مساحة للحكاية، ووقت لك← من سمح له بالسعي إلى الخلود
الفصل 36: ولا واحد يبعث على الاطمئنان!نحو 10 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 36: ولا واحد يبعث على الاطمئنان!

الفصل 36: ولا واحد يبعث على الاطمئنان!

"قد تبدو الأخت الكبرى الكبرى هادئة ورصينة في الظاهر، لكنها في الحقيقة متقلبة المزاج كالعاصفة؛ كل ما في الأمر أنها لا تظهر ذلك على صفحة وجهها أبداً! والمثل السائر يقول: 'مصاحبة الملك كمصاحبة النمر'. والبقاء إلى جوارها لا يختلف قيد أنملة عن مرافقة نمر كاسر!"

"صحيح أنها حسناء نادرة النظير، بل لعلها أبهى امرأة وقعت عليها عيناي على الإطلاق، لكن المظاهر خادعة ولا يجوز الحكم على الكتاب من غلافه! هل تتخيلون ما تفعله بي؟ في كل وجبة طعام، تجبرني على قضم والتصدي لأكوام من أطراف الوحوش الضارية المكسورة وبقايا النباتات المسحوقة! وحين ينتصف الليل، تجبرني على غمر جسدي بالكامل في ماء مشبع بجثث وأشلاء الأعشاب الطبية الروحية، زاعمةً بلا خجل أن هذا سيعينني على تقوية بنيتي الجسدية!"

"وفي مرة أخرى، أردتُ تعلم تعاويذ الفضاء لتسهيل سفري وتنقلي مستقبلاً، فإذا بها تعلمني كيف أتقلص وأصغر في الحجم بدلاً من ذلك، لتطبق عليّ بقبضة يدها وتتلاعب بي حرفياً كدمية بين أصابعها!"

أخذ لو يانغ يندد بـ "فظائع" يون تشي ويشجبها بصوت جهوري، مما لاقى صدى وجدانياً فورياً لدى ملوك الأعشاب الصغار ونال تعاطفهم الجارف.

لم تتمالك دمية الجينسنغ نفسها، فاقترحت بحماس: "إذا كان الأمر كذلك، فلننسق جهودنا للتحرك معاً من الداخل والخارج! ستكون أنت عميلنا وجاسوسنا في الداخل، بينما نكون نحن سندك الخارجي؛ هلموا بنا نعلن الثورة والتمرد على تلك الشيطانة في التو واللحظة!"

فوجئ لو يانغ بالاندفاع وسارع لثنيهم بهلع: "إياكم والتهور! مستحيل، لا يجوز ذلك على الإطلاق! هذا أمر يقتضي التريث والدراسة المتأنية؛ فبصفتها التلميذة الأولى لطائفة السعي نحو الداو، فإن مستوى زراعة الأخت الكبرى الكبرى شاهق وعصي على السبر. وأخشى أننا نحن القلة القليلة لن نكون نداً لها بأي حال." ثم شرع في تحليل الموقف ببرود وحكمة: "حرصاً على سلامتنا التامة، يمكننا الانتظار حتى تبلغ زراعتي مرحلة 'تجاوز المحنة'؛ وحينها فقط ستكون فرصنا في النصر حاسمة. وعندئذ، يتحرك الجميع كجسد واحد لشن الهجوم المضاد على الأخت الكبرى والإطاحة بها بضربة واحدة قاضية! وفي تلك اللحظة، سيسترد كل منكم حقه وينتقم لنفسه ويصفي حساباته القديمة؛ ألن يكون ذلك خياراً أفضل وأحكم بمراحل؟!"

أُخذ ملوك الأعشاب الصغار بالذهول والإعجاب: كما هو متوقع من بني البشر؛ إنهم شديدو الإحكام والتنظيم حقاً! هتفوا جميعاً: "لقد ظننا في البداية أن مستوى ذكائك أدنى من ذكائنا، لكن من كان يظن أنك ستخرج بمثل هذه الخطة العبقرية والمحكمة؟! يبدو أن ذكاءك يضاهي فصاحتنا ونباهتنا تماماً!"

