الفصل 170: ذهول تشانغ دينغ شيانغ
ارتسمت علامات الحيرة على محيا "ليو مي"، غير أنها أومأت برأسها موافقة على أية حال؛
فتح "ملك الفهود ذو الأجنحة الفضية" عينيه فور رؤيته لشون لونغ وليو مي يخرجان من غرفتهما، ثم نهض وتهادى نحوهما بخطى مفعمة بالغبطة؛
ربت شون لونغ على رأس الفهد الأسود بحنو، ثم اعتليا ظهره بصحبة ليو مي وغادرا أسوار "فناء الملك".
وفوق ظهر الفهد، لم تطق ليو مي صبراً لكبح جماح فضولها أكثر، فسألته بنبرة هامسة:
«أخي لونغ… كيف يسعك أن تقفز في صقل الجسد من ذروة المرحلة الثانية، لتستقر مباشرة في منتصف المرحلة الثالثة في يوم واحد فقط؟!».
ورغم أن ليو مي لم تكن ممارسة في درب صقل الجسد، إلا أنها كانت تدرك تمام الإدراك أن صقل الأبدان مسار أشد وعورة ومشقة بأشواط من صقل الـ تشي؛
غير أن ثمار هذا المسار كانت حاسمة؛ فإذا أفلح صاقل الجسد في تضييق الخناق وتقليص المسافة بينه وبين صاقل الـ تشي أثناء النزال، فإنه في تسعين بالمئة من الحالات سيظفر بالنصر الساحق بكل سهولة وسلاسة.
وما إن غادرت تلك الكلمات شفتيها، حتى هزت ليو مي رأسها متداركة، وحدقت في ظهر شون لونغ وقالت باعتذار:
«أعتذر بشدة! إن كان هذا أمراً تؤثر كتمانه ولا تود الخوض فيه…».
ابتسم شون لونغ ابتسامة هادئة، وأمال رأسه جانباً نحوها وقال برحابة:
«لا يوجد ما يستوجب الكتمان على أية حال؛ فحين كنا في "مجال الفيرميليون"، كانت ثمة بحيرة كبرى تستقر في جوف غابة تُدعى "غابة العمالقة"؛ وكانت مياه تلك البحيرة تكتنز خصائص إعجازية وتأثيراً باهراً لأي وحش سحري أو ممارس يعكف على صقل جسده؛
وفي ذلك الحين، امتصصتُ أقصى ما أمكنني من تلك المياه السحرية، واختزنتُ طاقتها الخام داخل خلايا بدني؛
ولسوء الحظ، وبما أنني لم أكن قد استوعبت داواً حقيقياً بعد، عجزتُ حينها عن اقتحام المرحلة الثالثة من صقل الجسد، لتظل تلك الطاقة الدفينة حبيسة عروقي حتى هذا اليوم؛ وحتى أنا شخصياً لم أكن لأتوقع أن بمقدوري كسر الحواجز وبلوغ منتصف المرحلة الثالثة دفعة واحدة!».
طوّقت ليو مي صدر شون لونغ بذراعيها الرقيقتين، وأسندت رأسها برفق فوق ظهره وهمست بصوت يفيض عذوبة:
«شكراً لك…».
سرى دفء ندي في حنايا قلبها فور سماع توضيحه الصادق؛
ففي نهاية المطاف، لم يكن غريباً بين رفقاء الداو أن يحتفظ أحدهما ببعض الأسرار الغامضة التي يؤثر حجبها حتى لو استفسر عنها شريك دربه؛
وكان هذا هو السبب ذاته الذي ألجم لسان ليو مي ومنعها من السؤال عن كنه تلك الطاقة الحيوية الدافئة التي كانت تتدفق لتغمر كيانها في كل مرة كانا يمارسان فيها وصالهما الحميم؛ إذ توجست خيفة من إحراجه، خاشيةً أن ينطوي الأمر على سر دفين لا يرغب في إفشائه؛
غير أن مخاوفها تبددت هباءً كسراب، حين لم تلمس منه أدنى تلعثم أو تردد وهو يجيب عن سؤالها بكل أريحية.
أطلق شون لونغ قهقهة خافتة حين استشعر دفء جسد ليو مي يلتصق بظهره، ثم تمتم بصوت كاد يتلاشى في الهواء:
«فتاة حمقاء ولطيفة…».
