مساحة للحكاية، ووقت لك← عاهل الزمن
الفصل 26: تغيرات مفاجئةنحو 6 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 26: تغيرات مفاجئة

شعر "شون لونغ" بأحشائه تضطرب بشدة وهو يرتطم بالجدار، وتطاير الحطام من حوله مع انهياره. كادت عظمة قفصه الصدري تنخسف تمامًا من أثر تلك اللكمة، فبصق دفعة أخرى من الدماء قبل أن يستجمع كل ما تبقى لديه من عزم لينهض بصعوبة من بين الركام.

أحس في أعماقه بقوة تسري لتشفي جراحه بسرعة فائقة، غير أن طاقة التشي لديه كانت تُستنزف في الوقت نفسه بمعدل مذهل.

تسمّر "بو دويي" في مكانه مذهولًا، وانفلتت دهشته بصوت مسموع: «كيف لا تزال على قيد الحياة؟!».

كانت هالة "بو دويي" توضح بجلاء أنه قد بلغ بداية المستوى التاسع من مرتبة الأرض؛ لذا كان مجرد بقاء "شون لونغ" حيًا بعد تلقي ضربة مباشرة منه، بل وقدرته على الوقوف على قدميه بعدها، معجزة صريحة لا تحتمل الشك.

«اقتله!»، انطلق فجأة صوت حاد وممسوخ من خلف "بو دويي".

ظهرت "جينغ فاي" خلفه، وكان الجانب الأيمن من وجهها قد انتفخ واحمرّ تمامًا ليصير أشبه بوجه خنزير إثر صفعة "شون لونغ".

قال "بو دويي" بنبرة بدت وكأنها تفيض بالأسف: «لا يسعني قتله داخل أسوار مدينة الغيمة العائمة، وإلا كان العقاب باهظًا لدرجة تعجز قدرتي على تحمله».

صرّت الفتاة على أسنانها وخرجت الكلمات من فمها تقطر سمًا: «سـ… سأمنحك ما تشتهيه وتريده مني، فقط اقتله!».

اتسعت ابتسامة "بو دويي" وقال بملاطفة: «آه، ما دمتِ تلحين هكذا يا صغيرتي فاي فاي، فسأتولى أمر هذا الصعلوك من أجلكِ».

ثم استدار نحو الفتى وتابع: «أيها الشقي، لا تلم إلا حظك العاثر الذي أوقعك في طريقي اليوم وجعلك تتطاول على صغيرتي فاي فاي».

اشتعال الغضب في صدر "شون لونغ" امتزج بشعور بالمرارة والعجز؛ لقد هجر مملكة "الحظ السماوي" ليصبح أقوى حتى يصون حياته بيده، وها هو الآن، بعد انقضاء يوم واحد فقط داخل طائفة الغيمة العائمة، يجد نفسه على شفا الموت قاب قوسين أو أدنى.

وفجأة، اهتز عقله بعنف مع رنين مفاجئ أطلقه الحجر المثلث والكتاب الذهبي في اللحظة نفسها.

ومن العدم، بزغت صفحة بيضاء فضية في مساحته الروحية.

كانت تشبه تمامًا تلك الصفحة التي ابتلعته إلى داخل الكتاب الذهبي من قبل، غير أن الهالة المنبعثة منها هذه المرة كانت أعظم وأجلّ بملايين المرات من هالة "بو دويي". فإذا كان الأخير مجرد نملة ضئيلة تزحف على التراب، فإن تلك الصفحة الفضية بدت كتنين سماوي يشق عنان السماء.

أدرك "شون لونغ" في التو أن وعيه مرتبط بها ارتباطًا وثيقًا، وتيقن أنه لو استلها إلى الواقع خارج مساحته الروحية، لاستطاع محو "بو دويي" من الوجود بضربة واحدة حاسمة.

ومع ذلك، ظل الحجر المثلث يُصدر طنينًا متواصلًا في فضاء روحه، وكان الضغط المنبعث منه هائلًا لدرجة طغت حتى على الكتاب الذهبي وتلك الصفحة الفضية التي ظهرت لتوها.

أخذ "بو دويي" يتهادى في مشيته نحو "شون لونغ" ببطء، متلذذًا بتعذيبه نفسيًا بنشر الترقب والخوف في قلبه؛ فجلّ ما كان يبتغيه هو أن يرى ملامح اليأس والقنوط تكسو وجه الفتى قبل أن يزهق روحه.

فطن "شون لونغ" لمراده، وفكر في سريرته: «يا له من عجوز سافل وبلا مروءة؛ يريد تذويقي مرارة اليأس أولًا قبل قتلي! حسنًا، إن كنت ترغب في التمادي في خستك هذه، فسترى كيف سأجعلك تندم حتى الهلاك اليوم. حتى وإن كُتب عليّ الهروب من طائفة الغيمة العائمة بأسرها، فلن أستسلم للموت مستكينًا هكذا أبداً!».

اصطنع "شون لونغ" ملامح تفيض بالذعر والهلع مع اقتراب "بو دويي" خطوة تلو الأخرى. وما دام الغريم يدنو منه إلى تلك المسافة القريبة، فقد كان الفتى واثقًا من قدرته على تمزيقه إربًا بتلك الصفحة الفضية، حتى وإن كان في المستوى التاسع من مرتبة الأرض.