وبوجود عدو مشترك يجمعهم، سرعان ما توطدت أواصر الصداقة بين لو يانغ وصغار ملوك الأعشاب وأصبحوا رفاقاً مخلصين؛ فتعالت جلبة أصواتهم الصاخبة وهم يهتفون بعزمهم على سحق تلك الشيطانة:

مع انضمام لو يانغ إلى صفوفنا نحن ملوك الأعشاب الصغار، ازدادت قوتنا وبات شأننا كنمر نبتت له أجنحة! لقد أصبح النصر قاب قوسين أو أدنى وفي متناول أيدينا، كمن يمد يده في جيبه تماماً!

وعند مدخل حديقة الأعشاب، كان الجد با يراقب عبر "مرآة الماء" السحرية كيف يشحذ لو يانغ همم الجميع ويلهب حماسهم بخطته التمردية. أطلق العجوز تنهيدة أسى مديدة؛ لقد أمرته يون تشي برعاية لو يانغ ومراقبته عن كثب حتى لا يصيبه أي مكروه، غير أنها شددت على ضرورة إبلاغها فوراً في حال وقوع أي "طارئ" أو حادث غير متوقع.

هل يُعد هذا المشهد الراهن حادثاً طارئاً؟ إن أخبرتُ يون تشي بالحقيقة الآن، فربما يستحيل الأمر إلى حادث وكارثة محققة حتى لو لم يكن كذلك في الأصل!

دمدم العجوز بقلة حيلة: "شباب هذا الزمان… لماذا لا يوجد بينهم ولو واحد يبعث على الاطمئنان بحق؟!"

"بعد كل هذا الحديث المستفيض، تذكرتُ أنني لم أعرض عليكم تعويذتي عملياً بعد." تمطى لو يانغ متأهباً لتفعيل تقنية "تقليص الأرض". متخذاً وضعية الغطس، قفز مباشرة في باطن التراب.

أبدت شجرة استنارة الداو ردة فعل مماثلة تماماً لما أبدته يون تشي سابقاً؛ فانتابها الذهول من هول المشهد: *رغم كل تلك السنين الطوال التي عشتها، لم أشهد تعويذة بمثل هذه الغرابة من قبل! تبدو في ظاهرها تعويذة مكانية كتقليص الأرض إلى شبر، لكن عند تطبيقها الفعلي، فإنها تماثل التعاويذ العنصرية تماماً!*

*أن يبتكر تعويذة غير مسبوقة في مثل هذه السن الغضة… إنه حقاً نابغة في عالم التعاويذ السحرية!*

والآن، وبعد أن بات لو يانغ في أوج تمرسه وانسجامه مع مهارة "تقليص الأرض"، صار بمقدوره تأدية حركات الغطس، وسباحة الصدر، وسباحة الفراشة، وحتى السباحة الحرة داخل جوف التربة! وكانت مراقبته وهو ينساب دخولاً وخروجاً من باطن الأرض بسلاسة مطلقة كفيلة بإيهام الناظر وإصابته بالهلوسة وكأن التراب قد تحول إلى ماء رقراق!

وبعد أن فرغت عشبة خلود التشي لين وزهرة منتهى الزمن من عراكهما الطفولي، أخذت دمية الجينسنغ وعشبة النجوم ثلاثية الأوراق تسردان عليهما ويلات ما تجرعتاه تحت مخالب تلك الشيطانة.

"أخيراً بات لدينا نحن معشر ملوك الأعشاب عميل سري مزروع في قلب عالم البشر!" جلس صغار ملوك الأعشاب الأربعة فوق أحد أغصان شجرة استنارة الداو يصفقون بحرارة، وهم يرون في لو يانغ كائناً فائق البأس والمهارة.

وفجأة، انطلقت صيحة غريبة من فم لو يانغ؛ دافعاً بساقيه بقوة، قفز عالياً في الهواء! فتح ذراعيه على مصراعيهما مشكلاً هيئة صليب، ودار حول نفسه دورة كاملة بزاوية 360 درجة في الفضاء. غير أنه، ومع تأوه مكتوم، هوى بوجهه مباشرة ليرتطم بالأرض؛ لقد أصابه دوار شديد من فرط الدوران في منتصف الهواء!

