الفصل 164: غاية تشانغ دينغ شيانغ
حوّل "شون لونغ" انتباهه صوب مصدر الجلبة، فرأى بدوره رجلاً في منتصف العمر يرتدي أردية بنفسجية فاخرة يشق طريقه عبر الحشود نحوهما؛
كان رجلاً أصلع الرأس، ممتلئ القوام بملامح وجه دمثة وبشوشة، يبدو في أواخر الأربعينيات من عمره وتبرز نتوء ملحوظة في جبهته؛ وافتر ثغره عن ابتسامة عريضة وهو يثبت نظراته نحو شون لونغ و"ليو مي".
ولاحظ شون لونغ أيضاً وجود شارتين تستقران على صدر هذا الرجل: إحداهما اتخذت شكل هلال مقوس، بينما كانت الأخرى — للمفاجأة — شارة فضية حُفر عليها الحرف الإنجليزي (A)؛ مما عنى أن هذا الرجل الممتلئ كان في واقع الأمر مرتزقاً يحمل رتبة المرتزق (A)!
«أليس هذا هو الشيخ تشانغ؟! ما الذي يفعله هنا في هذه القاعة؟!».
«صحيح! لقد سمعتُ أن الشيخ تشانغ قد بلغ بالفعل المستوى السادس من "عالم الروح"، ويُعد أحد أعتى الخبراء في "نقابة القمر الشاحب التجارية" بأسرها!».
«لعل حضوره هنا بدافع رغبته في اقتناء مرجل كيميائي جديد؟ فقد تناهى إلى علمي أن الشيخ تشانغ خيميائي في المستوى الثاني من الرتبة الفضية بالفعل!».
توقف الرجل الممتلئ قبالة شون لونغ وليو مي، وتحت أنظار الذهول والانبهار التي ألجمت الحشود المحيطة، ضم قبضتيه باحترام ونظر نحوهما قائلاً بابتسامة تفيض وداً:
«أيها السيد الشاب، وأيتها الآنسة الكريمة، اسمي "تشانغ دينغ شيانغ"، وأنا أحد شيوخ "نقابة القمر الشاحب التجارية"؛ أيسعني أن أتشرف بمعرفة اسميكما الكريمين؟».
عقد شون لونغ حاجبيه قليلاً لرؤية أحد كبار شيوخ "نقابة القمر الشاحب التجارية" يدنو منهما دون سبب جلي؛ غير أنه وفور أن لمح تلك النظرة الخاطفة والمواربة التي اختلسها تشانغ دينغ شيانغ نحو "ملك الفهود ذي الأجنحة الفضية" الرابض خلفه، خمن شون لونغ في التو حقيقة ما يجري في خلد الرجل، وأجاب بابتسامة هادئة تعلو محياه:
«أنا شون لونغ، وهذه زوجتي، ليو مي».
وبطبيعة الحال، لم يكن لدى شون لونغ أي مسوغ أو داعٍ لإخفاء اسمه الحقيقي في قارة نجم الليل؛ إذ لم يكن ليصدق أنه حتى لو اصطدم بأعداء هنا، فسيكون في مقدور أي مخلوق اقتفاء أثره وتتبعه طوال الطريق الممتد من قارة نجم الليل وصولاً إلى الشرق المقفر، ناهيك عن العثور على تلك الجزيرة المنعزلة الخاضعة لسيطرة "طائفة الغيمة العائمة" في العالم الفاني!
وفضلاً عن ذلك، فمن المرجح أنه لم يكن الشخص الوحيد في أرجاء هذه القارة الشاسعة الذي يحمل اسم شون لونغ، والأمر عينه ينطبق على اسم ليو مي تماماً.
شعرت ليو مي بلهيب الخجل يصبغ وجنتيها بحمرة قانية من وراء نقابها الأبيض الناصع، فور سماعها لشون لونغ ينعتها بـ «زوجتي» على الملأ وأمام تلك الحشود، بينما ارتسمت في الوقت عينه ابتسامة عذبة وحلوة ملأت ثغرها؛
أومأ تشانغ دينغ شيانغ برأسه إعجاباً، واستطرد قائلاً:
«لقد بلغ مسامعي أنه منذ قرابة عشرة أيام مضت، ظهر في "رابطة المرتزقة" شاب وسيم الطلعة برفقة فتاة محجبة بنقاب أبيض ذات قوام فاتن، وهما يعتليان ظهر فهد أسود عظيم؛
والآن وبعد أن عاينتكما بأم عيني، لا يسعني إلا الإقرار بصدق تلك الأنباء؛ فحقاً، لا يليق بفاتنة كهذه إلا أن ترافق نبيلاً فارساً مثلك!».
لم يغتر شون لونغ أو يطرب لتلك الكلمات المعسولة وإطراء تشانغ دينغ شيانغ؛ إذ استوعب بوضوح أن هذا الرجل يضمر غاية محددة يسعى خلفها بدخوله هذا؛
وبالفعل، فبعد برهة خاطفة، تابع الرجل الممتلئ ذو الرداء البنفسجي حديثه قائلاً:
«في واقع الأمر، أتساءل إن كنتَ تتكرم بالموافقة على خلوة خاصة لنتجاذب أطراف الحديث معاً يا سيدي الشاب شون؛ فثمة بعض المسائل الهامة التي أود التباحث بشأنها معك».