آثرت ليو مي ألا تثقل عليه بالسؤال عن علة قصدهما لـ "نقابة القمر الشاحب التجارية"، وبعد انقضاء عشر دقائق خاطفة، استقر الفهد الأسود قبالة مدخل النقابة الشاهق؛
ومرة أخرى، انتصب أربعة حراس يرتدون دروعاً فضية لحراسة البوابة؛
وتماماً كالمرة الفائتة، عبر شون لونغ وليو مي دون أدنى اعتراض، وتوجها مباشرة صوب أروقة النقابة العميقة؛
سحب شون لونغ رمزاً معدنياً أسود اللون كان "تشانغ دينغ شيانغ" قد سلمه إياه قبيل مغادرتهما في المرة السابقة، ومضى بصحبة ليو مي نحو مؤخرة النقابة حتى استقرا أمام غرفة خاصة وصغيرة؛
وكانت خادمة يافعة تقف في حراسة الغرفة، وتطلعت بفضول نحو شون لونغ وليو مي المنقبة بنقابها الأبيض مع اقترابهما؛
ابتسم شون لونغ للخادمة بأريحية، وأشهر الرمز الأسود المستقر في كفه وسألها:
«هل تشانغ دينغ شيانغ بالداخل؟».
جحظت عينا الخادمة فور أن ميزت الرمز الشخصي للشيخ، وسارعت بالانحناء بتبجيل مجيبة بلباقة:
«الشيخ ليس متواجداً في الغرفة بعد؛ وإن رغبتم، يسعني استدعاؤه على الفور!».
كانت هذه هي الغرفة المحددة التي أوصى تشانغ دينغ شيانغ شون لونغ بقصدها متى أراد الاجتماع به؛
أما الرمز الأسود، فكل من يحمله يمثل مقام شيخ نافذ في "نقابة القمر الشاحب التجارية"؛
أومأ شون لونغ برأسه للخادمة، فهرولت مسرعة نحو أعماق أروقة النقابة.
وبعد مضي ربع ساعة وجيزة، عادت الخادمة تقتفي أثر رجل في منتصف العمر يرتدي أردية بنفسجية فاخرة؛
ولم يكن هذا الرجل الأصلع الممتلئ بملامحه البشوشة والنتوء البارز في جبهته سوى الشيخ تشانغ دينغ شيانغ بعينه؛
ولمح شون لونغ وليو مي المنقبة من بعيد، فشُدِه لبرهة خاطفة، قبل أن تعلو وجهه ابتشارة عريضة وصاح بترحيب حار:
«أهلاً بالسيد الشاب شون، وبالآنسة الكريمة! مرحباً بكما من جديد في رحاب نقابتنا؛
تفضلا بالدخول، على الرحب والسعة!».
تقدم تشانغ دينغ شيانغ مسرعاً صوب باب الحجرة الخاصة ودفعه، لتتكشف عن صالة باذخة تبلغ مساحتها قرابة خمسين متراً مربعاً؛
جلس شون لونغ وليو مي فوق الأريكة الوثيرة قبالة تشانغ دينغ شيانغ، ليبادر الرجل في منتصف العمر بالسؤال بنبرة ودودة:
«سيدي الشاب شون، أثمة أي أمر يسعني مد يد العون فيه لكما؟».
ورؤيةً لشون لونغ يقصده مباشرة، خمن تشانغ دينغ شيانغ في باطنه أنه لا بد وأن يحمل مسألة شخصية وطارئة يرغب في تسويتها؛
أومأ شون لونغ برأسه وهو يحدق في الرجل الماثل أمامه، وسحب من فضاء "حجر الزمان" زجاجتين صغيرتين مفعمتين بحبات "احتراق الدم" ذات الدرجة القصوى من الرتبة الثالثة، إلى جانب عشر لفائف بيضاء نقية، ووضعها جميعاً بهدوء فوق الطاولة أمامه؛
وظلت عيناه مسلطتين على تشانغ دينغ شيانغ، بينما سأله بنبرة باردة وواثقة:
«أيها الشيخ تشانغ… أتساءل إن كانت "نقابة القمر الشاحب" تعتزم إقامة أي مزادات كبرى خلال هذا الشهر؟».
مد تشانغ دينغ شيانغ يده بعفوية ليتناول إحدى زجاجات الحبوب المستقرة على الطاولة ونزع سدادتها، فإذا بعبير عشبي فواح وساحر يندلع في التو ليملأ أرجاء الغرفة بالكامل!
وتجمدت الكلمات التي همّ شيخ نقابة القمر الشاحب بنطقها في حلقه وتسمرت في لهاته، بينما شخصت عيناه نحو الحبات الماثلة أمامه، وقد اشتعلت في مقلتيه نيران حماسة وشغف هائج لا مثيل له!
شاركونا رأيكم وتوقعاتكم في التعليقات! 💬🍿
ترجمة
ثراندويل
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.