*فشلت محاولة التباهي والاستعراض بنجاح تام.*

سارع ملوك الأعشاب الصغار بهلع لنقل لو يانغ ورفعه؛ ومثل هذه الرضوض لم تكن سوى خدوش سطحية بالنسبة لمزارع في مرحلة تأسيس الأساس، ولن تستغرق سوى برهة وجيزة لتلتئم.

وعندما تيقن ملوك الأعشاب الصغار من أن لو يانغ يجيد بالفعل تهوية التربة وتفكيكها، أخرجوا خريطة لحديقة الأعشاب، طالبين منه اتباع المسار المحدد بعناية عند الغوص في التراب.

"أعشاب هذا القطاع تملك جذوراً ضاربة في القدم والعمق — يمكنها الوصول حتى الطبقة الثالثة من التربة؛ لذا عليك توخي أقصى درجات الحذر لتفادي ملامسة جذورها كي لا تقع في سوء فهم لا تُحمد عقباه. نصيحتي لك هي أن تغوص وتقلب التربة على عمق يتراوح بين ثلاثة إلى خمسة أمتار تحت الأرض؛ فتلك هي المنطقة الآمنة تماماً. أما الأعشاب في القطاعات الأخرى فتمتد جذورها من نصف متر إلى مترين فحسب."

سأل لو يانغ بفضول ساذج: "وماذا سيحدث إن لامستُ جذورها؟"

أجابت دمية الجينسنغ بملامح جادة ومهيبة: "سنظن أن لديك هوساً شاذاً بالأقدام !"

كادت علامات الاستفهام أن تقفز وتتفجر من رأس لو يانغ من فرط الذهول!

تدخلت زهرة منتهى الزمن معقبة: "هناك الكثير من المنحرفين بين معشر بني جنسكم من البشر! فهم يهوون التهام جلود أقدامنا النباتية مع احتساء الجعة، زاعمين أن مذاقها لذيذ ومقرمش! ومن أجل ذلك، يزرعون كميات مهولة منها!"

"وما هو هذا النبات الذي تتحدثين عنه تحديداً؟"

"الفول السوداني."

عجز عقل لو يانغ عن مجاراة قطار الأفكار الغريب وغير المترابط لملوك الأعشاب الصغار. ولحسن الحظ، لم يستغرق في هذا الجدال طويلاً، وشرع على الفور في اتباع مسار الحفر والتهوية الذي حددته له دمية الجينسنغ.

كانت دمية الجينسنغ قد سئمت وملّت من مراقبة زوجي ديدان الأرض في السابق، لكنها وجدت متعة استثنائية وتسلية بالغة في مراقبة كائن بشري يغوص في باطن التربة؛ فأخذت تركض خلف لو يانغ وتتبعه كظله.

وكان بمقدور ملوك الأعشاب الصغار السير تحت الأرض بطبيعة الحال، غير أن أسلوبهم اختلف جذرياً عن طريقة لو يانغ؛ فهم يندمجون مع نسيج الأرض مباشرة، بدلاً من إزاحة ودفع التراب كما يفعل هو.

واستحالت التربة في البقاع التي عبر بها لو يانغ هشة ولينة، بالقدر المثالي والمريح لحركة ملوك الأعشاب الصغار.

راقبت شجرة استنارة الداو لهوهم ومرحهم وأطلقت تنهيدة حسرة: للأسف الشديد، الأشجار عاجزة عن الغوص تحت التراب. ثم رفعت بصرها نحو قرص الشمس الملتهب فوجدته يرسل حرارة لاهبة، فتنهدت ثانية: "لماذا أنا فارعة الطول هكذا بلا داعٍ؟ حتى إنني أعجز عن العثور على شجرة تظللني لأستريح في فيئها!"

استشعرت شجرة استنارة الداو أن هذا الكون بأسره يكنّ لها عداءً وضغينة دفينة!

ظل ملوك الأعشاب الصغار يتعقبون أثر لو يانغ ويلعبون طوال اليوم؛ وفي طريق العودة، استمروا في اللهو والضحك وهم يهتفون ببهجة: "هلموا بنا نغلي بعض الماء للاستحمام!"