ورؤيةً لاهتمام شون لونغ السابق بمراجل الرتبة الفضية، استدرك تشانغ دينغ شيانغ مغرياً إياه:
«ومن حسن الطالع أيضاً، أننا نحتفظ بمراجل كيميائية أرقى وأفخر بكثير داخل الغرفة الخاصة في الخلف».
التمع وميض نافذ في عيني شون لونغ للحظة، قبل أن يبتسم ويضم قبضتيه مجيباً بدماثة:
«في هذه الحالة، سأثقل عليك إذن».
اتسعت ابتسامة تشانغ دينغ شيانغ العريضة، ولوّح بكفيه مراراً نافياً:
«لا كلفة ولا ثقل على الإطلاق! طالما وافقتَ على ذلك، فلا تعاملني كغريب عنك بعد الآن يا سيدي الشاب شون!».
ابتسمت ليو مي برقة من وراء نقابها الأبيض، بينما قادهما الرجل الممتلئ بخطى حثيثة نحو حجرة خاصة في مؤخرة القاعة الفسيحة؛
وفور ولوج الحجرة، رأى شون لونغ طاولة سوداء صغيرة الحجم، بدت مصقولة من مادة شبيهة بالرخام الفاخر؛ والتفت حول الطاولة أريكة وثلاثة مقاعد، كُسيت جميعها بفرود ناعمة من جلود "ثعالب القرمز ذات الأعين الذهبية" من الرتبة الثالثة؛
وكان شون لونغ يعلم أن فراء ثعالب القرمز من الرتبة الثالثة يظل دافئاً ومريحاً على الدوام أياً كانت برودة المحيط الموضوع فيه؛
وعند الجدار المنتصب في نهاية الغرفة، اصطفت رفوف جدارية متعددة، عُرض فوقها ما يربو على مئة مرجل من مراجل الرتبة الفضية المتلألئة!
ولم يكن شون لونغ يخشى الوقوع في كمين أو فخ قبيل أن تطأ قدماه عتبات هذه الحجرة؛
فما لم يكن لديهم ثلة من خبراء ذروة المستوى التاسع من "مرحلة الروح الوليدة"، أو خبير في مرتبة "ملك الداو"، فمن المستحيل عملياً على أي مخلوق أن يجرؤ على كبح جماح "ملك الفهود ذي الأجنحة الفضية" إن أطلق العنان لبطشه وهاج في الأرجاء!
ولم يكن معلوماً إن كان تشانغ دينغ شيانغ قد استشف أفكار شون لونغ، حيث أشار بيده نحو المراجل الفضية المصطفة على الجدار وقال بابتسامة واثقة:
«كما ترى بأم عينيك يا سيدي الشاب شون، فإن نواياي تجاهكما تتسم بالصدق والنزاهة المطلقة».
لم يتعجل شون لونغ فحص المراجل الفضية المعروضة على الجدار، بل صوّب نظراته الهادئة نحو الرجل الماثل أمامه، الذي أشار بلباقة داعياً إياهما للجلوس فوق الأريكة الوثيرة قائلاً:
«سيدي الشاب شون، آنستي الشابة مي، تفضلا بالجلوس والاستراحة».
«شكراً لك».
ابتسم شون لونغ بعد أن استشعر أريحية الرجل، واستقر هو وليو مي فوق الأريكة قبالة تشانغ دينغ شيانغ؛
تفرس تشانغ دينغ شيانغ في وجه شون لونغ، ودخل في صلب الموضوع دون مواربة:
«سيدي الشاب شون، لن أطيل أو ألف وأدور في الحديث؛ أود أن أعرض عليك الانضمام إلى "نقابة القمر الشاحب التجارية" لدينا بصفتك مرتزقاً خصوصياً؛ وأفترض أنك تدرك مسبقاً أنك كمرتزق خاص لن تكون مطالباً بمد يد العون لنقابتنا إلا أثناء المهام المصيرية وفائقة الأهمية، ولن نثقل عليك أو نتدخل في شؤونك في سائر الأوقات بخلاف ذلك».
وبعد وقفة تأمل مقتضبة، ثبت الرجل الأصلع عينيه في عيني شون لونغ وتابع موضحاً ثقل العرض:
«ورغم أن نقابتنا لا تعتلي عرش الصدارة المطلقة في مدينة السيف الفضي، إلا أننا نصنف بلا ريب ضمن أقوى عشر نقابات مهيمنة هنا؛
وفضلاً عن ذلك… إن تفضل السيد الشاب شون بالموافقة على الانضمام لصفوفنا، فإن "نقابة القمر الشاحب" على أتم الاستعداد لدفع راتب شهري قدره 10,000 حجر روح، لقاء خدماتك وعونك لنقابتنا!».
شاركونا رأيكم وتوقعاتكم في التعليقات! 💬🍿
ترجمة
ثراندويل
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.