الفصل 232: استيعاب الداو
ورؤيةً لـ "شون لونغ" يعود أدراجه إلى باطن الفضاء الضبابي، رمقه "الأسود الصغير" بنظرات ملؤها الجدية والتحذير قائلاً:
«سيدي، رغم يقيني التام بأن تلك الفتاة لن تجد أدنى مشقة في اقتحام عالم الروح، إلا أنه واستناداً إلى تلك الهالة الجنائزية الكثيفة التي تطوق جسدها، يتوجب عليك أن تهيئ نفسك لحقيقة أنها ستسفك دماءً لا حصر لها في قادم الأيام؛
فمستحضرو الموتى يسيرون دوماً محاذين لأطراف الفناء، حتى يعمقوا استيعابهم وبصيرتهم في داو الموت؛
ولهذا السبب تحديداً، يُصنف داو الموت كأحد أقسى المسارات وأشدها دموية، وفي الوقت ذاته أكثرها بطشاً ورعباً في هذا الوجود».
وأومأ شون لونغ برأسه متفهماً لكلمات الأسود الصغير؛ إذ كان هذا أمراً قد استقر في إدراكه بالفعل؛
فرغم أن هالة الموت الكثيفة المحيطة بـ "ليو مي" لا تتجلى بوضوح إلا أثناء عكوفها على صقل طاقتها أو استدعاء جيش موتاها، إلا أن شون لونغ تنبه إلى أنها تزداد قتامة وتعاظماً في كل مرة تحصد فيها هياكلها العظمية أو فرسانها أرواح الخصوم؛
وفضلاً عن هذا، كان يدرك أن هذا هو المسار الحتمي الذي لا فكاك منه إن أرادت ليو مي المضي قدماً في طريق استحضار الموتى؛
وبعد أن جلس متربعاً فوق الأرض الصلبة، ابتلع شون لونغ حبة جديدة من حبوب «تعزيز الروح» ذات الرتبة الرابعة والدرجة القصوى، مواصلاً الارتقاء بقوة روحه وتوسيع مدارك طاقته الروحية؛
ورغم أن نصيب الروح من هذا التطور المباشر كان هو الأضأل مقارنة بالقوة الروحية، إلا أن شون لونغ كان يعلم يقيناً أن جوهر الروح يستحيل صقله بالوسائل المعتادة؛
فالمكونات الدوائية والحبوب القادرة على شحذ الروح ذاتها أندر بكثير وأعز منالاً من أشجار روح اليشم الذهبية؛
وواصل شون لونغ التهام حبوب تعزيز الروح طوال ساعات النهار، بينما كان يخصص كل يوم ثانٍ لمحاولة التأمل والغوص في استيعاب داو الزمان، متتبعاً هذا النسق الصارم مع انسياب الوقت؛
وتصاعدت وتيرة امتصاصه باطراد، من خمس حبات يومياً إلى ست، وسرعان ما غدا شون لونغ قادراً على صهر وامتصاص ثماني حبات كاملة في اليوم الواحد؛
شهر…
شهران…
ثلاثة أشهر…
وانصرم نصف عام كامل بالنسبة لشون لونغ داخل فضاء "حجر الزمان"، حتى دوى فجأة صوت فرقعة خافت يتردد من أعماق فضائه الروحي؛
وبدا الأمر وكأن انفجاراً دقيقاً قد وقع في الداخل، لتشرع حدود فضائه الروحي في التمدد والاتساع ببطء؛
وبعد مضي ساعة واحدة، استشعر شون لونغ بجلاء أن سعة فضائه الروحي باتت تفوق ما كانت عليه سابقاً بأشواط؛
فطوال نصف العام المنصرم من خلوته المغلقة، بلغت روحه وقوته الروحية الحدود القصوى والمطلقة لـ مرتبة السماء، بينما اتسع فضاؤه الروحي بما يزيد على ثلث حجمه الأصلي؛
وكان قد استهلك طوال هذه المدة ما يربو على ألف حبة من حبوب «تعزيز الروح» ذات الدرجة القصوى؛
ومع ذلك، ورغم أن طاقته الروحية وروحه قد لامستا سقف الذروة، وبات يفصله عن خوض غمار اختراق عالم الروح خطوة واحدة يتيمة، إلا أن شعوراً بالحنق والإحباط ظل يعتصر فؤاده؛
فطوال نصف العام المنصرم، ومهما بذل من جهد وتفانٍ، عجز تماماً عن تعميق استيعابه لـ داو الزمان؛
وبدا الأمر وكأنه كلما حاول التوغل عميقاً في هذا الدرب، تباعد جوهر الزمان وانفلت من بين قبضته كسراب بعيد؛
فمهما استجمع من تركيز، كان يشعر بأنه يقف على مسافة خطوة واحدة من ملامسة حقيقة داو الزمان، غير أنه ينتهي دوماً إلى قبضة خاوية وإحساس أثيري غامض؛
واستشعر الأسود الصغير اضطراب مشاعر سيده، فرمق شون لونغ الجالس في موضع خلوته وقال بنبرة هادئة وناصحة:
«سيدي، عليك بالصبر والأناة؛ فمهما بلغت براعتك، هناك دروب من الداو تتطلب مئات بل آلاف السنين لسبر أغوارها؛ وبطبيعة الحال، توجد في العوالم الشاسعة كنوز استثنائية تعجل من استيعاب الداو وتفتق بصيرته، غير أنني… لم يسبق لي قط حتى أن سمعت بوجود كنوز تخص داو الزمان على وجه الخصوص!