«ما الذي يجري هنا بحق الجحيم؟».

دوى صوت شيخ ذي لحية بيضاء طويلة يقف عند مدخل نقابة الكيميائيين، حاملاً نبرة صارمة مفعمة بالسلطة والاستياء البالغ.

كان الشيخ يرتدي رداءً فضيًا، واستقر على صدره شعار فضي يحمل نقش مرجل صغير رُصعت فوقه نجمة واحدة.

تبدلت ملامح "بو دويي" في لمح البصر، وهرول متملقًا نحو الشيخ وهو يبتسم بذلة ويقول باحترام: «أيها الكبير لي، يا لها من مفاجأة سارة أن تـ…».

قاطعه الشيخ بحدة: «كفّ عن هذا التملق الرخيص يا بو دويي! سألتك بوضوح عما حدث هنا!».

اختلجت عضلات وجه "بو دويي"، ورغم ثبات ابتسامته المصطنعة، إلا أن نظراته أبطنت غيظًا باردًا. وسرعان ما أخفى ذلك وهو يجيب: «أيها الكبير لي، الحق كله يقع على عاتق هذا الشقي؛ لقد عكّر صفو السكينة والهدوء داخل نقابة الكيميائيين، وحين أمرته بالانصراف أبى وعاند، فلم أجد بدًا من تأديبه وتلقينه درسًا، وأرجو منك المعذرة والصفح».

أطلق الشيخ همهمة استنكار ونقل بصره في المكان، لتستقر عيناه فورًا على موظفة الاستقبال. اتجه صوبها بملامح حازمة وطالبها بسرد حقيقة ما جرى.

حاول "بو دويي" توجيه نظرة تهديد قاتمة نحو الموظفة لإرهابها، لكن ما إن التفت "الكبير لي" نحوه بنظرة خاطفة، حتى أحس بقلبه يهوي في جوفه رعبًا، وفكر في نفسه بحنق: «تبًا! إن لم تلزم هذه العاهرة الصمت، فسأقع في ورطة حقيقية لاحقًا!».

لم تجرؤ موظفة الاستقبال على النطق بكلمة كذب واحدة في حضرة "الكبير لي"؛ فالقاعة غاصة بالشهود الذين عاينوا المشهد برمته، ولو تقدم أحدهم وصدع بالحق، لكانت حياتها هي نفسها الثمن.

وما إن استمع الشيخ إلى الرواية كاملة من الموظفة، حتى استدار نحو "بو دويي" و"جينغ فاي" بنظرات محتدمة بالوعيد.

صاح "بو دويي" بجنون وهو يندفع نحو موظفة الاستقبال: «كيف تجرؤ حثالة وقحة مثلكِ على الكذب أمام الكبير لي؟! الموت جزاؤكِ!».

وقبل أن تلامس كفه جسد الموظفة، دهمته صدمة ثقيلة عند خاصرته؛ لقد هوت قدم "الكبير لي" في جنبه بركلة خاطفة، لتطير جثة "بو دويي" السمينة في الهواء وترتطم بجدار خرساني سميك فتحطمه بالكامل!

لم يكلف الشيخ نفسه حتى عناء الالتفات نحو "بو دويي" الملقى وسط الأنقاض يغمض عينيه وتنتفض أطرافه بارتعاشات خافتة، بينما تلطخ رداؤه الأبيض بغبار الردم الرمادي. وبدلًا من ذلك، حدج "جينغ فاي" بنظرة جعلت فرائصها ترتعد ذعرًا فور سماع وعيده: «حسابكِ معي مؤجل لاحقًا».

ثم حوّل نظره نحو "شون لونغ" وخاطبه ببرود: «أما أنت، فرغم أنك ضحية جزئيًا في هذا الأمر، إلا أنك فظ بطريقة مفرطة ولسانك يقطر سمًا؛ لقد وجهت شتائم بذيئة لإحدى موظفات نقابتنا. ومع أنني لن أطالبك بأي تعويض عن الجدران المهشمة أو الفوضى التي تسببت بها، إلا أنك ممنوع بموجب هذا من وطء أقدامك داخل نقابة الكيميائيين في مدينة الغيمة العائمة إلى الأبد!».

أظلمت عينا "شون لونغ" ببرود قاتل وهو يحدق في هذا العجوز المقيت؛ أيعقل أن يتستر على أخطاء أتباعه وتجاوزاتهم حتى في موقف كهذا؟!

«ههههههههه!».

لكن في تلك اللحظة بالذات، انطلقت فجأة ضحكة عذبة ورنانة من إحدى زوايا القاعة، لتستقطب انتباه كل من في المكان.

«هو ليه بجد أي حد بيتنفس في طريق البطل لازم يطلع وغد، مغرور، أو قليل الأدب؟! تحس العالم كله متآمر عشان ياخد كفوف وصفعات من شون لونغ بس 😂! شكل الكارما مجهزة ليهم شواء محترم الفصول الجاية.»

ترجمة

ثراندويل

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.