الفصل 17: داخل القصر الإمبراطوري
أخذت ملامح المدينة الإمبراطورية تكبر في عيونهم رويدًا رويدًا مع اقتراب العربة أكثر فأكثر.
وبعد ثلاث ساعات أخرى، وصلوا أخيرًا أمام البوابات الضخمة. ورأى "شون لونغ" أن أسوار المدينة وأبوابها كانت أعلى وأعظم بكثير من أسوار مدينة "الغابة الزرقاء".
كان الحراس يقفون في المقدمة لتحصيل الرسوم من كل من يرغب في الدخول؛ قطعة ذهبية واحدة عن كل شخص، وعشر قطع إضافية لكل عربة.
كانت القطعة الذهبية الواحدة كفيلة بإطعام أسرة من ثلاثة أفراد لنصف عام كامل في المدينة الإمبراطورية، لكنها لم تكن سوى مبلغ زهيد لا يُذكر بالنسبة لسيد تشكيلات مثل "شون فانغ".
دفع الحوذي الرسوم لحراس المدينة، وما إن دخلوا حتى ترجل الأب وابنه من العربة.
أمر "شون فانغ" السائق قائلًا: «اذهب واحجز لنا فناءين كبيرين في "النزل الإمبراطوري" لقضاء الليلتين القادمتين».
انحنى السائق احترامًا وانطلق نحو أفضل نزل في المدينة بأسرها.
كان "النزل الإمبراطوري" تابعًا للعائلة الحاكمة مباشرة، وكانت أسعاره تفوق أي نزل آخر في مملكة "الحظ السماوي" بأكثر من عشرة أضعاف، غير أن خدماته وأفنيته كانت الأرقى بلا منازع. ومع ذلك، لم يكن الدخول متاحًا لأي عابر سبيل؛ فالإقامة فيه كانت حكرًا على أصحاب النفوذ والمكانة الرفيعة كـ "شون فانغ" وعائلاتهم.
أمضى الأب وابنه اليومين التاليين في جولة داخل العاصمة الإمبراطورية؛ إذ كانت هذه أول زيارة لـ "شون لونغ" إليها. تذوقا أشهى الأطباق والخمور في أشهر مطاعم المدينة نهارًا، بينما كان الفتى يعكف على التدريب ليلًا.
انصب كل تركيزه على صقل كرات الـ "تشي" التي صنعها مسبقًا ليرفع جودتها وقوتها لتصبح مماثلة للكرة الخامسة والخمسين. كانت عملية شاقة تتطلب الكثير من العرق والجهد، لكنه نجح خلال هاتين الليلتين في إعادة صقل ست كرات إضافية. ورغم أن هذا لم يرفع مستوى زراعته رسميًا، إلا أن قوته الفعلية كانت تتصاعد بوتيرة سريعة جدًا.
وقدّر "شون لونغ" أنه متى فرغ من صقل جميع الكرات ودخل المستوى السابع من تدوير التشي، فسيتمكن على الأرجح من هزيمة مقاتل في المرحلة المتوسطة من المستوى التاسع.
أشرقت شمس الصباح ببطء من جهة الشرق لتكشف عن مدينة تعج بالحركة والنشاط منذ الفجر الباكر.
كانت الحراسة مشددة للغاية حول محيط القصر، وتوجب على العامة والنبلاء على حد سواء الانتظار في الخارج اليوم؛ فقد وصل ضيوف مميزون من طائفة كبرى شهيرة لإجراء اختبار اختيار وتجنيد تلاميذ للبلاط الخارجي. ولم يكن مسموحًا بالدخول إلى القصر الإمبراطوري سوى للشباب الذين استوفوا الشروط المطلوبة.
وصل "شون فانغ" وابنه أمام مدخل القصر، فاستوقفهما أحد الحراس وصاح بصرامة: «ممنوع الدخول إلى القصر الإمبراطوري إلا لمن يشارك في اختبار الاختيار!».
بدا من نبرته أنه ردد هذه العبارة أكثر من مئة مرة هذا الصباح.
تجاهل "شون لونغ" الحارس تمامًا، والتفت نحو والده وقال بهدوء: «أبي، أنا ذاهب».
امتلأت عينا "شون فانغ" بمزيج من الفخر والتأثر، واحمرتا قليلًا وهو يقول بنبرة عجولة حاول من خلالها مداراة مشاعره: «وماذا تنتظر إذن؟ انطلق فورًا!».
ابتسم "شون لونغ" واستدار عائدًا نحو الحارس. ثم أطلق هالة في منتصف المستوى السادس من تدوير التشي، وأمره بنبرة حازمة: «أنا هنا من أجل اختبار "طائفة الغيمة العائمة"، دلّني على الطريق».