لذا، فالأمر برمته يظل مرهوناً بك وحدك في نهاية المطاف».
وهز شون لونغ رأسه موافقاً على كلمات التنين، قبيل أن ينفض الشواغل عن عقله ويتمتم في سره بصفاء:
«حقاً، وما الضير إن استغرقتُ بضعة أشهر أو حتى بضعة أعوام لاستيعاب الداو؟ ففي نهاية المطاف، كل ما في هذا الوجود ليس سوى… زمان!».
وبعد انقضاء بضع ساعات، التمعت عينا الأسود الصغير ببريق باهر وهو يحدق في شون لونغ، الذي بدا وكأنه قد انزلق فجأة إلى حالة نادرة وخارقة من الاستنارة الروحية التامة!
وفي الوقت ذاته، وداخل أروقة "دار التصنيفات" في مدينة قبة السماء، احتشت حشود بشرية هائلة تغص بها القاعات، مثبتين أبصارهم في ذهول وترقب نحو شاشة ضوئية عملاقة معلقة في الهواء؛
وكانت تلك الشاشة الضوئية هي ذاتها التي عاين شون لونغ وليو مي عبرها نزال الأميرة الثالثة لقوم إلف الظلام، "يي مينغتشو"، ضد المصنف المائة والسابع والأربعين "سو شانيوان" في السابق؛
وعلى سطح الشاشة، تجلى شاب وسيم ذو شعر فاحم كالسواد، يرتدي رداءً أبيض ناصعاً ويقبض بين يديه على سيف أبيض كالثلج، منتصباً في مواجهة رجل ذي شعر وعينين بنيتين يرتدي رداءً أزرق، ويتكئ بيده اليمنى على صابر قرمزي ضخم؛
وكان الشاب ذو الرداء الأبيض يتمتع بفك حاد وحاجبين كحد السيف، بينما رمقت عيناه الزرقاوان الغائرتان الخصم الماثل أمامه بجدية حازمة؛
وكانت أطراف ردائه الأبيض ترفرف مع هبات الريح، بينما جعلت ملامحه الصارمة قلوب الفتيات والشابات المحتشدات في دار التصنيفات تدق باضطراب؛
وعلى النقيض منه، وقف الرجل ذو الرداء الأزرق المقابل له باسترخاء تام، مستنداً بصابره العملاق على كتفه الأيمن دون مبالاة؛
وانفجرت الحشود بجدل صاخب ونقاشات متأججة وهم يرمقون الشابين المتأهبين للمنازلة، لتتدافع أعداد غفيرة نحو الساحة؛
والتفت فتى يافع لا يتجاوز السادسة عشرة من عمره نحو فتاة تقف بجواره وقد تسمرت عيناها بلهفة على الشاب صاحب الرداء الأبيض، وسألها بفضول:
«أختي الكبرى، من يكون هذان الشخصان؟! وما سبب هذا الحشد غير المسبوق اليوم؟!».
والتقط شاب في منتصف العشرينيات سؤاله، فتقدم خطوة وربت على كتف الفتى الصغير قائلاً:
«مهلاً أيها الفتى الصغير، أتريد حقاً أن تعلم من يكون هذان العملاقان؟ دعني إذن أطلعك!
الرجل ذو الرداء الأزرق الذي يضع الصابر القرمزي فوق كتفه، هو صاحب المرتبة الخامسة في دار تصنيفاتنا، الكبير "لونغ هونغ"!»؛
وكادت عينا الفتى تخرجان من محجريهما لسماع ذلك، وعاد ليتفرس في الرجل ذي الشعر البني على الشاشة برهبة وإجلال؛
ثم، التفتت عيناه لا إرادياً نحو الشاب ذي الرداء الأبيض المنتصب قبالته، وسأل الرجل بجواره بنبرة يشوبها الحرج:
«ومن يكون خصمه الواقف أمامه إذن؟!».
وابتسم الشاب العشريني لسماعه السؤال، ونظر نحو الشاب صاحب الرداء الأبيض على الشاشة، وأجاب بنبرة ملؤها التبجيل والمهابة:
«إنه السيد الشاب لـ "المدينة البيضاء"، ونجل أحد أعتى ملوك الداو قاطبة في قارتنا… إنه اللورد الأبيض الشاب!».
شاركونا توقعاتكم في التعليقات! 💬🍿
ترجمة
ثراندويل
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.