الفصل 233: نزال القمة في التصنيفات
ما إن طرقت عبارة «اللورد الأبيض الشاب» مسامع الفتى اليافع، حتى اتسعت حدقتاه ذهولاً، وأخذ يحدق في الشاب صاحب الرداء الأبيض بأعين تفيض بالتبجيل والانبهار والرهبة؛
والتفت نحو الرجل بجواره، ولم يتمالك نفسه من التلعثم وسأله بملامح تنكر ما تسمعه أذناه:
«أهـ… أهذا هو اللورد الأبيض الشاب حقاً؟!».
فلم يكن هناك أحد تقريباً في أرجاء قارة نجم الليل لم يبلغه صدى اسم اللورد الأبيض الشاب؛
فلم يقتصر الأمر على كونه نجل أحد أعتى خبراء القارة وذروتها، بل كان أيضاً عبقرياً فذاً لا يُشق له غبار، وشاباً ساحر الوسامة؛
وكان والده، "اللورد الأبيض" — الذي يرتعد من بأسه وهيبته عدد لا يُحصى من ملوك الداو — قد أقر بنفسه بأن ابنه يختزن من الإمكانات والمواهب ما يفوق ما كان يمتلكه هو شخصياً في ريعان شبابه؛
ومنذ نعومة أظفار الفتى، تنبه اللورد الأبيض لموهبته الخارقة في مسالك الزراعة، فأغدق عليه بأثمن وأرقى موارد التدريب؛
أحجار روح من الدرجة المتوسطة، وأسلحة ودروع من الرتبة الذهبية، بل وحماة شخصيون يرسون في عالم ملوك الداو يرافقون خطاه كلما غادر أسوار "المدينة البيضاء"؛
ولم يكن يساور أبناء قارة نجم الليل أدنى شك في أن اللورد الأبيض الشاب سيعتلي في المستقبل عرش ذروة ملوك الداو دون ريب؛
وأومأ الرجل العشريني برأسه مؤكداً، بينما التمعت نظرات الإجلال في عينيه وهو يرمق المقاتلين عبر الشاشة الضوئية؛
ثم أردف بنبرة حازمة:
«رغم أن اللورد الأبيض الشاب عبقري فذ، إلا أن الهزيمة محتومة عليه اليوم أمام الكبير لونغ هونغ!».
والتفتت الفتاة الواقفة بجوار الفتى عن الشاشة فوراً لسماع ذلك، ورمقت الرجل الذي اقترب من شقيقها بنبرة ممتعضة:
«وكيف تجزم بأن اللورد الأبيض الشاب سيتجرع الهزيمة؟!».
ولم تخفض المرأة نبرة صوتها، مما استلفت أنظار المحتشدين من حولهما، لتتسمر أعين الجميع على الشاب العشريني؛
وانطلقت جموع الحاضرين في التو تكيل الإهانات والسخريات اللاذعة نحوه بمجرد سماعهم لاعتراض الفتاة؛
غير أن الشاب لم يتراجع أو يطرف له جفن أمام غضب الحشود، ووجه بصره نحو الشاشة الضوئية وقال بصوت جهوري واثق:
«لست أقول إنه سينهزم بدافع الكره أو الضغينة؛ فرغم أن الكثيرين بينكم يجهلون هذه الحقيقة، إلا أن الكبير "لونغ هونغ" قد ارتقى بالفعل ليبلغ ذروة المستوى الأول من عالم الروح الوليدة!
في حين أنني عاينت نزالات اللورد الأبيض الشاب بالأمس، والحقيقة المجردة هي أنه ورغم عبقريته الفذة في فنون السيف، لم يتجاوز بعد بدايات المستوى الأول من عالم الروح الوليدة!
أتظنون حقاً أنه قادر على قهر الكبير لونغ هونغ؟! فالكبير لونغ هونغ هو أحد أمهر ممارسي الصابر في قبة السماء قاطبة! ولو وقفا في رتبة الزراعة ذاتها، لربما أمكن للورد الأبيض الشاب انتزاع النصر، أما والآن مع هذا الفارق؟».
وما إن صكت تلك الحقائق أسماع الحشود، حتى لزمت الألسن الصمت وخفت الصخب، وأسرع الجميع بإعادة أنظارهم نحو الشاشة الضوئية؛
فبالفعل، ورغم علم الكثيرين بحلول اللورد الأبيض الشاب ضيفاً على دار التصنيفات بالأمس، إلا أن قلة من رواد القاعة هم من شهدوا مشاركته في المعارك؛
وداخل الشاشة الضوئية، رمق "لونغ هونغ" ذو الشعر البني الشاب الماثل قبالته، وقال بابتسامة تفيض بالثقة:
«اللورد الأبيض الشاب الشهير، "باي لونغتيان"… يسعدني اللقاء بك هنا؛ لطالما تغنى الناس بكونك لا تُقهر في فنون السيف بين أقرانك في الرتبة ذاتها، غير أن قلة نادرة تقوى على هزيمتي في رتبتي أيضاً؛
ورغم أن زراعتي تفوق زراعتك بوضوح، إلا أنني آمل ألا تتخذ من ذلك ذريعة أو حجة للتبرير حين تسقط مهزوماً؛
ففي نهاية الأمر، أنت من بادر بإطلاق هذا التحدي منذ البداية».