وكانت شجرة استنارة الداو قد أعدت مسبقاً دلواً خشبياً ضخماً مترعاً بالماء حتى حافته، مستمداً من مياه ذلك الجدول الرقراق الذي يروي الحديقة.

انبثق ضوء وهاج من بطن عشبة خلود التشي لين وصعد تدريجياً إلى الأعلى، حتى استقر عند فمها، لتنفث دفعة هادرة من "نيران التشي لين الحقيقية"!

كانت عشبة خلود التشي لين تتصرف تماماً ككائن التشي لين الأسطوري الحقيقي؛ ولا عجب إذاً أن يزعم القدماء في حكاياتهم أنهم عاينوا التشي لين رأي العين!

تمتعت نيران التشي لين الحقيقية بدرجة حرارة بالغة الارتفاع؛ وفي جزء من الثانية، أخذ الماء يغلي ويفور بالفقاقيع الساخنة. قفز ملوك الأعشاب الصغار واحداً تلو الآخر في جوف الدلو، وأغمضوا أعينهم مسترخين وهم يطفون بدلال فوق صفحة الماء!

بدا هذا المشهد مألوفاً للغاية في عيني لو يانغ، كأنه عاين أمراً مماثلاً داخل أروقة المطبخ من قبل…

أوه، لقد تذكرتُ الآن! هذا ما يُعرف بـ 'المطبخ الدوائي العلاجي' (الأطباق العلاجية بالطب الصيني)[1]!

لكنها بالتأكيد المرة الأولى في حياتي التي أرى فيها مكونات الطبخة تقفز بكامل إرادتها وحماسها إلى داخل القدر المغلي!

وسرعان ما فاحت في الأجواء نفحات عطرية دوائية سحرت الألباب؛ استنشق لو يانغ نفساً عميقاً فسرى النشاط والانتعاش في كافة مسامات بدنه، بل وخُيل إليه أن زراعته قد أوشكت على إحراز تقدم واختراق جديد!

كما هو متوقع من ملوك الأعشاب… إن طاقتهم الدوائية الشافية لتبث الرعب والرهبة في النفوس حقاً.

راقب لو يانغ ملوك الأعشاب الصغار وهم يمرحون في الماء، ولم يتمالك نفسه من الابتسام بقلة حيلة.

أتذكر أن الأخت الكبرى الكبرى ذكرت ذات مرة أن الخلود وطول العمر بمثابة سمّ زعاف، وألم مضنٍ وعذاب مقيم تعجز قدرة البشر العاديين عن تحمله؛ ووحدهم أولئك الذين يملكون معدناً استثنائياً يفوق صفات البشر قادرون على تحمل وحشة وأسى الخلود.

لقد عاصر هؤلاء الملوك الصغار حقباً وأدهاراً سحيقة لا حصر لها، وعاينوا بأعينهم أحداثاً تاريخية عظاماً تزلزل الألباب؛ وفني أولئك البشر وتلاشت تلك الممالك، بينما ظل ملوك الأعشاب الصغار وحدهم على قيد الحياة.

وأخشى أنه لولا تلك الطبيعة الطفولية البريئة التي يتحلون بها، لما أمكنهم العيش لكل هذه القرون الممتدة دون أن يصيبهم الانهيار والجنون التام.

كل ما في الأمر… أنهم سذج وقابلون للخداع والتصديق بسهولة مفرطة!

—

الهوامش:

[1] المطبخ الدوائي (Yaoshan / 药膳): فرع عريق من فروع الطب الصيني التقليدي يدمج بين علم التغذية وفنون الطهي والأعشاب الطبية العلاجية؛ حيث تُطهى الأعشاب واللحوم في حساء علاجي غني يهدف إلى تعزيز مناعة الجسد وتغذية طاقة الـ "تشي" والدم، ويمكن تشبيهه بتعاون مشترك بين اختصاصي تغذية وطبيب خبير.

—

خواطر المترجم (راكومون):

هل تتفقون مع وجهة نظر يون تشي ولو يانغ حول كون الخلود عذاباً وألماً لا يُطاق؟ >

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.