في الطائفة، غير أن شون لونغ كان يحتل مكانة بالغة الأهمية في قلبه؛
وتماماً كحال شون لونغ، كان فو لي قد حبس هذا السر في صدره لعجزه عن إخطار صاحبه به، مما كبله بضغط نفسي خانق طوال تلك المدة؛
وبينما شخص شون لونغ نحو فو لي، عادت نظراته لتكتسي بالصرامة والجدية مجدداً، واستطرد متسائلاً بصوت رزين:
«أيها البدين… أكان "لو ون" يعلم بهذا الأمر أيضاً؟»؛
وتبدلت سحنة فو لي واكفهر وجهه فور سماع سؤال شون لونغ، وعقب هنيهة من التردد والتدبر، أومأ برأسه وعيناه تقدحان بجدية مطلقة!
شاركونا توقعاتكم في التعليقات! 💬🍿
ترجمة
ثراندويل
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.