ونظر "باي لونغتيان" ذو الشعر الأسود إلى لونغ هونغ الذي يبتسم بزهو، وبشكل مفاجئ، أومأ برأسه مجيباً بجدية ورصانة:
«لا تقلق يا كبيري لونغ، فلستُ بالمرء الذي يلتمس مثل تلك الأعذار الواهية؛
فطالما استطعتَ انتزاع النصر، فسأتقبل الهزيمة برحابة صدر».
وانقلبت ملامح لونغ هونغ إلى القتامة والامتعاض لسماع هذا الرد؛
فقد كان يخطط لاستفزاز باي لونغتيان وإفقاده صوابه قبل الإطاحة به، غير أن النتيجة جاءت عكسية وبدا هو بمظهر المتصاغر وضيق الأفق؛
ودون أن ينبس بحرف آخر، قبض الرجل ذو الشعر البني على صابره القرمزي بكلتا يديه، وحقن طاقة الـ تشي في نصله، لتنبعث خيوط اللهب وتتراقص في الهواء من حوله؛
وفجأة، اشتعل الصابر القرمزي بالكامل لتندلع نيران لاهبة على سطحه؛
وركل لونغ هونغ أديم الأرض، ليتلاشى من موضعه في كسر من الثانية، ويتجسد قبالة باي لونغتيان مباشرة، هاوياً بصابره نحو صدره في ضربة مباغتة؛
وقطب الحاضرون جباههم استهجاناً لتلك المباغتة، غير أن باي لونغتيان لوّح بسيفه بهدوء تام، مستقبلاً الصابر الهادر في صدام مباشر وجهاً لوجه؛
وجحظت عينا لونغ هونغ ذهولاً حين رأى باي لونغتيان لم يتراجع سوى خطوة يتيمة واحدة للوراء، بعدما تصدى لضربة صابره كاملة القوة وهو يقبض على سيفه الأبيض بيد واحدة لا غير!
ومع ذلك، ارتسمت ابتسامة خبيثة على ثغر لونغ هونغ حين التحم صابره القرمزي بسيف باي لونغتيان الأبيض؛
إذ التهمت النيران المستعرة نصل السيف الأبيض في طرفة عين، وزحفت تلتهم طريقها نحو جسد باي لونغتيان؛
غير أن الصدمة سرعان ما محت تلك الابتسامة عن وجه لونغ هونغ؛
ففي اللحظة التي أوشكت فيها ألسنة اللهب على ملامسة يد باي لونغتيان عند مقبض السيف، انبثق نور أبيض ساطع وطاغٍ من كف اللورد الأبيض الشاب، ليخمد ألسنة النار في التو واللحظة؛
وتطهرت النيران وتلاشت كالهباء بمجرد اصطدامها بالضوء الأبيض، بينما اكتفى باي لونغتيان بابتسامة خفيفة وهو يرى لونغ هونغ يتراجع للخلف مرتدّاً؛
وقبل أن يستعيد لونغ هونغ توازنه ويثبت أقدامه، تجلى باي لونغتيان أمامه وقد استحال فجأة إلى شعاع من الضوء الخالص، قبيل أن يختفي من مكانه كلياً؛
وانفجرت ردهة دار التصنيفات بهتافات الصدمة والحماسة، بعدما استوعب الجميع حقيقة ما يجري:
«داو النور!»؛
«أيعقل أن اللورد الأبيض الشاب قد استوعب داو النور؟!».
وفي اللحظة عينها، وداخل الشاشة الضوئية، تجسد باي لونغتيان خلف ظهر لونغ هونغ، ملوحاً بسيفه الأبيض نحو مؤخرة عنقه بضربة قاطعة؛
وزفر لونغ هونغ في حنق واستدار بسرعة لصد هجوم باي لونغتيان، غير أن حركات الأخير كانت تفوق سرعة لونغ هونغ بمراحل؛
وبالاعتماد على داو النور، تحركت يد باي لونغتيان بسرعة ضوئية خاطفة، ليترك نصل سيفه جرحاً في مؤخرة عنق لونغ هونغ؛
وسارع خبير ذروة المستوى الأول لعالم الروح الوليدة بالتصدي للسيف الأبيض بالقرب من عنقه بصابره القرمزي، وهو يرمق الشاب أمامه بنظرات يغشاها الهلع والذهول الصرف؛
ولزمت الحشود داخل دار التصنيفات الصمت المطبق وقد انعقدت ألسنتهم دهشة، بينما رمق باي لونغتيان الرجل ذا الشعر البني أمامه، وقال بابتسامة هادئة وواثقة:
«كبيري لونغ… لقد فزتُ أنا».
وأراد لونغ هونغ الاعتراض والمكابرة، غير أن يده امتدت لا إرادياً لتتحسس مؤخرة عنقه، حيث كانت الدماء القانية لا تزال تتقاطر لتسيل فوق أديم الأرض!
شاركونا توقعاتكم في التعليقات! 💬🍿
ترجمة
ثراندويل
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.