تفاجأ الحارس واشتعل غضبًا من جرأة فتى صغير في التحدث إليه، وهو حارس إمبراطوري، بهذا الأسلوب الجاف، لا سيما وأن مستوى الفتى أقل بكثير من مستواه هو، إذ كان الحارس في بداية المستوى التاسع… لكنه لم يستطع فعل أي شيء حيال ذلك.
فالأوامر كانت صارمة وواضحة: كل من يرغب في خوض الاختبار واستوفى شروط "طائفة الغيمة العائمة" يُنقل مباشرة إلى قاعة القصر.
قاد الحارس "شون لونغ" إلى الداخل، وعبر به متاهة من الممرات المعقدة وصولًا إلى القاعة الرئيسية.
وخلال الطريق، رأى الفتى العديد من الحراس في كل ركن، ما أظهر بوضوح أن الإجراءات الأمنية بالغة الصرامة اليوم، بل ولاحظ وجود حراس من مرتبة الأرض يتمركزون في مواقعهم كلما توغلوا داخل القصر.
وعندما وصلا أخيرًا إلى نهاية الممر، قال الحارس بنفاد صبر: «هنا، في نهاية هذا الممر تقع قاعة القصر. لا يُسمح لي بالدخول، لذا سأعود إلى موقعي».
تجاهله "شون لونغ" للمرة الثانية في يومه، فشعر الحارس بغيظ شديد كأنه ابتلع ذبابة، وفكر في نفسه بحنق وهو يستدير عائدًا: «ما بال هذا الصبي بغيضًا ومستفزًا إلى هذا الحد؟!».
وصل "شون لونغ" إلى نهاية الممر، ودفع الباب الضخم الماثل أمامه.
كان في الغرفة واحد وعشرون شابًا وفتاة. وزُين المكان ببذخ لافت بمختلف الجواهر والأحجار الكريمة، والمناضد الذهبية والمقاعد الفاخرة والأرائك الوثيرة.
وفور دخوله، التفتت أنظار الجميع نحوه دفعة واحدة. بدا أغلب الحاضرين دون العشرين من العمر، لكن كان بينهم أيضًا قلة ممن تجاوزوا العشرين.
وفجأة، تناهى إلى سمعه صوت مألوف: «يا للمفاجأة! لم أتوقع أبدًا أن نلتقي هنا يا أخي الصغير شون!».
اقترب منه شاب يرتدي رداءً أبيض تعلو وجهه ابتسامة عريضة. صنع رداء "شون لونغ" الأزرق وملامحه الوسيمة الجذابة إلى جانب الشاب صاحب الرداء الأبيض مظهرًا لافتًا جعل وجوه الفتيات في الغرفة تحمرّ خجلًا وإعجابًا.
التفت الفتى ليرى "لو ون" يبتسم في وجهه. اقترب منه الكيميائي وربت على كتفه بمودة قائلًا: «ههههه، من كان يصدق أنك ستحرز كل هذا التقدم في مثل هذا الوقت القصير؟! هذا أمر لا يكاد يُصدق حقًا!».
ثم خفض صوته وهمس متسائلًا: «هل يعود الفضل في ذلك إلى الحبة التي منحك إياها ذلك الخبير؟».
كان "لو ون" يدرك أنه حتى لو عجز عن استشعار مستوى طاقة الفتى بدقة، فلا بد أنه وصل إلى المستوى السادس على الأقل، وإلا لما سُمح له أصلًا بالدخول إلى القصر.
في الحقيقة، كان "لو ون" شخصًا يميل إلى الغرور في أعماقه، لكنه استفاد استفادة هائلة من المرجل النفيس الذي أهداه إياه "شون فانغ" في القصر، لذا باتت نظرته لعائلة "شون" ممتازة وإيجابية للغاية.
كان مبدأ "لو ون" بسيطًا للغاية: «من يقدّم لي معروفًا أعامله كصديق، ومن لا يفعل فلا ينتظر مني أي اعتبار؛ فأنا كيميائي موهوب من المستوى الثاني في النهاية». ولهذا كان دافئًا ولطيفًا جدًا في تعامله مع "شون لونغ" هذه المرة.
أومأ الفتى برأسه موافقًا، وبينما كانا يستعدان للبحث عن مكان للجلوس، انطلق صوت رجل غريب من خلفهما يقطر حقدًا وكراهية: «إذن… أنت هو شون لونغ؟».
ترجمة
ثراندويل
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.